الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فمعلوم أن المراجعة إنما تكون في العدة، وهل يشترط أن يريد الزوج بالمراجعة الإصلاح أو ألا يريد المضارة أو ليس ذلك بشرط؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: لا بد أن يكون الزوج مريدًا للإصلاح، لقوله تعالى:{وبعولتهنَّ أحقُّ بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا} [البقرة: 228].
فعلم منه أنه لا حق له في الرجعة إذا لم يرد الإصلاح بأن أراد المضارة، فإنه إذا أراد المضارة منه؛ لقوله تعالى:{ولا تمسكوهنَّ ضرارًا لتعتدوا} [البقرة: 231]. ولكن المشهور من المذهب أنه ليس شرط وأنه يأثم إن أراد الإضرار، ولكن الرجعة تثبت، وظاهر الآية الكريمة: أنه لا بد من إرادة الإصلاح وهو الالتئام بين الزوجين، فإن أراد المضارة بها فلا رجوع لها، ويظهر أثر الخلاف فيما لو طلق المرأة وفي أثناء الحيضة الثالثة راجعها ليطيل عليها العدة؛ لأنه إذا راجعها ابتدأت عدة جديدة، ثم عند شروعها في الحيضة الثالثة بعد المراجعة يراجعها ثم يطلقها من أجل أن يطيل عليها العدة، فتكون العدة على هذا تسع حيض، فإن هذا- لا شك- إضرار، "ومن ضار ضار الله به"، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أي: أنه لاحق له في الرجعة إذا أراد بها الإضرار، وهو قول قوي لا شك.
حكم الإشهاد في الطلاق والرجعة:
1046 -
عن عمران بن حصينٍ رضي الله عنهما: "أنَّه سئل عن الرَّجل يطلِّق، ثمَّ يراجع ولا يشهد؟ فقال: أشهد على طلاقها، وعلى رجعتها". رواه أبو داود هكذا موقوفًا، وسنده صحيحٌ.
هذا الحديث فيه ثلاثة أمور تتعلق بأحكام النكاح: عقد، وطلاق، ورجعة، أما العقد فأكثر العلماء على أن الإشهاد فيه شرط للصحة وأنه إذا لم يشهد على عقد النكاح فالنكاح باطل، وأما الطلاق فالإشهاد فيه سنة وليس بشرط، فإذا طلق بلا إشهاد وقع الطلاق لكن الأفضل أن يشهد؛ ودليل ذلك- أي: كونه ليس بشرط- أن ابن عمر رضي الله عنهما طلق زوجته ولم يسأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم هل أشهد أو لا؟ ولو كان الإشهاد شرطًا لسأل، الثالثة من الأمور التي جمعها الحديث: الرجعة، وهي أيضًا يسن فيها الإشهاد ولا يجب، هذا هو المشهور عند أهل العلم وعليه أكثر العلماء، وقيل: إن الإشهاد على الرجعة واجب؛ لأنه إعادة للمرأة إلى النكاح فأشبه الابتداء، ولكن الذي يظهر أنه سنة مؤكدة، والدليل على ذلك- على أنه سنة مأمور بها- قوله تعالى في سورة الطلاق:{فإذا بلغن أجلهنَّ فأمسكوهنَّ بمعروفٍ أو فارقوهنَّ بمعروفٍ وأشهدوا ذوى عدلٍ مِّنكم} [الطلاق: 2]. فأمر
بالإشهاد، فالإشهاد على الرجعة سنة مؤكدة؛ لأنه يترتب على هذا إما إنكار المرأة للمراجعة، آخر ويترتب على ذلك الميراث، ويترتب على ذلك الأنساب فلذلك كان الإشهاد على الرجعة مؤكدًا جدًا.
1047 -
وأخرجه البيهقيُّ بلفظ. أنَّ عمران بن حصينٍ رضي الله عنه سئل عمَّن راجع امرأته، فقال: في غير سنَّةٍ؟ فليشهد الآن.
قوله: "في غير سنة" يعني: عمله هذا على غير السنة؛ لأن الله أمر بالإشهاد في المراجعة، فإذا لم يشهد كان عمله على غير السنة، وقوله:"فليشهد الآن" أي: يشهد على الرجعة الآن، يعني: أنه لا يشترط لكون الإشهاد سنة في الرجعة أن يكون حين الرجعة، بل لو أشهد فيما بعد حصل بذلك المقصود.
- وزاد الطَّبرانيُّ في روايةٍ: ويستغفر الله.
أي: يسأله المغفرة، وهذا يدل على أن عمران بن حصين رضي الله عنه يرى أن الإشهاد على الرجعة واجب يأثم الإنسان بتركه؛ ولهذا قال:"وليستغفر الله"، والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، يدل على ذلك اشتقاقها من المغفر، وهو ما يلبس على الرأس في أيام القتال ليتَّقى به السهام، فإنه جامع بين الستر والوقاية، ومن ثمَّ كان المراد بالمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه باعتبار معنى اللفظ المشتق منه.
1048 -
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: "أنَّه لمَّا طلَّق امرأته، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لعمر: مره فليراجعها". متَّفقٌ عليه.
أتى المؤلف بهذا الحديث ليستدل على أن الإشهاد على المراجعة ليس بواجب، وجه الدلالة أنه لم يقل وليشهد. ولكن هذا ينبني على أن هذه المراجعة إعادة مطلقة، أما على القول بأن الطلاق لا يقع في الحيض فهذا إرجاع زوجة، أو على الأصح رجوع في الطلاق وليس إعادة مطلقة، فعلى هذا القول الثاني لا يكون في الحديث دليل على أن الإشهاد على الرجعة غير واجب، لكن على ما ذهب إليه الجمهور من أن الطلاق في الحيض واقع تكون هذه المراجعة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم إعادة مطلقة، ولما لم يأمر بالإشهاد عليها دل هذا على أن الإشهاد ليس بواجب.
من فوائد الحديث: أنه يشرع الإشهاد على الطلاق وعلى الرجعة.