الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن قال قائل: ألا يصح قياسه على من قتل في سبيل الله؟ لا يصح القياس؛ لأن المقاتل في سبيل الله إنما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولأن المقاتل في سبيل الله هو الذي بذل نفسه وذهب إلى الخطر، أما هذا فإنه مدافع فقط فبينهما فرق؛ ولهذا كان القول الراجح: أنه يجب أن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يلام الإنسان على المدافعة عن ماله وذلك لقوله: "فهو شهيد" ولكن هل يلزمه أن يدافع عن ماله؟ قال الفقهاء: إنه لا يلزمه أن يدافع عن ماله، لأن المال لو ذهب يخلف الله غيره، وقال آخرون: بل يجب أن يدافع عن ماله؛ لأن ماله محترم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما سئل أرأيت إن قاتلني؟ قال:"قاتله" فأمر بقتله، ولأننا لو تركنا المقاتلة لكان في ذلك فتح باب للصائلين أن يصولوا، على الناس، وهذا القول - أعني: وجوب المدافعة - أقرب غلى القول بأن ذلك على سبيل الإباحة، هل يلزمه أن يدافع عن نفسه وعن أهله؟ نعم، يجب قولا واحدا، وذلك لأن المدافعة عن النفس والأهل أوكد من المدافعة عن المال، لو أراد أحد أن يقتلك أو أن يهتك عرضك فلا تمكِّنه من هذا، وهل يلزمه أن يدافع عن مال الغير؟ ينبني على الخلاف في المدافعة عن ماله، فنقول: نعم، إذا كان الغير معصومًا وله حرمة فإنه يجب أن يدافع عنه.
الدفاع عن النفس:
1207 -
وعن عبد الله بن خبَّاب رضي الله عنه قال: سمعت أبي رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تكون قتنٌ، فكن فيها يا عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل". أخرجه ابن أبي خيثمة والدَّارقطنيِّ.
- وأخرج أحمد نحوه: عن خالد بن عرفطة رضي الله عنه.
"تكون" هنا فعل مضارع، ولكنها هنا تامة، أي تكتفي بمرفوعها، كما قال ابن مالك:
*وذو تمام ما برفع يكتفي *
وعلى هذا تكون "فتن" فاعلًا، أي توجد فتن، والفتنة ما يفتن به الناس، وهي أنواع كثيرة قد يفتن الناس في أديانهم، أو في أعراضهم، أو في أخلاقهم عموما أو في دمائهم، المهم أن الفتن أنواع، ومن الفتن: الفتن المقالية التي يتنابز فيها بالناس بالألقاب السيئة: أنت مبتدع، أنت كافر، أنت فاسق، وغير ذلك من الكلمات التي لا يجنى منها إلا اختلاف القلوب، واختلاف الناس، لكن المراد بالفتن هنا - والله أعلم - فتن الدماء، أي: تكون فتن، أي قتال بين الناس.
"فكن فيها يا عبد الله المقتول""عبد" هنا يجوز أن تكون منصوبة على أنها خبر "كن"، ويجوز أن تكون منصوبة على أنها منادى وحرف النداء محذوف، أي: كن فيها يا عبد الله المقتول، فعلى الأول تكون، "المقتول" صفة لعبد الله، وعلى الثاني أن "عبد" منادى "تكون""المقتول" خبر كان، أي: كن يا عبد الله المقتول ولا تكن القاتل، وهذا يعني: أنك لا تدافع عن نفسك في الفتن؛ لأن المدافعة عن النفس في الفتن قد يكون فيها شر كثير وذلك كما جرى لأمير المؤمنين رضي الله عنه الخليفة الثالث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه نهى أن يدافع عنه، بل قال لغلمانه كل إنسان لا يدافع عني فهو حر، فتركوا الدفاع عنه؛ لأنه يحصل بذلك قتل كثير في المدينة النبوية، فهو رضي الله عنه فدى بنفسه دماء المسلمين وحقنها ولا يقولون عن عثمان: إنه فدى بنفسه دماء المسلمين وحقنها مع أن الواضح جدًا أن الثاني هو الحق، أي: أن عثمان رضي الله عنه أراد أن يفدي بنفسه دماء المسلمين وليقتل شهيدًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما صعد جبل أحد واهتز بهم وارتجف قال: "اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان"، النبي: محمد صلى الله عليه وسلم والصديق: أبو بكر، والشهيدان: عمر، وعثمان رضي الله عنهما، فالحاصل أنه اختار ذلك، ولهذا قال العلماء: يجب عليه الدفاع عن نفسه إلا في الفتنة فلا يجب، ولكن إذا قلنا: لا يجب هلى معنى ذلك أنه يحرم الدفاع عن نفسه في الفتانة أو ينظر للمصلحة؟ الجواب: الثاني، قد يكون الإنسان في مكان فيه فتنة وفيه قتال، لكن يمكن أن يقتل من صال عليه بدون أن يحصل بذلك فتنة، حينئذ نقول اقتل، وقد يكون بالعكس لو قتله لثارت القبائل؛ لأنه من قبائل كبيرة فتثور ويحصل بذلك فتنة، فالحاصل: أنه في غير الفتنة في حكم الدفاع عن النفس أنه واجب، وفي الفتنة لا يجب لكن ينظر الإنسان للمصلحة قد تكون المصلحة بالمدافعة ولو بالقتل وقد تكون بعدم المدافعة، والإنسان ينظر إلى المصالح العامة فيقدمها على المصالح الخاصة؛ لأن تقديم المصالح العامة هو شرع الله، يعني: يتوافق الشرع والقدر في تقديم المصالح العامة، على المصالح الخاصة، أرأيتم المطر مصلحة عامة لكن يأتي إنسان صب صبة السقف قبيل نزول المطر ما شأن هذا المطر بالنسبة له؟ ضرر له لكن هذا الضرر يزول ويضمحل، فالحكم القدري والحكم الشرعي من ربنا وله الحكمة البالغة تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة، فأنت انظر في حال الفتنة هل من المصالحة أن تدافع عن نفسك أو من المصلحة أن
تمسك عن الدفاع، افعل ما تراه مصلحة لكن في غير الفتنة يجب أن تدافع، وبهذا نعرف أن من قاتل ليستشهد فهل يكون شهيدًا؟ إذا قاتل ليقتل فهذا ليس بشهيد، وإن قاتل ليستشهد بمعنى: أن يكون قتاله لإعلاء كلمة الله فهو شهيد، والنية لها أثر بالغ؛ لأن بعض الناس يظن أنه إذا قتل في الجهاد فإنه شهيد بكل حال، وليس كذلك ليس من الشهادة أن تذهب لأجل أن تقتل، إنما الشهادة أن تذهب لتقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حينئذ إذا قتلت فأنت شهيد، فالقتل ليس مقصودًا لذاته، المقصود: أن تكون كلمة الله هي العليا، فإذا قتلت من أجل ذلك فأنت شهيد.
كتاب الجهاد
ويشتمل على
1 -
باب الجزية والهدنة.
2 -
باب السبق والرمي.