الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جامعها، والسيد تحلُّ له مملوكته، فإن ادعت شبهة وقالت: إن هذا الحمل من زنًا ولكنني فكرهة فإنه لا يقام عليها الحد لاحتمال صدقها، وكذلك لوادعت أن أحدًا زنا بها وهي نائمة ولم تعلم فإنه لا يقام عليها الحل لوجود الشبهة.
الثالث: أو الاعتراف، أي اعتراف كان؟ نقول: أو الاعتراف وأطلق أمير المؤمنين عمر، فيحتمل أن تكون "أل" لبيان الحقيقة أو للعهد والأصح أنها لبيان الحقيقة، وأنه لا يشترط تكرير الاعتراف، بل إذا اعترف الزاني مرة واحدة فإنه يقام عليه الحد، وقد عرفتم الجواب عن قصة ماعز رضي الله عنه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا مانع من أن تضمن خطبة الجمعة المسائل الفقهية، ولاسيما المسائل الكبيرة العظيمة التي يحتاج الناس إليها، وأنه لا يشترط أن تكون الخطبة خطبة وعظ فقط، بل حسب ما تقتضيه الحال، قد تقتضي أن تكون الخطبة خطبة وعظ، وقد تقتضي الحال أن تكون الخطبة بيان أحكام.
حد الأمة الزانية:
1164 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبيَّن زناها؛ فليجلدها الحدَّ ولا يثرِّب عليها، ثمَّ إن زنت فليجلدها الحدَّ ولا يثرِّب عليها، ثمَّ إن زنت الثَّالثة فتبيَّن زناها؛ فليبعها ولو بحبلٍ من شعرٍ". متَّفقٌ عليه، وهذا لفظ مسلمٍ.
يراد بالأمة هي المملوكة، وقد يراد بالأمة مجرد الأنثى كقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" فالمراد بالإماء هنا الحرائر، وقوله:"إذا زنت أمة أحدكم" المراد بها: المملوكة، وقوله:"فتبين زناها" أي: ظهر ظهورًا بينًا للسيد وإن لم يكن بشهود أربعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: فشهد عليها أربعة، وإنما قال:"فتبين زناها"، "فليجلدها الحد ولا يثرب"، اللام هنا للأمر، وهل الأمر للوجوب أو للإباحة؟ نقول: الأمر للوجوب، ولكن له أن يتنازل عن حقه ويجعل الحد لولي الأمر يجلدها وقوله:"لا يثرب" يعنى: لا يوبخها ويعنفها؛ لأن إقامة الحد عليها كافٍ.
ثم إن زنت مرة ثانية
…
إلخ، "إن زنت الثالثة فتبين زناها"، أعاد قوله:"فتبين" لئلا يتسرع الإنسان في الثالثة، "فليبعها ولو بحبل من شعر ولم يذكر جلدها"، وسيتبين ذلك في أخذ الفوائد. هذا الحديث: يدل على أن سيد الأمة هو الذي يتولى إقامة الحد عليها، وذلك أن ملكه إياها أخص من ملك الولي العام، وسيطرته عليها أخص من سيطرة الولي العام.
فإن قال قائل: "الزوجة هل يقيم عليها الزوج الحد؟
قلنا: لا؛ لأن الزوجة لها حرية وتصرف أكثر من الأمة، الأمة مملوكة، الحرة مالكة نفسها.
ومن فوائد الحديث: أنه لا بد أن يتبين الزنا، وأن مجرد التهمة لا يجيز للإنسان أن يقيم "الحد عليها لقوله:"فتبين زناها".
ومن فوائده: أنه لا يشترط في إقامة السيد الحد أن يثبت ذلك بالشهود، بل يكفي أن يتبين ذلك للسيد فإذا تبين فإنه يقيم عليها الحد.
ومن فوائد الحديث: أنه لا رجم في حق الإماء، الدليل قوله:"فليجلدها"، والرجم ليس جلدًا بل هو رمي بالحجارة حتى تموت.
فإذا قال قائل: ما هو الحد؟
قلنا: هو ما ذكره الله في قوله: {فإذا أحصنَّ فإن أتين بفاحشةٍ فعليهنَّ نصف ما على المصنات من العذاب} [النساء: 25]. يعنى: ما على الحرائر، والعذاب الذي يمكن أن يتنصف في الحرائر هو الجلد، فيؤخذ من ذلك: أن الأمة وإن كانت محصنة لا ترجم بل تجلد خمسين جلدة، وظاهر هذا الحديث أنها لا تغرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"فليجلدها"، والتغريب ليس جلدًا، وهذه المسألة مختلف فيها بين العلماء، فمنهم من قال: إنه لا يغرّب لما في ذلك من الإضرار بالسيد؛ لأن منفعة المملوك لسيده، فإذا غربناه فإنه تفوت مصلحة السيد، ومن العلماء من قال: تغرب بشرط أن يكون تغريبها آمنًا وأن يؤمن من هروبها؛ لأنها ربما تهرب إلى بلد الكفر؛ لأنها ربما تكون حديثة عهد بسبي فتهرب إلى بلاد الكفر، فإذا أمنت الفتنة وأمن هروبها إلى بلد الكفر فإنها تغرب، ولكن ظاهر الحديث أولى وهو عدم التغريب.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا أقيم الحد ألَّا يوبخ المحدود ويعير بذنبه؛ لأن إقامة الحد كفارة للذنب فلا يجمع عليه بين عقوبتين، ويلتحق بهذه القاعدة أن شارب الخمر إذا طلق زوجته فإن زوجته لا تطلق خلافا لمن قال: إنها تطلق نكالًا به؛ لأننا نقول: إن شارب الخمر تكاله بالجلد فلا ينكل بنوع آخر.
ومن فوائد الحديث: اعتبار التكرار ثلاثًا وهذا ظاهر في مسائل كثيرة، تكرر ثلاث مرات كالاستئذان والسلام والكلمة إذا لم تفهم، وغير ذلك مما هو كثير في الأحكام الشرعية.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا زنت الثالثة فإنها تباع، وهل تباع وجوبا أو استحبابًا؟ الحديث فيه الأمر "فليبعها" فاختلف العلماء هل الأمر للوجوب وأنه يجب على السيد في الثالثة أن يبيعها، أو الأمر للاستحباب؛ لأنها ملكه ويكون الأمر "فليبعها" للإرشاد وليس للوجوب؟
الظاهر أنه للوجوب، لكنه وجوب مقيد بما إذا كنَّا نرجو من بيعها أن تستقيم جالها، أما إذا كنَّا نخشى من بيعها أن يزداد شرها فحينئذٍ لا تباع.