المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثبوت الزنا بالإقرار: - فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية - جـ ٥

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌7 - باب الطلاق

- ‌تعريف الطلاق لغة وشرعًا:

- ‌ذكر المفاسد المترتبة على الطلاق:

- ‌حكم طلاق الحائض

- ‌المحرم من الطلاق:

- ‌اختلاف حكم الطلاق ثلاثة مجموعة في عهد عمر رضي الله عنه:

- ‌مسألة: هل يقع الطلاق بحديث النفس أو الوسوسة

- ‌حكم الطلاق الخطأ وطلاق المكره:

- ‌ثبوت الطلاق يترتب على ثبوت النكاح:

- ‌حكم طلاق الصغير والمجنون والسكران:

- ‌كتاب الرجعة

- ‌حكم الإشهاد في الطلاق والرجعة:

- ‌1 - باب الإيلاء والظهار والكفارة

- ‌حكم الإيلاء:

- ‌مدة الإيلاء:

- ‌حكم المجامع في رمضان:

- ‌كفارة الظهار:

- ‌2 - باب اللعان

- ‌تعريف اللعان:

- ‌3 - باب العدة والإحداد والاستبراء وغير ذلك

- ‌عدة الوفاة

- ‌عدة الطلاق وفسخ النكاح:

- ‌حكم السكنى والنفقة للمطلقة البائنة وعدتها:

- ‌حكم التطيب والحناء في الحداد:

- ‌حكم الكحل في الحداد:

- ‌حكم خروج المعتدة المطلقة:

- ‌حكم خروج المعتدة بعد وفاة زوجها من بيتها:

- ‌طلاق الأمة وعدتها:

- ‌الاستبراء وأحكامه:

- ‌أحكام امرأة المفقود في العدة وغيرها:

- ‌التحذير من الحلوة بالأجنبية:

- ‌أحكام السبايا في الاستبراء:

- ‌4 - باب الرضاع

- ‌تعريف الرضاع:

- ‌مسألة إرضاع الكبير وأحكامها:

- ‌يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب:

- ‌صفة الرضاع الذي يثبت به التحريم:

- ‌النهي عن استرضاع الحمقى:

- ‌5 - باب النفقات

- ‌أسئلة ومناقشة:

- ‌النفقة على الزوجة والأولاد وأحكامها:

- ‌النفقة على المملوك وأحكامها:

- ‌حكم النفقة على الحامل المتوفى عنها زوجها:

- ‌مسألة طلب المرأة الطلاق عند عجز زوجها عن النفقة:

- ‌النفقة على الوالدين وأحكامها:

- ‌6 - باب الحضانة

- ‌تعريف الحضانة:

-

- ‌كتاب الجنايات

- ‌تعريف الجنايات لغة وشرعًا:

- ‌حرمة دماء المسلمين وتعظيمها:

- ‌المعتدي جان يفعل به كما فعل:

- ‌حالات إباحة قتل المسلم:

- ‌حرمة الدماء:

- ‌القصاص من الحر للعبد:

- ‌حكم قود الوالد بولده:

- ‌حكم قتل المسلم بكافر:

- ‌حكم قتل المؤمن بمعاهد:

- ‌الجناية على النفس:

- ‌جناية الصغير والمجنون:

- ‌ترك القصاص في الجروح قبل البرء:

- ‌الجناية على الحمل:

- ‌العفو عن الجناية:

- ‌الجناية على النفس وأنواعها:

- ‌الاشتراك في الجناية:

- ‌قتل الجماعة بالواحد:

- ‌التخيير بين الدية والقصاص وشروطه:

- ‌1 - باب الديات

- ‌مقادير الدية في الجروح:

- ‌دية القتل الخطأ:

- ‌دية قتل العمد وشبه العمد:

- ‌إلحاق دية شبه العمد بالقتل الخطأ:

- ‌دية الأصابع والأسنان:

- ‌ضمان الطبيب:

- ‌دية الشجاج:

- ‌دية أهل الكتاب:

- ‌دية المرأة والرجل:

- ‌تغليظ الدية وضوابطه:

- ‌2 - باب دعوى الدم والقسامة

- ‌3 - باب قتال أهل البغي

- ‌تعريف البغي، وبيان أهل البغي بالتفصيل:

- ‌قتال من حمل السلاح على المسلمين:

- ‌عقوبة مفارقة الجماعة:

- ‌ضوابط معاملة البغاة:

- ‌الحث على الاجتماع ونبذ الفرقة:

- ‌4 - باب قتال الجانب وقتل المرتدِّ

- ‌جواز قتل الصائل:

- ‌سقوط الضمان في الدفاع عن النفس:

- ‌سقوط الضمان للمتطلع لبيوت المسلمين:

- ‌ضمان ما أتلفته المواشي:

- ‌قتل المرتد:

- ‌شروط قتل المرتد:

- ‌قُتل من سب النبي أو زوجاته أو أصحابه:

- ‌كتاب الحدود

- ‌مفهوم الحدود وحكمه:

- ‌1 - باب حد الزاني

- ‌حد الزاني غير المحصن:

- ‌حكم الجمع بين الجلد والرجم:

- ‌ثبوت الزنا بالإقرار:

- ‌وجوب التثبت في إثبات الزنا:

- ‌طرق ثبوت الزنا

- ‌حد الأمة الزانية:

- ‌السيد يقيم الحد على مملوكه:

- ‌تأجيل إقامة حل الزنا على الحامل:

- ‌تخفيف الحد على المريض الضعيف:

- ‌عقوبة اللواط:

- ‌الجمع بين الجلد والتغريب للزاني البكر:

- ‌لعنة المخنثين والمترجلات:

- ‌درء الحدود بالشبهات:

- ‌وجوب إقامة حد الزنا عند ثبوته:

- ‌2 - باب حدِّ القذف

- ‌اللعان:

- ‌حد المملوك القاذف:

- ‌3 - باب حدِّ السَّرقة

- ‌نصاب السرقة الموجب للقطع:

- ‌جحد العارية:

- ‌المختلس والمنتهب:

- ‌اشتراط الحرز لوجوب القطع:

- ‌ثبوت السرقة بالإقرار:

- ‌لا ضمان على السارق:

- ‌حكم الجمع بين الضمان والقطع:

- ‌الشفاعة في الحدةد، ضوابطها:

- ‌الشبهة أنواعها وشروط انتفائها:

- ‌4 - باب حدِّ الشَّارب وبيان المسكر

- ‌عقوبة شارب الخمر:

- ‌تجنب الضرب على الوجه:

- ‌الخمر بين الطهارة والنجاسة:

- ‌كل مسكر خمر:

- ‌حكم مزج الزبيب بالماء أو اللبن:

- ‌حكم التداوي بالمحرم:

- ‌حكم التداوي بالخمر:

- ‌5 - باب التعزيز وحكم الصَّائل

- ‌التعزيز بين الوجوب والاجتهاد:

- ‌إقالة العثرات وضوابطها:

- ‌حكم الصائل:

- ‌الدفاع عن النفس:

-

- ‌كتاب الجهاد

- ‌تعريف الجهاد لغة وشرعًا:

- ‌أقسام الجهاد:

- ‌وجوب جهاد الدفاع وشروطه:

- ‌شرط القدرة على الجهاد وضوابطه:

- ‌الترغيب في الجهاد في سبيل الله:

- ‌جهاد النساء:

- ‌تقديم بر الوالدين على الجهاد:

- ‌حكم الإقامة في دار الكفر:

- ‌الهجرة من دار الكفار وأحكامها:

- ‌وجوب الإخلاص في الجهاد:

- ‌جواز الهدنة:

- ‌حكم الإغارة بلا إنذار:

- ‌وصايا الرسول صلي الله عليه وسلم لأمراء الجيوش:

- ‌فائدة جواز الجزية من مشركي العرب:

- ‌التورية عند الغزو:

- ‌القتال أول النهار وأخره:

- ‌جواز قتل النساء والذرية عند التبييت:

- ‌لا يستعان بمشرك في الحرب:

- ‌النهي عن قتل النساء والصبيان في الحروب:

- ‌جواز قتل شيوخ المشركين:

- ‌المبارزة في الحروب:

- ‌الحمل على صفوف الكفار وضوبطه:

- ‌إتلاف أموال المحاربين:

- ‌النهي عن الغلول:

- ‌سلب القاتل:

- ‌الرمي بالمنجنيق:

- ‌جواز قتل المرتد في الحرم:

- ‌القتل صبرًا:

- ‌الأسير وأحواله:

- ‌إسلام الكافر ونتائجه:

- ‌معرفة الجميل لأهله:

- ‌النهي عن وطء المسبية حتى تستبرأ أو تضع:

- ‌تنفيل المجاهدين بعد قسمة الفيء:

- ‌سهم الفارس والفرس والراجل:

- ‌حكم التنفيل:

- ‌حكم الأخذ من طعام العدو قبل القسمة:

- ‌وجوب المحافظة على الفيء:

- ‌يجير على المسلمين أدناهم:

- ‌إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب:

- ‌إجلاء بني النضير من المدين

- ‌تقسيم غنائم خيبر:

- ‌لا يحبس الرسول صلى الله عليه وسلم الرسل ولا ينقض العهد:

- ‌حكم الأرض المفتوحة:

- ‌1 - باب الجزية والهدنة

- ‌أخذ الجزية من المجوس:

- ‌أخذ الجزية من العرب:

- ‌مقدار الجزية عن كل حالم:

- ‌علو الإسلام بالوقوف عند العمل به:

- ‌السلام على الكفار وحكمه:

- ‌صلح الحديبية:

- ‌النهي عن قتل المعاهد:

- ‌2 - باب السبق والرمي

- ‌السباق على الخف والحافر والنصل:

- ‌محلل السبَّاق:

- ‌شرعية التدريب على القوة:

الفصل: ‌ثبوت الزنا بالإقرار:

هذا إعجابًا، اللهم إلا أن يقع في قلب القائل إعجاب فهذا شيء آخر، لكن إذا لم يقع فإنه لا بأس به، ولكن يشترط في غير النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون ما قاله مؤكدًا أي أنه حكم الله.

ومن فوائد الحديث: أن الأحكام الشرعية قد تأتي مؤجَّلة وقد تأتي منجزة، فجلد الزاني مؤجل أو معجل؟ مؤجل، كان بالأول (والاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتّى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهنّ سبيلًا) [النساء: 15]، فهنا جعل الله تعالى غاية إمساكهن بالبيوت إما الموت أو السبيل، فهذا حكم مؤجل بمعنى: أنه قد يكون هذا الحكم مشارًا إلى تغييره.

ومن فوائد الحديث: أن الجعل يكون في الأمور الشرعية كما يكون في الأمور القدرية، فالجعل في الأمور القدرية كثير جدًّا: وجعلنا الَّيل لباسًا وجعلنا النهار معاشًا) [النساء: 10 - 11]، {وجعلنا أية النهار مبصرة} [الإسراء: 12]، لكن الجعل الشرعي قليل، الجعل هنا شرعي، ومنه قوله تعالى:{ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} [المائدة: 103]، {ما جعل} يعني: جعلًا شرعيًّا، أما كونيًّا فقد جعل ذلك، فالبحائر موجود والسوائم موجودة، والوصائل موجودة، وكذلك الحام موجود.

ومن فوائد الحديث: الجمع بين الرجم والجلد، وسبق أن آخر الأمرين من الرسول صلى الله عليه وسلم عدم الجمع ويقتصر على الرجم.

‌ثبوت الزنا بالإقرار:

1161 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أتى رجلٌ من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله، إنِّي زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله، إنِّي زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنَّى ذلك عليه أربع مرَّات، فلمَّا شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه". متفق عليه.

هذا الحديث في قصة ماعز بنم مالك رضي الله عنه وهو أنه زنى فأراد أن ينتقم من نفسه وأن يطهر نفسه من الإثم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرهن فقوله:"فناداه" يعني: كلمه بصوت مرتفع؛ لأن النداء هو الصوت المرتفع، والنجاء هو الصوت المنخفض، ألا ترون إلى قوله تعالى:{ونادينه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا} [مريم: 52]، فجعل المناجاة في القرب، والمناداة في البعد، وهذا ظاهر معتاد.

ص: 340

وقوله: "وهو في المسجد" أي: جاءه وهو في المسجد، وقوله:"إني زنيت" هذا صريح في الزنا، والزنا هو فعل الفاحشة في قبل أو دبر من آدمي، وقوله:"أعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه" يعني: التفت إلى ناحية أخرى، ولكن الرجل أعاد وقال ذلك مرة ثانية.

"فلما ثنى ذلك" أي: كرر ذلك أربع مرات دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "أبك جنون؟ " الاستفهام هنا استعلام، والجنون: هو تغطية العقل، وسمّي جنونًا؛ لأنه مأخوذ من الاجتنان وهو التغطية، وعلامة الجنون ألا يكون الإنسان متصرفًا تصرف العقلاء إما بمقاله أو بفعاله أو بحاله، وقوله:"هل أحصنت؟ " يعني: هل أحصنت فرجك، وحينئذٍ يكون الفعل متعديًا والمفعول محذوف، ويجوز:"هل أحصنت" بمعنى: هل كنت محصنًا فيكون الفعل لازمًا، والإحصان: هو الجماع، أن يجامع الرجل زوجته بنكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، وقوله:"اذهبوا به فارجموه"، لما أقر على نفسه بالزنا وأنه قد أحصن، وسبق معنى الإحصان وهو أن يطأ الرجل زوجته الحرة البالغة في نكاح صحيح وهو كذلك حر بالغ.

فأوصاف الإحصان في باب حد الزنا خمسة: أن يكون كلٌّ منهما حرًّا، بالغًا، عاقلًا، ويطأها الزوج في نكاح صحيح، فقال: نعم، فقال:"اذهبوا به فارجموه"، "اذهبوا" أي: بهذا الرجل، فذهبوا به فرجموه، فلما شرعوا في رجمه وأزلقته الحجارة وذاق مسها هرب، فلحقه الصحابة حتى أدركوه فرجموه حتى مات، وإنما لحقه الصحابة امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"فارجموه" ولم يستثن، لم يقل: إلا أن يهرب أو كلمة نحوها حتى يتركوه، فهم أمروا أن يرجموه، ففعلوا رضي الله عنهم فرجموه، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال:"هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟ "، ولكنه لم يضمنهم لأنهم فعلوا ذلك متأوِّلين، كما لم يضمن أسامة حين قتل المشرك الذي أسلم فعاتب النبي صلى الله عليه وسلم أسامة وقال له:"أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله"، وما زال يكررها حتى تمنى أنه لم يكن أسلم بعد، ولم يضمنه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان متأولًا كما لم يضمن خالد بن الوليد دية الذين قتلهم حين قالوا: صبأنا صبأنا، هو عرض عليهم الإسلام فقالوا: صبأنا صبأنا، ولم يعرف خالد رضي الله عنه أنهم أرادوا بقولهم: صبأنا، أي: دخلنا في الإسلام وتركنا ديننا، بل ظن أنهم يريدون أن يؤكدوا أنهم على دين يخالف الإسلام فقتلهم فلامه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ثم لم يضمنه ولكنه وداهم من بيت المال؛ لأنَّ خالدًا قتلهم متأولًا.

في هذا الحديث فوائد عديدة منها: أنه ينبغي الستر عن الإنسان باسمه إذا كانت الفائدة [تتحقق] بدون ذكر اسمه مأخوذة من هذا اللفظ الذي معنا وهو قوله: "أتى رجل من المسلمين"، مع أنه في بعض الروايات ضرّح باسمه، لكن بعض الرواة ربما يلاحظ أن الستر أولى فيعبر بهذا التعبير.

ص: 341

ومن فوائد الحديث: جواز الإقرارات في المسجد مع أن أصل بناء المساجد للذكر وقراءة القرآن والصلاة لكن لا بأس بالإقرارات، فأما ما يتعلق بأمور الدين فلا شك في جوازه، ومنه هذه المسألة؛ لأن معازًا رضي الله عنه أقر في المسجد ولم يقل له الرسول صلى الله عليه وسلم: انتظر حتى تخرج بل قبل إقراره، لكن إذا كان إقرارًا في أمور دنيوية كرجل أقر بدين عليه في المسجد فعل ذلك جائز؟ الجواب: نعم، هو جائز؛ لأن إقرار الإنسان بحق عليه قد نقول: إنه من الدين؛ حيث إنه اعتراف بما يجب عليه من حقوق الناس، وكذلك يجوز التقاضي في المسجد؛ أي: أن الإنسان يكون عليه دين فيرى غريمه في المسجد فيوفيه فإن ذلك جائز؛ لأن إبراء الذمة من الأمور المطلوبة فلا بأس بقضاء الدين في المسجد، وأما البيع والشراء سواء كان بالصيغة المعهودة كبعت واشتريت، أو بما يدل على ذلك مثل أن يقول الرجل للتاجر: يا فلان، أرسل إلى البيت كيسًا من الرز أو كيسًا من السكر فيقول: أفعل، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه بيع وشراء، فقوله: أرسل إليّ، يعني: بع عليّ، وأرسل إلى البيت، وقول الثاني:"نعم" هذا هو القبول أو الإيجاب.

ومن فوائد الحديث: جواز رفع الصوت في المسجد لقوله: "فناداه"؛ لأن النداء يكون بصوت عالٍ، كما قال الله تعالى:{وناديناه - أي: موسى - من جانب الطُّور الأيمن وقرَّبناه نجيًّا} [مريم: 52]. لما قرب صار كلامه مناجاة، ولما كان بعيدًا كان كلامه نداء، إذن "ناداه" أي: بصوت مرتفع.

ومن فوائد الحديث: جواز التصريح بما يلام عليه العبد إذا دعت الحاجة إليه لقوله: "إني زنيت"، وكان بإمكانه أن يقول: أتيت أمرًا عظيمًا، لكنه صرَّح بهذا، وكأنه - والله أعلم - فعل ذلك غضبًا لله وانتقامًا لنفسه من نفسه، وهذا يجري كثيرًا في أولياء الله، فها هو سليمان عليه الصلاة والسلام عرضت عليهالخيل قبل صلاة العصر فانشغل بها عن صلاة العصر حتى غابت الشمس، فلما رأى ما حصل قال:{ؤدُّوها عليَّ} فردوها {فطفق مسحًا بالسوق والأعناق} [ص: 33]. المراد بذلك: قطع أعناقها وعقر سوقها، والسوق جمع ساق، فعل ذلك انتقامًا من نفسه لنفسه؛ لأنها ألهته عن ذكر الله {إنِّي أحببت حبَّ الخير عن ذكر ربِّي حتَّى توارت بالحجاب} [ص: 32].

ولا حرج أن الإنسان إذا رأى شيئًا من ماله ألهاه عن ذكر الله أن يكسره أو يبيعه ويخرجه عن ملكه حتى لا يتلهى به، ونظير ذلك إحراق رحل الغال الذي يغل من الغنيمة مع أن الأنفع - فيما يبدو - أن يدخل في بيت المال في الغنيمة ينتفع به الناس، لكنه يحرق هنا لما يترتب على ذلك من النكال والعقوبة.

ومن فوائد الحديث: حسن معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه؛ حيث ينزل كل إنسان منزلته، وذلك أنه أعرض عن ماعز بن مالك متشككًا في أمره، لكنه لم يعرض في قضية العسيف؛ لأن الأمر كان واضحًا.

ص: 342

ومن فوائد الحديث: فضيلة ماعز بن مالك رضي الله عنه؛ حيث أنه ألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه كلما تنحى عنه اتجه إليه فأقر بأنه زنى حتى أتم ذلك أربع مرات.

ومن فوائد الحديث: أنه لا يقبل في الإقرار بالزنا إلا أربع مرات وأنه لو قال: زنيت، ثم قال: زنيت، ثم قال: زنيت فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم الحد على ماعز حتى شهد على نفسه أربع مرات؛ ولأن كل إقرار مرة بمنزلة الشاهد، والزنا لا يقبل فيه بالشهادة إلا أربعة رجال:{ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4]. يعني: لو شهد على إنسان ثلاثة رجال أنه زنى فماذا نصنع؟ نجلد الثلاثة كل واحد ثمانين جلدة، والمتهم بالزنا - المشهود عليه - لا نتعرض له لأنه لا بد في الشهادة بالزنا من أربعة، ما دون الأربعة يكونون قذفة وهذا الذي دل عليه ظاهر الحديث هو ما ذهب إليه الإمام أحمد في المشهور عن أصحابه.

وقد سبق لنا في الحديث الأول أن في ذلك خلافًا بين العلماء؛ فمنهم من قال: إن قضية ماعز إنما احتاج النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرره أربع مرات لأنه كان شاكًّا في أمره، ولهذا أعرض عنه وظن أن في عقله شيئًا، ثم لما تأكد أن الرجل ليس في عقله خلل حكم عليه، وكون ذلك أربع مرات قد يقول قائل: إن هذا وقع اتفاقًا وليس مقصودًا بأن يكون كل إقراره مرة عن شهادة رجل وما دام الاحتمال قائمًا فإن الاستدلال يكون ساقطًا، ومن قواعدهم المقررة: إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، والقول الراجح ما ذهب إليه الجمهور من أنه إذا أقر مرة واحدة وهو بالغ عاقل يعلم ما يقول فإنه يثبت عليه الحد.

ومن فوائد الحديث: أن الإنسان مؤتمن على نفسه في بيان حالها لقوله: "أبك جنون؟ " فقال: لا، فإذا رأينا شخصًا مفطرًا فقلنا: لم أفطرت في رمضان أأنت مريض؟ فقال: نعم، فلا نتعرض له؛ لأن الإنسان مؤتمن على نفسه في بيان حاله وحسابه على الله، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لماعز:"أبك جنون؟ " قال: "لا"، فأقره على ذلك وحكم بمقتضى هذا الإقرار.

ومن فوائد الحديث: أن إقرارات المجنون لا تعتبر، وجه الدلالة: أن قوله: أبك جنون؟ " يريد أن يرتب عليه الحكم فيما لو قال: إنه مدجنون، يعني: فلا إقرار له وهو كذلك، والمجنون جميع أقواله لاغية لا يحاسب عليها سواء كانت متعلقة بنفسه أو بحق الله أو بحق العباد فهي لاغية لا يترتب عليها شيء، اللهم إلا أن يحصل من أقواله أذية فهنا يحبس لئلا يؤذي الناس، فلو أن مجنونًا قال لإنسان: أنت زانٍ فإننا لا نقول له شيئًا، يعني: لا يترتب على قذفه هذا إقامة حد القذف؛ لأنه مجنون، ولو قال المجنون لشخص: في ذمتي لك ألف ريال وهو مجنون فهل تثبت الألف؟ لا، ولو قال المجنون: زوجتي طالق هل تطلق؟ لا، إذن جميع أقواله غير معتبرة، ولو قال المجنون: إن الله شريكًا فلا نحكم بكفره.

ص: 343

هل يلحق بالمجنون من زال عقله بسبب؟ نقول: إن كان السبب غير محرم فإنه يلحق بالمجنون ولا يترتب على أقواله شيء كما لو بنِّج على وجه حلال أو أصيب بحادث فاختل عقله أو كان مريضًا مرضًا شديدًا وصار يخرف فغنه لا عبرة بقوله؛ لأنه لا يعي ما يقول، وأما إذا كان بسبب محرم كما لو شرب مسكرًا فهل تعتبر أقواله؟ في هذا خلاف بين العلماء، مثاله: رجل سكر فطلق زوجته فهل تطلق؟ فيه خلاف؛ من العلماء من قال: إنها لا تطلق، ومنهم من قال إنها تطلق، فأما من قال: إنها تطلق فحجته أن هذا الرجل الذي لا يعي ما يقول إنما فعل ذلك باختياره فيعاقب بما تكلم به، كما عاقب أمير المؤمنين عمر من طلق ثلاثًا بمنعه من الرجوع إلى زوجته؛ لأن الطلاق الثلاث محرم، ومن العلماء من يقول: إن طلاق السكران لا يقع؛ لأنه لا يدري ما يقول، وقد صرَّح الله عز وجل بأن السكران لا يعي ما يقول، فقال عز وجل:{يا أيُّها الَّذين آمنوا لا تقربوا الصَّلاة وأنتم سكارى حتَّى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43]. ومن المعلوم أن من طلق بلا علم ولا وعي كيف نلزمه بالطلاق وهو لا يعي ولا يدري ما يقول؟ وهذا هو الصحيح، وهو داخل في قوله صلى الله عليه وسلم:"لا طلاق في إغلاق"؛ لأن السكران مغلق عليه، وقد صح ذلك عن الخلفاء الراشدين أنه لا طلاق على السكران، وقولهم: إننا نلزمه بالطلاق عقوبة له كإلزام عمر المطلق ثلاثًا بعدم الرجوع إلى زوجته عقوبة له، نقول: الفرق بينهما ظاهر؛ لأنّ شارب الخمر لم يشرب ليطلق بخلاف الذي قال: إنها طالق ثلاثًا، فإنه طلق ثلاثًا من أجل أن تبين منه فعوقب بما قصد، وأما السكران فإنه لم يسكر ليطلق فصار بينهما فرق، وأيضًا عقوبة السكران ثبتت في السُّنة، وذلك بالجلد، فإذا زدنا على تلك العقوبة فهذا فيه نوع من تعدي حدود الله لا سيما على القول بأن عقوبة شارب الخمر من باب الحدود، فالصواب أن طلاق السكران لا يقع كسائر أقواله.

بقي علينا: ماذا نقول في أفعال المجنون هل تعتبر؟ الجواب: تعتبر، ولكن ذلك في حق العباد لا في حق الله، فمثلًا لو أتلف شيئًا أتلف مالًا لشخص هل نضمنه؟ نعم؛ لأن هذا حق آدمي، وإتلاف مال الآدمي يستوي فيه العامد وغير العامد، ولو قتل صيدًا في الحرم هل نضمنه؟ لا؛ لأن هذا حق الله، فصارت أفعال المجنون تنقسم إلى قسمين الأول: ما يتعلق بحق العباد فهذا يضمن إياه، وما يتعلق بحق الله فإنه لا يضمن؛ لأنه رفع القلم عنه.

هناك بحث آخر: هل يضمن حق الآدمي كما يضمن العاقل؟ الجواب: لا، لكنه يضمن حق الآدمي كما يضمن المخطئ؛ مثال ذلك: لو أن هذا المجنون تعمد قتل إنسان عمدًا فهل يقتص منه، يعني: هل يقتل المجنون؟ لا؛ لأن فعله عن غير قصد، فهو كفعل العاقل المخطئ،

ص: 344

فكما أن العاقل إذا رمى صيدًا فأصاب إنسانًا فإنه لا يقتص منه، فكذلك المجنون إذا قتل إنسانًا فإنه لا يقتص منه؛ لأنه لا يتصور منه العمد فيعامل معاملة المخطئ، هل يلحق بذلك السكران بمعنى: أن السكران لو قتل إنسانًا فإنه لا يقتص منه؟ هذا إن سكر ليقتل فلا شك أنه يقتل؛ لأن السبب محرم والمباشرة محرمة، وأما إذا سكر لا ليقتل، ولكن حصل منه الفعل ففي تضمينه نظر؛ أي: ففي القصاص منه نظر، وذلك لأنه غير عامد، والقصاص لا بد فيه من العمد.

ومن فوائد الحديث: جواز التوكيل في إقامة الحد؛ أي: أنه يجوز للإمام أن يوكل من ينفذ عنه إقامة الحد لقوله: "اذهبوا به فارجموه".

ومن فوائد الحديث: جواز توجيه الخطاب إلى العموم؛ لقوله: "اذهبوا به"، ولم يعين شخصًا، وإذا كان كذلك فإن إقامة الحد تكون من باب فرض الكفاية.

في بقية الحديث التي لم يسقها المؤلف أخذ بعض العلماء من الحديث أنه يجوز رجوع المقر في الحد؛ يعني: لو أقر الإنسان بالزنا وثبت عليه ثبوتًا شرعيًّا بإقراره سواء قلنا: المرة تكفي أو الأربع ثم رجع عن الإقرار فهل يقام عليه الحد؟ قال: بعض العلماء لا يقام عليه الحد استدلالًا بحديث ماعز لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟ "، وقال بعض العلماء: إنه لا يقبل رجوعه عن الإقرار، ولا سيما إذا احتفت به قرائن؛ لأن ماعزًا لم يرجع لكنه هرب بخلاف الراجع، فإن الراجع متلاعب بالأحكام الشرعية ومتلاعب بالحكام مرة يقر ومرة ينكر الإقرار ويرجع، ثم إنه إذا احتفت به القرائن لا يتجه إطلاقًا القول بقبول الرجوع، مثال ذلك: رجل أقر على نفسه بالزنا فقلنا: كيف؟ قال: أخذت بنتًا من بيتها الفلاني في الزقاق الفلاني وركبت أنا وهي سيارة وذهبنا إلى مكان ما وعينه، وفعلت بها الفاحشة ثم رددتها، وكان ذلك في الليلة الفلانية من الشهر الفلاني، ثم أرانا الأثر، ثم رجع وقال: أنا رجعت عن إقراري هل يمكن أن تأتي الشريعة الحكيمة بقبول رجوع مثل هذا؟ أبدًا لا يمكن، نعم لو كان مجرد إقرار بأن قال: إنه زنى فهذا ربما يكون أقر بسبب ضغط عليه أو حياء أو خجل بأن يكون شهده أناس فرأى من نفسه أنه لا بد أن يقر فأقر، ولولا هذا لم يقر، هذا ربما نقول بقبول رجوعه مع أن في القلب من ذلك شيئًا، أما إذا صرح في إقراره بالزنا وذكر القرائن التي تشهد لما صنع ثم نقول: يرجع استدلالًا بحديث ماعز فهذا بعيد جدًّا، وحديث ماعز ليس فيه الرجوع بل فيه الإقرار، لكنه هرب من أجل أن الحجارة أزلقته وأراد أن يتوب فيتوب الله عليه.

* * *

ص: 345