المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أحكام السبايا في الاستبراء: - فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية - جـ ٥

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌7 - باب الطلاق

- ‌تعريف الطلاق لغة وشرعًا:

- ‌ذكر المفاسد المترتبة على الطلاق:

- ‌حكم طلاق الحائض

- ‌المحرم من الطلاق:

- ‌اختلاف حكم الطلاق ثلاثة مجموعة في عهد عمر رضي الله عنه:

- ‌مسألة: هل يقع الطلاق بحديث النفس أو الوسوسة

- ‌حكم الطلاق الخطأ وطلاق المكره:

- ‌ثبوت الطلاق يترتب على ثبوت النكاح:

- ‌حكم طلاق الصغير والمجنون والسكران:

- ‌كتاب الرجعة

- ‌حكم الإشهاد في الطلاق والرجعة:

- ‌1 - باب الإيلاء والظهار والكفارة

- ‌حكم الإيلاء:

- ‌مدة الإيلاء:

- ‌حكم المجامع في رمضان:

- ‌كفارة الظهار:

- ‌2 - باب اللعان

- ‌تعريف اللعان:

- ‌3 - باب العدة والإحداد والاستبراء وغير ذلك

- ‌عدة الوفاة

- ‌عدة الطلاق وفسخ النكاح:

- ‌حكم السكنى والنفقة للمطلقة البائنة وعدتها:

- ‌حكم التطيب والحناء في الحداد:

- ‌حكم الكحل في الحداد:

- ‌حكم خروج المعتدة المطلقة:

- ‌حكم خروج المعتدة بعد وفاة زوجها من بيتها:

- ‌طلاق الأمة وعدتها:

- ‌الاستبراء وأحكامه:

- ‌أحكام امرأة المفقود في العدة وغيرها:

- ‌التحذير من الحلوة بالأجنبية:

- ‌أحكام السبايا في الاستبراء:

- ‌4 - باب الرضاع

- ‌تعريف الرضاع:

- ‌مسألة إرضاع الكبير وأحكامها:

- ‌يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب:

- ‌صفة الرضاع الذي يثبت به التحريم:

- ‌النهي عن استرضاع الحمقى:

- ‌5 - باب النفقات

- ‌أسئلة ومناقشة:

- ‌النفقة على الزوجة والأولاد وأحكامها:

- ‌النفقة على المملوك وأحكامها:

- ‌حكم النفقة على الحامل المتوفى عنها زوجها:

- ‌مسألة طلب المرأة الطلاق عند عجز زوجها عن النفقة:

- ‌النفقة على الوالدين وأحكامها:

- ‌6 - باب الحضانة

- ‌تعريف الحضانة:

-

- ‌كتاب الجنايات

- ‌تعريف الجنايات لغة وشرعًا:

- ‌حرمة دماء المسلمين وتعظيمها:

- ‌المعتدي جان يفعل به كما فعل:

- ‌حالات إباحة قتل المسلم:

- ‌حرمة الدماء:

- ‌القصاص من الحر للعبد:

- ‌حكم قود الوالد بولده:

- ‌حكم قتل المسلم بكافر:

- ‌حكم قتل المؤمن بمعاهد:

- ‌الجناية على النفس:

- ‌جناية الصغير والمجنون:

- ‌ترك القصاص في الجروح قبل البرء:

- ‌الجناية على الحمل:

- ‌العفو عن الجناية:

- ‌الجناية على النفس وأنواعها:

- ‌الاشتراك في الجناية:

- ‌قتل الجماعة بالواحد:

- ‌التخيير بين الدية والقصاص وشروطه:

- ‌1 - باب الديات

- ‌مقادير الدية في الجروح:

- ‌دية القتل الخطأ:

- ‌دية قتل العمد وشبه العمد:

- ‌إلحاق دية شبه العمد بالقتل الخطأ:

- ‌دية الأصابع والأسنان:

- ‌ضمان الطبيب:

- ‌دية الشجاج:

- ‌دية أهل الكتاب:

- ‌دية المرأة والرجل:

- ‌تغليظ الدية وضوابطه:

- ‌2 - باب دعوى الدم والقسامة

- ‌3 - باب قتال أهل البغي

- ‌تعريف البغي، وبيان أهل البغي بالتفصيل:

- ‌قتال من حمل السلاح على المسلمين:

- ‌عقوبة مفارقة الجماعة:

- ‌ضوابط معاملة البغاة:

- ‌الحث على الاجتماع ونبذ الفرقة:

- ‌4 - باب قتال الجانب وقتل المرتدِّ

- ‌جواز قتل الصائل:

- ‌سقوط الضمان في الدفاع عن النفس:

- ‌سقوط الضمان للمتطلع لبيوت المسلمين:

- ‌ضمان ما أتلفته المواشي:

- ‌قتل المرتد:

- ‌شروط قتل المرتد:

- ‌قُتل من سب النبي أو زوجاته أو أصحابه:

- ‌كتاب الحدود

- ‌مفهوم الحدود وحكمه:

- ‌1 - باب حد الزاني

- ‌حد الزاني غير المحصن:

- ‌حكم الجمع بين الجلد والرجم:

- ‌ثبوت الزنا بالإقرار:

- ‌وجوب التثبت في إثبات الزنا:

- ‌طرق ثبوت الزنا

- ‌حد الأمة الزانية:

- ‌السيد يقيم الحد على مملوكه:

- ‌تأجيل إقامة حل الزنا على الحامل:

- ‌تخفيف الحد على المريض الضعيف:

- ‌عقوبة اللواط:

- ‌الجمع بين الجلد والتغريب للزاني البكر:

- ‌لعنة المخنثين والمترجلات:

- ‌درء الحدود بالشبهات:

- ‌وجوب إقامة حد الزنا عند ثبوته:

- ‌2 - باب حدِّ القذف

- ‌اللعان:

- ‌حد المملوك القاذف:

- ‌3 - باب حدِّ السَّرقة

- ‌نصاب السرقة الموجب للقطع:

- ‌جحد العارية:

- ‌المختلس والمنتهب:

- ‌اشتراط الحرز لوجوب القطع:

- ‌ثبوت السرقة بالإقرار:

- ‌لا ضمان على السارق:

- ‌حكم الجمع بين الضمان والقطع:

- ‌الشفاعة في الحدةد، ضوابطها:

- ‌الشبهة أنواعها وشروط انتفائها:

- ‌4 - باب حدِّ الشَّارب وبيان المسكر

- ‌عقوبة شارب الخمر:

- ‌تجنب الضرب على الوجه:

- ‌الخمر بين الطهارة والنجاسة:

- ‌كل مسكر خمر:

- ‌حكم مزج الزبيب بالماء أو اللبن:

- ‌حكم التداوي بالمحرم:

- ‌حكم التداوي بالخمر:

- ‌5 - باب التعزيز وحكم الصَّائل

- ‌التعزيز بين الوجوب والاجتهاد:

- ‌إقالة العثرات وضوابطها:

- ‌حكم الصائل:

- ‌الدفاع عن النفس:

-

- ‌كتاب الجهاد

- ‌تعريف الجهاد لغة وشرعًا:

- ‌أقسام الجهاد:

- ‌وجوب جهاد الدفاع وشروطه:

- ‌شرط القدرة على الجهاد وضوابطه:

- ‌الترغيب في الجهاد في سبيل الله:

- ‌جهاد النساء:

- ‌تقديم بر الوالدين على الجهاد:

- ‌حكم الإقامة في دار الكفر:

- ‌الهجرة من دار الكفار وأحكامها:

- ‌وجوب الإخلاص في الجهاد:

- ‌جواز الهدنة:

- ‌حكم الإغارة بلا إنذار:

- ‌وصايا الرسول صلي الله عليه وسلم لأمراء الجيوش:

- ‌فائدة جواز الجزية من مشركي العرب:

- ‌التورية عند الغزو:

- ‌القتال أول النهار وأخره:

- ‌جواز قتل النساء والذرية عند التبييت:

- ‌لا يستعان بمشرك في الحرب:

- ‌النهي عن قتل النساء والصبيان في الحروب:

- ‌جواز قتل شيوخ المشركين:

- ‌المبارزة في الحروب:

- ‌الحمل على صفوف الكفار وضوبطه:

- ‌إتلاف أموال المحاربين:

- ‌النهي عن الغلول:

- ‌سلب القاتل:

- ‌الرمي بالمنجنيق:

- ‌جواز قتل المرتد في الحرم:

- ‌القتل صبرًا:

- ‌الأسير وأحواله:

- ‌إسلام الكافر ونتائجه:

- ‌معرفة الجميل لأهله:

- ‌النهي عن وطء المسبية حتى تستبرأ أو تضع:

- ‌تنفيل المجاهدين بعد قسمة الفيء:

- ‌سهم الفارس والفرس والراجل:

- ‌حكم التنفيل:

- ‌حكم الأخذ من طعام العدو قبل القسمة:

- ‌وجوب المحافظة على الفيء:

- ‌يجير على المسلمين أدناهم:

- ‌إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب:

- ‌إجلاء بني النضير من المدين

- ‌تقسيم غنائم خيبر:

- ‌لا يحبس الرسول صلى الله عليه وسلم الرسل ولا ينقض العهد:

- ‌حكم الأرض المفتوحة:

- ‌1 - باب الجزية والهدنة

- ‌أخذ الجزية من المجوس:

- ‌أخذ الجزية من العرب:

- ‌مقدار الجزية عن كل حالم:

- ‌علو الإسلام بالوقوف عند العمل به:

- ‌السلام على الكفار وحكمه:

- ‌صلح الحديبية:

- ‌النهي عن قتل المعاهد:

- ‌2 - باب السبق والرمي

- ‌السباق على الخف والحافر والنصل:

- ‌محلل السبَّاق:

- ‌شرعية التدريب على القوة:

الفصل: ‌أحكام السبايا في الاستبراء:

هل يقول انتظري أو يقول: أنا أنتظر أيهما أولى؟ الثاني. أولى؛ لأنها إذا انتظرت ثم نزل المصعد ربما يخلو بها رجل آخر فإذا انتظر هو أمنًا من أن تنفرد برجل آخر.

‌أحكام السبايا في الاستبراء:

1081 -

وعن أبي يعيدٍ رضي الله عنه، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أو طاسٍ:"لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حملٍ حتى تحيض حيضةً". أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم، وله شاهد عن ابن عباسٍ رضي الله عنه في الدارقطنيِّ.

قوله: "في سبايا" جمع سبية، كعطايا جمع عطية، والسبايا هن: النساء اللاتي سبين بقتال الأعداء وهن يقعن ملكا للمسلمين بمجرد السبي، تكون رقيقة مملوكة وكذلك الذرية، أما الكبار والرجال المقاتلون فإنه يخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء: حسب ما تقتضيه المصلحة وهي القتل والمنُّ بلا شيء، والمن بفداء، والاسترقاق هكذا قال أصحابنا- رحمهم الله، ويجب على الإمام أن يفعل ما هو أصلح للمسلمين من هذه الأشياء الأربعة وقوله:"أوطاس" هي: اسم للوادي وادي ثقيف وهو وادي حنين وقيل: إنه غيره أي شعبة منه، وعلى كل حال فالوادي معروف ولا يزال في طريق الطائف ومتى كانت هذه الغزوة؟ في السنة الثامنة بعد غزوة الفتح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة في رمضان ثم بقى تسعة عشر يومًا ثم سافر إلى ثقيف وقاتلهم والغزوة مشهورة معروف كانت الغلبة فيها للكفار لولا أن الله- سبحانه وتعالى من على المؤمنين وأنزل عليهم السكينة فصارت في النهاية لهم- والله الحمد-، قال في سبايا أوطاس:"لا توطأ حامل حتى تضع الحامل إذا سبيت"، لا يمكن أن توطأ حتى تضع لأن الولد الذي فيها ليس للواطئ فيكون قد سقى ماءه زرع غيره وهذا لا يحل، وقوله:"حتى تضع" ظاهر أنها بمجرد الوضع توطأ وليس كذلك بمجرد الوضع تكون قابلة؛ لأن توطأ ولكنها لا توطأ حتى تطهر من نفسها؛ لأن النفاس كالحيض في تحريم الوطء فإنه يدخل في عموم قوله: {قل هو أذى} {ولا تقربوهنَّ حتَّى يطهرن} .

وقوله: "ولا غير ذلت حمل حتى تحيض" يعني: التي ليس فيها حمل لا توطأ حتى

ص: 135

تحيض حيضة؛ وذلك لأننا لا نعلم براءة رحمها إلا بالحيض فإذا حاضت علمنا أن رحمها خالٍ من الولد فحل وطؤها؛ لأن الحامل لا تحيض، وقد ثبت طبيًا بأنه لا يمكن للحامل أن تحيض.

وقال بعض أهل العلم بالفقه: إن الحامل قد تحيض لكن بشرط أن يكون حيضها مطردًا كما هو قبل الحمل، أما لو انقطع ثم عاد فليس بحيض، لكن الأطباء الذين كلهم مصرُّون على القول بأنه لا يمكن الحيض مع الحمل أبدًا، وقال الإمام أحمد: إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الحيض؛ لأنه لا حيض مع حمل وحيض الحامل نادر جدًا، ولهذا ألغى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

ففي هذا الحديث فوائد منها: الإشارة إلى عظم السب وأنه ليس بالأمر الهين، ويتفرع على هذه الفائدة بيان جهالة القوم الذين ينتسبون إلى غير آبائهم من اجل الحصول على البطاقة، كما وجد هذا في كثير من الذين ذهبوا إلى الكويت منذ زمن فصاروا ينتسبون إلى غير آبائهم: إلى أعمامهم أو إخوانهم! وهذا من كبائر الذنوب، ومن كان كذلك فالواجب عليه الآن أن يحول نسبة إلى النسب الصحيح، يقول أحدهم: إذا فعلت ذلك حصل عليَّ ضرر كأن أسجن أو يؤخذ مالي فنقول: عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأنت إذا انتسبت إلى من لست منه حصل بهذا ضرر عظيم؛ إذ يلزم من هذا أن تكون أخًا لأبنائه وبناته أي: تكون وارثًا له وهو وارثًا لك، أبناؤه وبناته يصبحون وارثين لك أيضًا، فالمسألة خطيرة جدًا؛ ولهذا اعتنى بها الشرع عناية عظيمة.

ومن فوائد الحديث: أن الحامل لا تحيض؛ لأنه علَّق الحكم بوضع الحمل، لا بالحيض وجعل ذات الحيض مقابلة للحامل.

ومن فوائد الحديث: أن الحيضة الواحدة تحصل بها براءة الرحم حتى وإن قلنا: إن الحامل تحيض فإن الأصل أنها لا تحيض، وأن الحيض دليل على أنها ليست بحامل، وإذا كان المقصود مجرد براءة الرحم فإن الحيضة الواحدة كافية فيكون هذا الحديث يدل على أن براءة الرحم تحصل بحيضة واحدة، عموم الحديث يتناول البكر وغير البكر لقوله:"ولا غير ذات حمل" فهل هذا العموم مراد أو ليس بمراد؟ المشهور من المذهب أنه مراد وأنها لا توطأ المسبية ولو كانت بكرًا تحيض حيضة مع أننا نعلم أنها بريئة الرحم.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن البكر لا يجب استبراؤها والصحيح أنه لا بد من استبرائها حتى وإن كانت بكرًا؛ لأن البكر- وإن لم توطأ- يخشى أن تكون تحملت لماء الرجل يعني: أخذت النطفة فتحملت بها فحملت.

ص: 136

ومن فوائد الحديث أيضًا: أن الحامل من النساء يجوز وطؤها، لكنه مقيد بما إذا لم يكن عليها ضرر فإن كان عليها ضرر؛ لكون الحمل ثقيلًا عليها والجماع يضرها فإنه لا يجوز له أن يجامعها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار".

ومن فوائد الحديث: جواز وطء المسبية حتى في دار الحرب لعموم قوله: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا ذات حمل حتى تحيض"، وقوله:"وله شاهد عن ابن عباس .... إلخ" الشاهد والمتابع نحتاج إليهما إذا كان الحديث ضعيفًا، أما إذا كان قويًا لسنا بحاجة إلى الشاهد، والفرق بين الشاهد والمتابع أن الشاهد أن يأتي حديث من طريق صحابي آخر يؤكد الحديث الآخر، مثل: أن يروى عن ابن عباس حديث ضعيف السند فيروى عن ابن عمر حديث بمعناه ضعيف السند، فهما نقول: الثاني شاهد للأول وكذلك لا مانع أن يكون الشاهد أقوى من المشهود له، أما المتابع فإنما يكون في السند بأن يتابع الرجل الضعيف رجلًا قويًا في الأخذ عن شيخه الذي حدثه وبهذه المتابعة يزول انفراد الضعيف بالرواية ويكون الحديث قويًا، ثم إن كانت المتابعة في شيخ الراوي فهي تامة، وإن كانت فيمن فوقه فهي ناقصة.

مثال ذلك قال الراوي: الضعيف حدثني "رقم 1" عن "رقم 2" عن "رقم 3" عن "رقم 4" ثم يأتي رجل آخر يقول: حدثني "رقم 1" عن "رقم 2" عن "رقم 3" عن "رقم 4" هذه متابعة تامة، فإن قال المتابع: حدثني "رقم صفر" عن "رقم 2" يعني: أبدل شيخ المتابع بشيخ آخر وروى عن شيخ شيخه فهذه متابعة ناقصة، وكلما ارتفعت نقصت أكثر، فإذا وافق هذا الضعيف في شيخ شيخه فهي أنقص من شيخه، وفي شيخ شيخ شيخه أنقص من شيخ شيخه، وهلمَّ جرًّا، ووجه ذلك: أن المتابعة التامة إذا روى عن شيخه صار موافقًا في السند والمتن، فصارت المتابعة تامة، وإذا روى عمن فوقه صار متابعًا له في المتن وفي بعض السند؛ فلهذا سمِّيت ناقصة، وعلى كل حال: فإننا لا نحتاج للشاهد والمتابع إلا إذا كان الحديث ضعيفًا يحتاج إلى من يقويه وأما إذا كان صحيحًا فلا حاجة لكن لا شك أنه كلما كثر عدد الطرق كان أقوى ولهذا نقول: إن المتواتر ليس كخبر الآحاد.

* * *

ص: 137

1082 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"الولد للفراش، وللعاهر الحجر". متَّفقٌ عليه من حديثه، ومن حديث عائشة في قصَّةٍ، وعن ابن مسعودٍ عند النَّسائيَّ، وعن عثمان عند أبي داود.

قوله: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ما الفراش؟ الفراش هو: ما يفرشه الإنسان من قطن أو كتان أو صوف أو غير ذلك حتى الأرض تسمَّى فراشًا، ولهذا لو قال شخص: والله لا أنام الليلة إلا على فراش تحت السقف ثم ذهب إلى البرِّ ونام على ظهر الأرض نقول حنثت الآن؛ لأنك لم تنم على فراش ولم تنم تحت السقف فقال: أنا نويت بالفراش الأرض؛ لأن الله قال: {الَّذي جعل لكم الأرض فراشًا} [البقرة: 22]. ونويت بالسقف السماء لأن الله تعالى قال: {وجعلنا السماء سقفًا مَّحفوظًا} [الأنبياء: 32]. فهل نقول: الآن حنث ويلزمه الكفارة؟ لا، إذن الفراش: ما يفرش، والمراد بالفراش في الحديث: ما يفترش، وهو يكون للزوجة ويكون للمملوكة، لكن الزوجة تكون فراشًا بالعقد مع إمكان الجماع والأمة المملوكة لا تكون فراشًا بالجماع، والفرق أن الأمة تشتري لغير الجماع يشتريها ليعتقها في كفارة أو للخدمة أو لأي غرض آخر، فلا تكون لك فراشًا إلا بالجماع، وأما الزوجة فتكون فراشًا بإمكان الجماع مع العقد، وقيل: تكون فراشًا بمجرد العقد وإن لم يمكن الجماع، وقيل: لا تكون فراشًا إلا بالجماع، والمذهب أنها تكون فراشًا بالعقد مع إمكان الجماع، وإن علمنا أنهما لم يجتمعا، ويظهر ذلك بالمثال رجل عقد على امرأة وهو في المشرق وهي في المغرب هل تكون فراشًا؟ على أحد الأقوال تكون فراشًا، وإن كنا نعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجتمع بها. إذن تكون فراشًا على قول، وتكون غير فراش على قولين، عقد على امرأة وهما في بلد واحد لكن لم يدخل بها حتى الآن وقد تواعد الزوج وأهل المرة على أن يكون الدخول بعد أسبوع فهل تكون فراشًا؟ تكون فراشًا على قولين دون القول الواحد والقولان من يقول: تكون فراشًا بمجرد العقد، ومن يقول: تكون فراشًا بالعقد مع إمكان الجماع؛ لأن هذا الرجل وإن لم يحصل الدخول المقرر ربما يجتمع بها، رجل عقد على امرأة ودخل عليها وجامعها تكون فراشًا على كل الأقوال فإذا جاء ولد من امرأة ذات فراش فالولد لصاحب الفراش والزاني ليس له شيء له الحجر.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "للعاهر"؛ أي: للزاني، "الحجر" يعني: أنه يلقم حجرًا في دعواه، وقيل: للزاني

ص: 138

الحجر أي: حجر الرجم وهذا القول الثاني لا يصح؛ لأنه ليس كل زانٍ يرجم، وعلى هذا فالمعنى الأول أصح؛ ولهذا يقال في الرجل إذا قطعت حجته: ألقمه حجرًا فالمعنى: أن الزاني ترفض دعواه ويلقم حجرًا وهذا ظاهر فيما إذا تنازع الزاني وصاحب الفراش أن الولد للفراش والزاني ليس له شيء حتى وإن وجد شبه يؤيد دعوى الزاني فإنه لا يلحق به، بدليل قصة عبد بن زمعة في غلام تنازع فيه مع سعد بن أبي وقاص حيث قال سعد: إن هذا الغلام لأخي أوصى إلي به، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي ولد من وليدة أبي على فراشه، أما سعد فأدلى بحجة وقال: انظر إلى شبهه فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى شبهه فوجد شبهًا بيِّنًا بعتبه بن أبي وقاص أخي سعد، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ألغى هذا الشبه وقال:"هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر".

فإذا قال قائل: ما فائدة ذكر المؤلف لهذا الحديث في باب العدد والاستبراء؟

نقول: ذكره واضح، وهو أن المرأة حملت ووضعت ولو من زنا ولكنها وضعت طلاق زوجها فإن عدتها تنقضي؛ لأن الولد للزوج صاحب الفراش، فإذا وضعته انقضت عدتها منه، هذه هي المناسبة في هذا الحديث للباب.

يستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: أنه إذا تنازع صاحب الفراش من زوج أو مالك سيد مع آخر زانٍ فإن الفراش مقدم على دعوى الزاني لقوله: "الولد للفراش".

ومن فوائد الحديث: أن الاعتماد بالبينات عند التعارض بين الحكم الكوني والشرعي على الحكم الشرعي ما هو الحكم الكوني؟ أن يكون الولد الذي فيه النزاع مشابهًا للزاني هذا حكم كوني يدل على أن الله خلقه من مائه، لكن الحكم الشرعي مقدمٌ على الحكم الكوني لأن الشرعي هو الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وعلى هذا فنقول: إن تعارض حكمان: شرعي، كوني، أخذ بالشرعي، وألغي الكوني.

ومن فوائد الحديث: أنه لو ادعى الزاني أو لو استلحق الزاني الولد والمرأة ليست ذات فراش، فإن الولد يكون للزاني؛ لأن فحوى الخطاب تدل على أن هذه لمسألة فيما إذا تنازع صاحب الفراش والعاهر وأما مع عدم النزاع فالولد للزاني وذلك لأن الحكم الكوني الآن لا يعارضه حكم شرعي فكيف نلغي هذا الحكم الكوني مع أننا نعلم أن هذا الولد خلق من ماء هذا الرجل؟ فإذا استلحقه، وقال: هو ولده فإنه له وهذا لا شك أولى من إضاعة نسب هذا الولد لأننا إذا قلنا: إنه لأمه ولا ينسب للزاني بأي حال من الأحوال صار هذا الولد ليس له نسب من قبل أبيه، وإنما نسبه من قبل أمه وفي هذا ضاع له وينبني على هذا القول لو أن رجلًا زنى

ص: 139

بامرأة وحملت منه فهل يجوز أن يعقد عليها النكاح؟ إن قلنا بأن الزاني ليس له إلا الحجر مطلقًا ولو مع عدم منازع فإنه ليس له أن يعقد عليها النكاح؛ لأن الولد ليس له ولا يجوز للإنسان أن يتزوج حاملًا بولد ليس له، وإذا قلنا بأنه إذا استلحقه الزاني وليس هناك فراش فإنه يلحقه فإنه يجوز أن يتزوج هذه الحامل؛ لأن الولد له فيجوز أن يتزوجها.

فإذا قال قائل: لو أن هذه المسألة وقعت فهل الأولى أن نفتي بهذا القول الثاني أو بقول الجمهور وهو القول الأول؟

نقول: يتعارض عندنا في هذه الحال مصلحة ومفسدة أما المصلحة فهي حفظ نسب الولد وعدم ضياعه على المرأة وكلاهما أمر مطلوب للشرع وأما المفسدة فهي أن يتجرأ الناس على هذه الفعلة الشنيعة فإذا اشتهى امرأة زنى بها حتى تحمل ثم في هذه الحال سوف تضطر إذا خطبها لقبول الخطبة والنكاح ويتلاعب الناس ويكون كل من أراد امرأة ذهب يزني بها ومعلوم أن الناس يريدون الستر، فإذا زنى بها وحملت اضطر أهلها- وهي أيضًا- إلى أن يزوجوها، وهذه المفسدة كبيرة فهل نغلب جانب المصلحة أو نغلب درء المفسدة؟ نحن إذا نظرنا إل أنه فيه مصلحة قلنا: إذا تاب إلى الله وندم على ما فعل وأراد أن ييسر لله عليها نزوجه منها، ويستلحق الولد ويكون الولد له، لكن جانب المفسدة هو الذي يكسر الظهر، نقول: إذا كان اشتهر أن هذا الرجل زنى بهذه المرأة فهنا نغلب جانب درء المفسدة لأنه مشتهر، فإذا زوَّجناه وقد اشتهر انفتح الباب، أما إذا كانت المسألة سرًّا ولم يطلع عليها أحد فهنا نغلب جانب المصلحة؛ لأنه المفسدة هنا قد تكون بعيدة حتى هو لا يريد أن يفضح نفسه ويقول: إنه زنى بها ثم تزوَّجها.

[مسألة]: العلماء اختلفوا هل حق الاستلحاق للأب خاصة أو له ولغيره من الأقارب؟ فمن العلماء من قال إن حق الاستلحاق للأب خاص وليس أن يستلحق أحدًا فالأخ مثلًا لا يمكن أن يقول: هذا فيستلحقه؛ لأنه لو فعل ذلك صار في ذلك إثبات حق على غيره على الأب وعلى الأم وليس له الحق، فهنا إذا قلنا: بأن الحق يستلحق معناه أن الأصل بني على الفرع والعكس هو الصحيح أما إذا استلحقه الأب فإنه يثبت النسب ويثبت لأولاده من بعده فيكون هذا أخًا لهم.

وقال بعض العلماء: بل لكل وارث حق الاستلحاق، الأب معروف وغيره، كل وارث له

ص: 140

حق الاستلحاق، فلو هلك هالك عن أبناء ثلاثة مثًلا فقال أحدهم: هذا أخ لنا فنكون أربعًا فله الحق أن يستلحقه، ثم إن أقر به الثلاثة الآخرون ثبت نسبة لهم وللأب وإن أنكروه فإنه يثبت من مقرٍّ فقط دون الآخرين. واستدل هؤلاء الذين قالوا: إنه يصح الاستلحاق من الأب وغيره بقول المؤلف: "ومن حديث عائشة في قصة"، القصة هو أنه اختصم عبد بن زعمة أخو سودة بنت زمعة وسعد بن أبي وقاص في غلام فقال سعد: هذا غلام أخي ابنه، وقال عبد بن زمعة هذا أخي ولد على فراش أبي من وليدته، أما سعد بن أبي وقاص بحجةٍ قال: انظر إلى شبهة فنظر النبي صلى الله عليه وسلم: إلى الغلام فإذا به شبه بينٌ بعتبة بن أبي وقاص، وأدلى عبد بن زمعة بحجة، وهي أنه ولد على فراش أبيه من أمته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الولد لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر" قالوا: فأقرُّ النبي صلى الله عليه وسلم استلحق عبد بن زمعة لهذا الغلام وقال: "هو لك"، ولكنه قال لسودة:"احتجبي منه يا سودة" مع أنه حكم بأنه أخوها، لكنه أمرها بالاحتجاب، وسيأتي الكلام عليه.

الشاهد من الحديث: أن عبد بن زمعة قضى له النبي صلى الله عليه وسلم بالغلام وجعله أخًا له فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة"، ولكن يشكل على هذا الحديث أن سودة لم تقر بذلك ولم تنكر ونحن نقول: لا يثبت نسبه للأب إلا إذا أقر به جميع الورثة، وهنا لم يقر به جميع الورثة فأجابوا عن هذا الإشكال بأن سكوت سودة عن ذلك يدل على أنها موافقة لدعوى أخيها عبد بن زمعة، وأن حكم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الولد بأنه لعبد بن زمعة كافٍ في ثبوته، ولكن المسألة فيها شيء من الإشكال، إذا غير الأب إلا إذا نسبه للأب قال: هذا ولد أبي مثلًا على فراشه كما قال عبد بن زمعة فهنا أراد عبد بن زمعة أن يثبت الأصل قبل أن يثبت الفرع؛ لأنه قال: هذا ولد على فراش أبي فيكون كاستلحاق الأب ويكون الولد هنا بمنزلة الشاهد لا بمنزلة المدعي والمسألة تحتاج إلى بحث؛ لأن فيها إشكال إلا أن حديث عبد بن زمعة واضح في أن عبد بن

ص: 141

زمعة لا يريد الأخوة فقط إنما يريد إثبات أن هذا الغلام لزمعة فهو لا يريد أن يضيفه إلى نفسه فحسب، بل إلى الأصل ثم يثبت بعد ذلك الفرع والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله هو أن الأب إذا استلحقه لحقه وصار أخًا لجميع أولاد هذا المستلحق، وأما غير الأب فإن اتفق الورثة على استلحاقه ثبت نسبه، وإن اختلفوا ثبت نسبه من المقرِّ به فقط، وعلى هذا فإذا كان هناك زيد وعمرو أخوين فأقرَّ زيد بأن بكرًا أخ لهما ولكن عمرًا أنكر فيكون بكرًا أخًا لزيدٍ وليس أخًا لعمرو ويتزوج من بنات عمرو، ولا يتزوج من بنات زيد؛ لأن بنات زيد هو عمهن بإقرار أبيهن، أما بنات عمرو فإن أباهن قد أنكر وهذه من غرائب العلم، أن يكون رجل بين أخوين يتزوج من بنات أحدهما ولا يتزوج من بناته الآخر.

وقوله: "عن ابن مسعود عند النسائي، وعن عثمان أبي داود" يعني: أن الحديث رواه عدد من الصحابة "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، وقد بحثنا فيما سبق ما إذا كان الزاني الذي ادعى الولد لا يعارضه فراش صحيح هل يلحق بالزاني؟ وبينَّا أن في المسألة قولين للعلماء، فالجمهور لا يلحقونه بالزاني؛ لعموم قوله:"وللعاهر الحجر"، وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء يلحقونه ويقولون: إن هذا الولد ثبت كونه للزاني قدرًا ولم يعارضه حكم شرعي فلا نهمل الحكم القدري بدون معارض، أما لو عارضه حكم شرعي فمعلوم أن الحكم الشرعي مقدم على الحكم القدري، وقول شيخ الإسلام وجيه جدًّا لكنه لا ينبغي إظهار الفتوى به؛ لأنه يترتب عليه مفسدة وهي أن الشخص إذا أراد أن يتزوج امرأة وأبوا عليه خادعها حتى يزني بها فإذا زنى بها وحملت حينئذٍ اضطروا إلى أن يزوجوه فيكثر الشر والفساد، لكن لو وقعت مسألة وابتلى الإنسان بها والسؤال عنها، فقول شيخ الإسلام لا شك أنه قوي.

ومن فوائد الحديث: أن الشبه لا يعارض به الحكم الشرعي، يؤخذ هذا من حديث عائشة.

ومن فوائده: أنه لو اجتمعت البينة الشرعية والقيافة فإنها تقدم البينة الشرعية؛ لأن اعتماد القيافة على الشبه، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ألغى الشبه مع وجود البينة الشرعية- وهي الفراش- دل هذا على أن القيافة لا يرجع إليها مع وجود البينة الشرعية، وإنما يرجع إليها عند الاشتباه.

ومن فوائد الحديث: إطلاق اسم العاهر على الزاني لأن العهر هو الزنا.

ومن فوائد الحديث: استعمال الكنايات وأنه إذا دل الدليل على المعنى المقصود صار استعماله في هذا المعنى حقيقة لقوله: "وللعاهر الحجر" فإننا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن تأخذ حجرًا وتعطيه هذا العاهر، وإنما أراد أن تلقمه حجرًا بإبطال دعواه، وإذا دلَّت القرينة على أن

ص: 142