الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حديث رافع يشترط أن يكون الإنسان قد سرقه من شجرة، أي: الثمر أو جمار من شجرة، أما إذا أخذ وأحرز فإنه كغيره من الأموال يقطع سارقه، وسيأتي في كلام المؤلف.
ثبوت السرقة بالإقرار:
1186 -
وعن أبي أميَّة رضي الله عنه قال: "أتي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بلصٍ قد اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاعٌ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما إخالك سرقت؟ قال: بلى، فأعاد عليه مرَّتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع وجيء به، فقال: استغفر الله وتب إليه، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: اللهمَّ تب عليه - ثلاثًا-". أخرجه أبو داود واللَّفظ له، وأحمد، والنِّسائيُّ، ورجاله ثقاتٌ.
- وأخرجه الحاكم من حديت أبي هريرة، فساقه بمعناه، وقال فيه:"اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه" وأخرجه البزَّاز أيضًا، وقال: لا بأس بإسناده.
اللص: هو السارق، وقوله:"اعترف" يعني: أقرَّ، "ولم يوجد معه متاع" أي: لم يوجد معه متاع يظن أنه سرقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما إخالك؟ " أي: ما أظنك سرقت، وقوله:"استغفر" أي: أطلب المغفرة من الله، والمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ لأنها مشتقة من (المغفر)، وهو ما يوضع على الرأس من الحديد فهو ساتر واقٍ، ويدل لهذا المعنى أن الله سبحانه إذا قرر عبده يوم القيامة بذنوبه قال: قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، وهذا يدل على أن المغفرة ليست مجرد السرقة، "وتب إليه"، أي: ارجع إليه من معصيته إلى طاعته فقال الرجل: "أستغفر الله"، يعني: أسأل الله المغفرة، "وأتوب إليه" أرجع إليه من معصيته إلى طاعته، فقال:"اللهم تب" عليه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم تب عليه اللهم تب عليه اللهم تب عليه".
ففي هذا الحديث: دليل على أن حد السرقة يثبت بالإقرار، وهذا يعتبر فردًا من قاعدة جاءت في كتاب الله، وهي قوله تعالى:{يا أيها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135].
فقوله: {ولو على أنفسكم} [النساء: 135]. هذا هو الإقرار أن يشهد الإنسان على نفسه بما فعل، واختلف العلماء" رحمهم الله هل يشترط تكرار الإقرار أو لا؟ فقيل: إنه يشترط؛ وذلك لأن السرقة لا تثبت على القاعدة المعروفة عند أكثر العلماء إلَّا بشاهدين عدلين، فلا تثبت
بشاهد واليمين ولا بشهادة امرأتين، ولا بشهادة رجل وامرأتين إلَّا أنه إذا أتى المسروق منه بشهادة رجل وامرأتين ثبت ماله دون القطع؛ وذلك لأن الحدود - على قاعدة هؤلاء العلماء - لا تثبت بشهادة النساء يختص بالشهادة فيها الرجل فقط، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يشترط تكرار الإقرار، وإن الإنسان إذا اعترف وهو بالغ عاقل مختار ولو مرة واحدة ثبت الحكم، وهذا القول هو الراجح، وقد سبق لنا هذا البحث في الإقرار بالزنا، وبينَّا أن الصواب أنه إذا أعترف الإنسان وهو بالغ عاقل مختار ثبت مقتضى إقراره.
ومن فوائد الحديث: التعريض للمقر بالرجوع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما إخالك سرقت" أي: ما أظنك، وهذا تعريض له بالرجوع، يعني: ليقول: نعم أنا على ما ظننت يا رسول الله، واختلف العلماء في هذه المسألة هل يسن للحاكم أن يعرض بالرجوع عن الإقرار؟ فمن العلماء من قال: إنه يسن أن يعرض بالرجوع عن الإقرار، وأنه إذا رجع عن إقراره ارتفع عنه الحد؛ لأن هذا هو فائدة التعبير بالرجوع عن الإقرار، وقال بعض العلماء: لا يسن ذلك وهذا هو الصحيح أنه لا يسن إلَّا إذا كان هناك أحوال تقتضي أن يعرض له بذلك كهذا الحديث؛ لأن هذا الحديث اعترف الرجل بأنه سارق، لكن لم يوجد معه متاع، فيخشى أن يكون هذا الرجل ظن أن السرقة تثبت بكل قليل وكثير، أو أن السرقة تثبت بما دون ذلك، ومن المعلوم أن من السُّراق من يسرق ويعترف ويقول: هذا سرقته من البيت الفلاني من الحرز، فهل يمكن مثل هذا أن نعرض له بالرجوع؟ لا، ثم ينبني على القول بالتعريض بالرجوع لو رجع المقر فهل يقبل رجوعه، يعني: بعد أن أقر بالسرقة رجع، فهل نقبل رجوعه أو لا نقبل؟ اختلف العلماء في ذلك أيضًا؛ فمنهم من قال: إنه لا يقبل رجوعه مطلقًا؛ لأنه شهد على نفسه، ولو أننا قلنا بقبول رجوع المقر بما يقتضي الحد لم يثبت حد في الدنيا؛ لأن كل واحد يمكنه أن يرجع ويسلم من الحد، والاستدلال بقصة ماعز رضي الله عنه لا وجه له؛ لأن ماعزًا لم يرجع عن إقراره لم يكذب نفسه، وإنما هرب ليتوب، وفرق بين من يرجع بإقرار ويكذب نفسه ويلعب بالحكام، وبين إنسان ما زال على إقراره لكنه هرب ليتوب فيما بينه وبين الله، فالاستدلال ليس بوجيه، لكن هذا الحديث قد يؤخذ منه أن الإنسان إذا رجع عن إقراره قبل، لكن هذا إذا لم يكن هناك قرائن تقتضي تكذيب رجوعه، فمثلًا: لو أن السارق أقر بالسرقة وقال: سرقت المال الفلاني ووصفه كمًّا ونوعًا، وقال: سرقته من المكان الفلاني ووصف المكان بأنه حرز ووجد نفس المتاع الذي وصفه
عنده، فهل بعد ذلك يمكن أن تقول: بقبول رجوعه عن إقراره؟ هذا لا يمكن، وإن كان بعض العلماء يقول: يمكن، لأنه لعله اشتراه هذا لا يمكن أن يقبل رجوعه عن إقراره؛ لأن القرائن تكذب رجوعه وتمنع قبول رجوعه، وعلى هذا فيكون القول الراجح الوسط في هذا إذا وجدت قرائن تشهد بأن رجوعه ليس بصحيح فإن رجوعه لا يقبل، وإن لم توجد فإنه يقبل رجوعه، لكن لو رأى الحاكم أن يعزره بما يقتضي ألَّا يتلاعب بالحكام فله ذلك؛ لأن القضية سوف تعرض ويكون لها جلسة عند القاضي ومحضر وكتابة وبعد هذا كله يقول: أنا أكذب أقررت بالسرقة، ولكن أكذب كنت أريد أن أعرف ما عندكم، ولما علمت أن السكينة الباترة مهيأة لقطع يدي فأنا أكذب، هذا ربما نقبل رجوعه إذا لم يكن هناك قرينة تكذبه، وأما مع وجود القرينة فلا وجه لقبول رجوعه، ولا يمكن أن يكون هذا القول عمليًّا في أحوال الناس لاسيما مع كثرة السرقات.
في هذا الحديث: حكمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث إنه أعاد عليه هذا القول عدة مرات؛ لأن حاله تقتضي ألَّا يكون سرق وذلك لعدم وجود متاعٍ معه.
ومن فوائد الحديث: أنه يطلب من الإنسان بعد إقامة الحد أن يستغفر الله ويتوب إليه، يعني: ينبغي للقاضي أن يقول: استغفر الله وتب إليه، لجواز أن يعود مرة أخرى إلى الذنب.
فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحدود كفارة للمعاصي؟
فالجواب: بلى ثبت ذلك، لكن هنا مما يزيد توبة الله علي، ثم إنها كفارة لما مضى، والاستغفار والتوبة عما مضى وعما يستقبل، لأن من شروط التوبة أن يعزم على ألَّا يعود في المستقبل.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا أمر شخصًا بالاستغفار والتوبة من أي ذنب كان أن يشرح صدره له وأن يشرح صدر التائب، فيدعو له بالتوبة، ويقول: اللهم اغفر له، اللهم تب عليه؛ لأن هذا مما ينشطه على الاستمرار في توبته.
وفي رواية الحاكم قال: "اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه الحسم" بمعنى: القطع، لكن القطع هنا غير القطع الذي سبقه، فإن قوله:"فاقطعوه" أي: اقطعوا يده "احسموه" أي: اقطعوا نزيف الدم، قال العلماء: وكيفية الحسم أن يغلى الزيت بالنار ثم يغمس طرف الذراع في الزيت وهو يغلي؛ لأن هذا يسد أفواه العروق؛ إذ لو بقيت أفواه العروق مفتوحة لنزف الدم ومات.
فيستفاد من هذا الحديث: وجوب حسم يد السارق.
ولكن إذا قال قائل: هل يتعين الطريق الذي ذكره العلماء بأن يغلى الزيت ثم يغمس فيه طرف الذراع؟
الجواب: لا إذا وجد طريقة أخرى يمكن بها الحسم وهي أهون من هذا فإن الواجب اتباعها لقول النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة".
فإن قيل: هل يجوز أن يبنج محل القطع حتى لا يحس به المقطوع؟
فالجواب: نعم يجوز ذلك، لأن المقصود هو إتلاف اليد وهو حاصل سواء بنج أم لم يبنج، فإن قال قائل: يرد عليكم أنه يجوز لمن أريد جلده أن يبنج.
قلنا: لا، لا يرد هذا؛ لأن المقصود بالجلد هو الإيلام، ولا يحصل بالبنج، أما المقصود بقطع اليد فهو إتلاف اليد وهو حاصل بالبنج.
فإن قال قائل: فهل تعدون ذلك إلى اليد المقطوعة قصاصًا؟
الجواب: لا، اليد المقطوعة قصاصًا لا يجوز أن تبنج، لأننا لو بنجناها لم يتم القصاص، إذ إن قطع المعتدي ليد المعتدى عليه حصل به الإتلاف والإيلام، فإذا بنِّج لم يتم القصاص، ما الذي يفوت من القصاص؟ الإيلام.
وهذه المسائل ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها؛ لأن بعض الناس قد يقول: اليد باليد، قطعنا يد القاطع كما قطع هو يد المقطوع. قلنا: لكن الله تعالى يقول: {والجروح قصاصٌ} [المائدة: 45]. فلا بد من أن يذوق هذا ألم الجرح كما ذاقه المعتدى عليه.
فإن قال قائل: الحسم يحتاج إلى نفقة، الزيت له قيمة، غليه له قيمة، وما يقوم مقام الزيت له قيمة، فعلى من تكون أعلى الذي أقيم عليه الحد أم في بيت المال؟
قلنا: الثاني تكون في بيت المال؛ لأن إقامة الحدود من واجبات ولي الأمر، وعلى هذا فتكون في بيت المال.
فإن قيل: لماذا لا تكون على ولي الأمر؟ قلنا: لأن هذا ليس لمصلحة خاصة بل لمصلحة عامة، فيكون في بيت المال الذي هو عام للمسلمين.
ويستفاد من الحديث: اطمئنان الصحابة رضي الله عنهم على إقامة الحدود وانشراح صدورهم لها، فهذا الرجل الذي قطعت يده ثم حسمت إذا تأملت القصة وجدت أنه طيب النفس منشرح لم يتضجر ولم يظهر السخط مما وقع، وذلك لأن قطعه كان بأمر الله ورسوله: