الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كانت رجعية في حكم الزوجات يدخلان ويخرجن، لكنهن في بيوت أزواجهن فكذلك المعتدة من طلاق رجعي تبقى في بيت زوجها، لكنها تخرج كما تخرج الزوجة وترجع كما ترجع الزوجة وتتزين وتتجمل وتتطيب حكمها حكم الزوجة، لقوله تعالى:{وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228]. إذن نقول المطلقة تخرج وتدخل ولا حرج عليها في ذلك لكن تبقى سكناها في بيت زوجها وليس عليها إحداد، يعني: لا يلزمها أن تتجنب الطيب أو أن تتجنب الزينة أو الحلي، بل ربما تؤمر بهذا لعل زوجها يرجع إليها ودليله هذا الحديث أنها أرادت أن تخرج فزجرها رجل أن تخرج لعله ظنًّا منه أن قوله تعالى:{لا تخرجوهن} {ولا يخرجن} يعني: أنها لا تخرج مطلقًا ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بلى يعني: تخرج وتجد نخلها وبيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم المصلحة من ذلك وهي أن تتصدق على الفقراء أو تفعل معروفًا بالنسبة للأغنياء.
يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا: أنه من المعروف عن الصحابة- رضي الله عنهم أن المرأة المطلقة لا تخرج من بيتها لأن الرجل زجرها أن تخرج.
ومن فوائده: أنه قد يخفى على بعض الصحابة ما يخفى من أحكام الله فإن هذا الرجل خفي عليه خروج هذه المرأة لجذ نخلها ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن أن ذلك لا بأس به.
ومن فوائد الحديث: جواز مباشرة المرأة لجذ نخلها إن كان المراد بقوله: "جذي نخلك" يعني: أن تباشر ذلك بنفسها، وإن كان المراد: أن تحضر عند من يجذه- وهو محتمل في الحديث- فهو دليل على أن المرأة لها أن تخرج لتنظر وتراقب من يتولى الأعمال عنها.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى أنه ينبغي عند جذ النخل بأن يفعل الإنسان معروفًا أو يتصدق، لقوله:"أن تصدقي أو تفعلي معروفًا".
ومن فوائد الحديث: الفرق بين الصدقة وفعل المعروف، إن الصدقة تكون على الفقير المحتاج ولا يجوز أن تكون على الغني، لكنها على الغني تكون هدية من باب المعروف.
ومن فوائد الحديث: أن الصدقة ليست بواجبة لقوله: "فإنك عسى أن تصدقي" وهو كذلك لكن الزكاة واجبة ولا بد منها.
حكم خروج المعتدة بعد وفاة زوجها من بيتها:
1071 -
وعن فريعة بنت مالك رضي الله عنه: "أن زوجها خرج في طلب أعبدٍ له فقتلوه. قالت: فسألت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي؛ فإنَّ زوجي لم يترك لي مسكنًا يملكه ولا نفقةً، فقال:
نعم. فلمَّا كنت في الحجرة ناداني، فقال: امكثي في بيتك حتَّى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهرٍ وعشرًا، قالت: فقضى به بعد ذلك عثمان". أخرجه أحمد، والأربعة، وصححه التِّرمذيُّ، والذُّهليُّ، وابن حبَّان، والحاكم وغيرهم.
فريعة بنت مالك إحدى الصحابيات تقول: "إن زوجها خرج في طلب أعبد له لعلهم أبقوا منه أو ضاعوا" والظاهر أنهم أبقوا منه هربوا منه، وأنها جاءت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل تنتقل إلى أهلها بدلًا عن البيت الذي كانت ساكنة فيه حين موت زوجها، لأنه لم يترك بيتًا يملكه ولا نفقة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص لها بل أمرها أن تبقى في البيت حتى يبلغ الكتاب أجله يعني: حتين يبلغ المكتوب؛ أي: المفروض وهي العدة أجلها أي: منتهى أمدها، قالت: "فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا
…
إلخ"، قولها: "أربعة أشهر وعشرًا" هذا هو عدة المتوفى عنها زوجها إذا لم تكن حاملًا، أما إذا كانت حاملًا فعدتها بوضع الحمل، طالت المدة أو قصرت، قالت "فقضى به بعد ذلك عثمان" قضى بماذا؟ قضى بأن تبقى المتوفى عنها زوجها في بيت الزوج حتى يبلغ الكتاب أجله.
ففي هذا الحديث فوائد منها: أنه ينبغي للإنسان أن يتوقى الخطر وألا يخاطر بنفسه؛ وذلك لأن هذا الرجل لما خرج في طلب الأعبد وهو وحده وهم جمع فإنه يعتبر مخاطرًا بنفسه؛ لأن الظاهر أنهم خرجوا مغاضبين له وأنهم خرجوا منه، ومثل هذا يخشى على نفس الإنسان منه، فلا ينبغي للإنسان أن يخاطر بنفسه في مواضيع الهلاك.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج عن البيت الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه بل تبقى إلى أن تنتهى العدة، ولكن هذا مشروط بما إذا لم تخف على نفسها، فإن خافت على نفسها إما من أحد يعتدي أو خافت على عقلها لكونها خوافة فلا حرج بأن تنتقل لأن القاعدة الشرعية أن الواجبات تسقط بالعجز عنها لقول الله تعالى:{لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} ، وقوله تعالى:{فاتقوا الله ما استطعتم} .
ومن فوائد الحديث: أنه لا نفقة للمتوفى عنها زوجها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سكت عن النفقة ولم يتعرض لها، وهو كذلك فالمتوفى عنها زوجها ليس لها نفقة، وإنما نفقتها على نفسها، فإن كان عندها مال قبل موت زوجها أنفقت منه وإن لم يكن عندها مال أنفقت من حصتها من مال زوجها إن كان قد خلف مالا وإلا وجب الإنفاق عليها على من تجب عليه نفقتها من الأقارب.
ومن فوائد الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم يحكم بالاجتهاد وليس كل ما يحكم به يكون وحيًا؛ بدليل أنه أذن لها في الأول أن تخرج من البيت ثم بعد ذلك ناداها وقال "امكثي في بيتك" وحكم النبي صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون باجتهاد منه فحينئذٍ يكون من وحي الله لكن ليس الوحى المباشر بل هو من وحيه باعتبار أن الله أقره وإقرار الله له رضًا به.
والقسم الثاني: أن يكون بوحي خاص يوحى إليه به إما أن ينزل القرآن بذلك، وإما أن يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحيًا عن طريق جبريل به دون أن يكون قرآنا فمن الأول ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عنه كثيرًا: يسألونك عن كذا، يسألونك عن كذا، فيأتي القرآن مجيبًا له، ومن الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشهادة تكفر كل شيء ثم قال إلا الدَّين أخبرني بذلك جبريل آنفا، فعلى هذا تكون الأحكام الصادرة من الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما حكم به فأقره الله.
والقسم الثاني: ما توقف فيه حتى يأتيه القرآن.
والقسم الثالث: ما تقدم له حكم به ثم يأتيه الوحي أحيانًا عن طريق جبريل لتقييده أو استثنائه منه أو ما أشبه ذلك ومن هذا- أي: مما ينبهه الله عليه- قوله تعالى: {عفا الله عنك لم استثنائه أذنت لهم
…
} فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن للمتخلفين عن الغزو دون أن يستثبت في أمرهم ثم قال الله له: {عفا الله عنك
…
}.
ومن فوائد الحديث: قبول قول المرأة في الأحكام الشرعية؛ لأن فريعة حدَّثت به فقضى به عثمان رضي الله عنه وهو أحد الخلفاء الراشدين فدل هذا على قبول قول المرأة في الأحكام الدينية، كالأحاديث والفتيا أما الأموال فقد ذكر الله عز وجل أنه إن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب على المرأة أن تبقى في بيت الزوج الذي يسكنه ولو كان بالأجرة، لقولها:"لم يترك لي مسكنًا يملكه" فدل هذا على أن المرأة تبقى في بيت الزوج الذي كان يسكنه ولو بالأجرة، ولكن لو فرض أن المدة تمت وأن صاحب البيت طلب خروجها فالحق له وإذا أخرجها في هذه الحال فإنها تسكن حيث شاءت عند أهلها أو عند غيرهم.
1072 -
وعن فاطمة بنت قيس صلى الله عليه وسلم قالت: "يا رسول الله، إنَّ زوجي طلَّقني ثلاثًا، وأخاف أن يقتحم عليَّ، فأمرها، فتحوَّلت". رواه مسلمٌ.
قولها: "إن زوجي طلقني ثلاثًا" يعني: آخر ثلاث تطليقات، وليس المعنى: أنه قال أنت طالق أنت طالق أنت طالق كما جاء ذلك مصرحًا به في صحيح مسلم وقولها: "أخاف أن يقتحم عليَّ" أي: أن يقتحم أحد علي بيتي، يعني: يتسلق الجدران ويعتدي عليها، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم فتحولت.
هذا الحديث فيه: أن فاطمة كان طلاقها طلاقًا بائنًا، والمرأة المطلقة طلاقًا بائنًا ليست في حكم الزوجات، وليس لها نفقة ولا سكنى ما لم تكن حاملًا فان لها النفقة والسكنى على زوجها وهذه ليست حاملًا فليس لها نفقة وليس لها سكنى، ولكن هل يلزمها أن تسكن في بيت الزوج؟ في هذا خلاف بين أهل العلم منهم من قال: إنه يلزمها أن تسكن واستدل بهذا الحديث أنها استأذنت وبينت السبب واستدل أيضًا بأنها في عدة من فراق بينونة فأشبهت المتوفى عنها زوجها فيلزمها الإحداد ولأنها ربما يطمع أحد في خطبتها لأنها بائن وتجملها يوجب إغراء الناس بها وكذلك خروجها من البيت فلزمها أن تحد ولكن المشهور من المذهب أنها ليست كالمتوفى عنها زوجها وأنه لا يلزمها الإحداد ولا لزوم المسكن، ولكن الأفضل أن تبقى في المسكن حفاظًا على حق زوجها وصوتًا لمائه إن كانت حاملًا وما أشبه ذلك من العلل التي عللوا بها ولكن ليس ذلك على سبيل الوجوب وهذا هو الصحيح، فإذا كانت حاملًا فلها النفقة والسكن، لقوله تعالى:{وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6]. وتكون النفقة على زوجها والد الجنين أما إذا كانت متوفى عنها زوجها وهي حامل فإن النفقة تكون في مال الجنين الذي يرثه من أبيه وليس على أبيه لأن أباه قد مات وانتقل المال عنه فهنا يفرق بين نفقة الحمل إذا كانت بائنًا من وفاة وإذا كانت بائنًا من حياة، إذا كانت بائنًا من حياة النفقة على أب الحمل وإذا كانت بائنًا من وفاة فالنفقة في نصيب الحمل من الميراث.
من فوائد الحديث: أن الأفضل في المطلقة ثلاثًا أن تبقى في بيت زوجها لأن كونها تستأذن من الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على أن هذا هو المتقرر عندهم.
ومن فوائده: أن الشر يوجد في كل زمن حتى في زمن الصحابة لأن قولها: "أخاف أن يقتحم
عليَّ" ليس مجرد وهم إلا أن الشرَّ في زمن الصحابة أقل منه في غيره؛ لأنهم خير القرون وأفضلها.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يتجنب أسباب الشر لقولها: "فأمرها فتحولت"، وهكذا ينبغي للإنسان أن يتقي الشر قبل أن يقع؛ لأن رفع الشيء بعد وقوعه أصعب من توقيه قبل وقوعه.
ومن فوائده: أنه إذا تحولت المعتدة لعذر فإنه لا يلزم أن تتحول إلى مكان قريب من مكانها
الأول بل لها أن تتحول إلى مكان بعيد؛ لقولها: "فتحولت" وهذا مطلق، وهو كذلك فإذا جاز للمرأة المتوفى عنها زوجها أن تخرج من بيتها لعذر شرعي فلها أن تتحول إلى أي بيت شاءت، ولا يلزم أن يكون قريبًا من الأول؛ وذلك لأنه لما سقط لزوم المسكن فبقية المساكن سواء.
1073 -
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "لا تلبسوا علينا سنَّة نبيِّنا، عدَّة أمِّ الولد إذا توفِّي عنها سيِّدها أربعة أشهرٍ وعشرًا". رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصحَّحه الحاكم، وأعلَّه الدَّارقطنيُّ بالانقطاع.
• هذا الحديث فيه علتان:
العلة الأولى: الانقطاع وهو عدم اتصال السند، ومعلوم أن الحديث لا يكون مقبولًا إلا إذا اتصل سنده، فانقطاع السند علة موجبة لرد الحديث.
الثانية: أن يقال ما هي السنة التي ذكرها؟ لم يبينها، والقرآن يشهد على خلاف ما روي؛ لأن التي يلزمها العدة إذا توفي عنها هي المرأة قال الله تعالى:{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234].
أما الأمة فإن الواجب استبراؤها فقط بحيضة، فإذا استبرئت بحيضة وعلم أن رحمها خال من الولد جاز أن تتزوج ولم يلزمها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا، فهذا الحديث لا يعول عليه لما ذكرنا، إذن ما الواجب؟ الواجب الاستبراء بحيضة، وتحل بعد ذلك للأزواج أو لمالكها.
* * *