الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما حديث ابن عبس ففيه فوائد: أولًا الإشارة إلى مكة ستبقى بلاد إسلام، وجهه: قوله: "لا هجرة بعد الفتح" ولو عادت بلاد كفر -أجارها الله من ذلك- لعادت الهجرة منها، لكن فيه بشارة بأنها لا تعود بلاد كفر.
ومن فوائد الحديث: أن الجهاد يقوم مقام الهجرة، بل كما قلت هو أعظم من الهجرة، لأنه هجوم على الكفار في بلادهم، والهجرة فرار منهم من بلد الإنسان.
ومن فوائد الحديث: أن النية تقوم مقام الفعل لقوله: "ونية" وعلى هذا فتكون الواو هنا بمعنى "أو" يعني: أنه جهاد لمن قدر، أو نية لمن لم يقدر، ولكن النية لا تقوم مقام الفعل إلا بشروط:
الشرط الأول: أن تكون النية صادقة، بمعني: أن ينوي نية صادقة من قلبه أنه لولا المانع لفعل.
الشرط الثاني: أن يكون قد شرع في العمل ولكن عجز عن إتمامه لقوله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} [النساء: 100]. أما إذا نوى بدون أن يشرع في العمل فله أجر النية فقط ويكون هذا الأجر مساويًا لأجر نية الفاعل، ودليل ذلك- أي: دليل أنه لا يحصل على الأجر كاملًا- قصة الفقراء الذين جاءوا يشكون إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم أن الأغنياء سبقوهم، فقال صلي الله عليه وسلم:"ألا أحبركم بشيء تدركون به من سبقكم ولا يكون أحد أفضل منكم"، ثم دلهم على التسبيح والتحميد والتكبير دبر كل صلاة، فعلم بذلك الأغنياء ففعلوا مثلهم، فرجع الفقراء مرة ثانية إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا الأغنياء بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال لهم:"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"، ولم يقل: أنتم وهم سواء، فدل على أن من لم يشرع في العمل لا يحصل له أجره.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا نفى شيئًا يتطلع الناس إليه أن يفتح لهم بابًا آخر يكون قائمًا مقامه، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لما نفى الهجرة بعد الفتح فتح الناس الراغبين في الخير بابًا آخر وهو: الجهاد والنية.
وجوب الإخلاص في الجهاد:
1215 -
وعن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله". متفق عليه.
سبب هذا الحديث: أن النبي صلي الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل حمية، يعني: حمية لقوم ودفاعًا عن قومه ويقاتل بشجاعة، يعني: يقاتل لأنه شجاع، والشجاع يجب أن يقاتل، لأن الشجاعة خلقه، فيجب أن يعمل بهذا الخلق، كما يحب صاحب الصيد أن يخرج إلى البر في الشتاء
وفي الصيف من أجل أن يصطاد وإن لم يكن محتاجًا إلى الصيد، بل ربما يصطاد الصيد ثم يهبه لأحد من الناس، فالإنسان الشجاع يجب أن يقاتل، لأنه شجاع يريد أن ينفذ هذا الخلق الذي أعطاه الله إياه ويقاتل ليرى مكانه، وفي رواية: يقاتل رياء يعني: يرائي الناس بأنه شجاع وأنه يقاتل في سبيل الله، فقال النبي صلي الله عليه وسلم كلمة جامعة مانعة:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا"، فـ"من قاتل" هذه شرطية، و"لتكون" اللام للتعليل، و"كلمة" هي دينه، و"العليا" يعني: فوق كل الأديان، "فهو في سبيل الله" هذا جواب الشرط، هذه الكلمة جامعة مانعة لها منطوق ولها مفهوم، منطوقها: أن من قاتل بهذه النية الطيبة فهو في سبيل الله، مفهومها: أن من قاتل على خلاف ذلك فليس في سبيل الله.
ففي هذا الحديث: الحث على إخلاص النية في الجهاد.
وفيه الإشارة إلى أن الجهاد إنما شرع لهذا الغرض لتكون كلمة الله هي العليا لا لإكراه الناس على الدين، ولهذا سيأتينا في حديث بريدة أننا لا نكره الناس علي الدين لكننا نكرههم على ألا يعارضوا ولا أن يقوموا في وجهه، نقاتلهم على أن تكون كلمة الله هي العليا.
ومن فوائد الحديث: أن الناس يختلفون اختلافًا كثيرًا في الجهاد في سبيل الله، ، منهم من يجاهد في سبيل الله، ومنهم من يجاهد في غير سبيل الله حسب النية.
ومن فوائد الحديث: أن للنية أثرًا بالغًا في قلب الأعمال إلى صالحة أو إلى فاسدة لقوله: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا".
ومن فوائد الحديث: أن الإسلام دين عزيز، لا ينبغي للمسلم أن يرضى أن يكون دين فوقه لقوله:"أن تكون كلمة الله هي العليا".
وعلى كل حال: هذا منوط بالقدرة: لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]. وهذا شبيه قول النبي صلي الله عليه وسلم في طالب العلم: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع"، وهذا عند الإخلاص، أما عند عدم الإخلاص فقد قال:"من طلب علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يريد إلا أن ينال عرضًا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة". وذلك لفساد النية.