الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الْفَصْلُ الثَّانِي:
1359 -
[6] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ فَلَقِيتُ كَعْبَ الأَحْبَارِ فَجَلَسْتُ مَعَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ أَنْ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّهٍ إِلَّا وَهِي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. . . . .
ــ
عنه: وقد صح عن سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها أنها كانت تسلط خادمها يراقب آخر ساعة من اليوم فتذكر اللَّه وتدعوه، واللَّه أعلم، هذا وقيل: هذه الساعة كانت في زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثم رفعت، نقله ابن عبد البر عن قوم وزيّفه، والصحيح أنها باقية، ثم جملة الأقوال المذكورة ذكرها الشيخ في (فتح الباري)(1) ونسب كل قول إلى قائله وذكر مخارجها ودلائلها، ثم وفق بين الأقوال كلها وأرجحها إلى القولين المذكورين، ونقلت أكثرها في شرح (سفر السعادة)(2) فليطلب ثمة (3)، واللَّه أعلم.
الفصل الثاني
1359 -
[6](أبو هريرة) قوله: (كعب الأحبار) جمع حبر بفتح الحاء المهملة وكسرها بمعنى العالم وغلب في علماء اليهود.
وقوله: (إلا وهي مصيخة) بضم الميم وكسر الصاد وسكون الياء من أصاخ له استمعه، أي: مصيخة منتظرة قيام الساعة، وروي مسيخة بالسين، وأصاخ وأساخ بمعنى
(1) انظر: "فتح الباري"(2/ 421 - 422).
(2)
"شرح سفر السعادة"(ص: 173).
(3)
وذكر في "البذل"(5/ 636) في ساعة الإجابة اثنين وأربعين قولًا، فارجع إليه.
مِنْ حِينِ تُصْبحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَل اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعطَاهُ إِيَّاهُ، قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ، فَقُلْتُ: بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبٍ الأَحْبَارِ وَمَا حَدَّثْتُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبَ كَعْبٌ، فَقُلْتُ لَهُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ. . . . .
ــ
واحد، وأصاخ أكثر استعمالًا، وكأنه هو الأصل، قلبت صاده سينًا، والعرب يفعل ذلك إذا كان في الكلمة خاء أو طاء أو عين أو قاف كالصماخ والصراط والصُّداع والبصاق.
وقوله: (من حين) مبني على الفتح، ويجوز بالجر إعرابًا لكن الرواية بالفتح.
وقوله: (شفقًا من الساعة) أي: خوفًا من قيام القيامة؛ لأنه يقوم يوم الجمعة بين الصبح وطلوع الشمس، فكأن اللَّه تعالى ألهم الدواب بقدرته قيامها فيه في ذلك الوقت وعظم هولها حتى صار ذلك كامنًا عندها، يترقبه كل جمعة في ذلك الوقت، أو أن اللَّه تعالى يحدث يوم الجمعة في الأرض من عظائم الأمور وجلائلها ما تكاد الأرض يمتدّ بها، فيبقى كل دابة ذاهلة دهشة كأنها مسيخة للرعب الذي يدخلها، والحالة التي يشاهدها، كذا قال التُّورِبِشْتِي (1). وأما الجن والإنس فإنهم جعلوا غافلين عن ذلك؛ لأنهم لو كوشفوا به زالت قاعدة التكليف والابتلاء.
وقوله: (ذلك في كل سنة يوم) أي: يوم من أيام الجمعة، والمراد باليوم إما مطلق
(1)"كتاب الميسر"(1/ 333).
فَقَالَ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: صَدَقَ كَعْبٌ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَقُلتُ: أَخْبرنِي بهَا وَلا تَضِنَّ عَليَّ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: وَكيْفَ تَكُونُ آخِرَ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهَا"؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ"؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقلت: بلَى، قَالَ: فَهُوَ ذَلِكَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَحْمَدُ إِلَى قَوْلِهِ: صَدَقَ كَعْبٌ. [ط: 241، د: 1046، ت: 491، ن: 143، حم: 2/ 486].
1360 -
[7] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِي يَوْم الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: 489].
ــ
الوقت إن كان ذلك إشارة إلى الساعة بتأويل الزمان أو الوقت، أو المراد يوم فيه تلك الساعة إن كان إشارة إلى اليوم الذي فيه الساعة كما قال الطيبي (1).
وقوله: (قد علمت أية ساعة هي)(أية) بالرفع، و (هي) خبره، وألغى (علمت) بالاستفهام كما في قوله تعالى:{لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ} .
وقوله: (ولا تضن) بالفتح والكسر، أي: لا تبخل.
1360 -
[7](أنس) قوله: (الساعة التي ترجى) أي: ترجى إجابة الدعوة فيها.
(1)"شرح الطيبي"(3/ 204).
1361 -
[8] وَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَليَّ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ . . . . .
ــ
1361 -
[8](أوس بن أوس) قوله: (وفيه النفخة وفيه الصعقة) المراد النفخة الثانية المشار إليها بقوله: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} ، وأراد بالصعقة النفخة الأولى المذكورة في قوله تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الزمر: 68]، وقد وقع {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} ، وهي مقدمة لنفخ الصعق، أو يقال: بثلاث نفخات، لكن المشهور النفختان.
وقوله: (وقد أرمت) الاختلاف في تصحيح هذا اللفظ كثير، والصواب (أَرَمْتَ) على وزن (ضَرَبْتَ)، أصله أرمَمْتَ فحذفت إحدى الميمين، وحذف إحدى حرفي المضاعف كثير، كما أحَسْتَ في أحْسَسْتَ وظَلْتُ أفعل كذا في ظَللْتُ، وهذا قول الخطابي، وهو المذكور في (القاموس)(1)، وقد روي (أرمَمْتَ) بإظهار الحرفين على ما قال الطيبي (2)، وقيل: إنما هو (أرَمت) بفتح الراء والميم المشددة وإسكان التاء، أي: أرمَّت العظامُ، من رمّ الميت وأرمّ: إذا بَلِيَ، وقيل:(رممت) بمعنى صرت رميمًا، وقيل:(أرمت) بضم الهمزة وكسر الراء من قولهم: أرمه بفتح الراء بمعنى أكله، ويقال: أَرَمَتِ الإبل تَأْرِم: إذا تناولت العلفَ وقلعته من الأرض، وقيل:(أرمت) بتشديد تاء بإدغام إحدى الميمين في التاء، وقد يروى (أرمّت) بتشديد الميم والتاء. قال الحربي
(1)"القاموس المحيط"(ص: 1028).
(2)
"شرح الطيبي"(3/ 205).
قَالَ: يَقُولُونَ: بَلِيتَ، قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعْوَاتِ الْكَبِيرِ". [د: 1047، ن: 1374، جه: 1085، دي: 1/ 369، الدعوات الكبير: 525].
1362 -
[9] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْهُ،
ــ
كذا رووه، ولا أعرف وجهه، قاله في (مجمع البحار)(1).
وقوله: (قال) أي: قال الراوي: (يقولون) أي: يعنون، أي: الصحابة، من قولهم: أَرِمْتَ: بليت بفتح الباء وكسر اللام، وهذا الكلام من الراوي أدرجه لبيان معنى (أرمت)، وقد يجعل ضمير (قال) لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم و (يقولون) مقوله، أي: يزعمون أني بليت، قاله استبعادًا لقولهم، ولا يناسبه زيادة (قال) قبل قوله:(إن اللَّه) إلا أن يكون تأكيدًا.
وقوله: (إن اللَّه حرم على الأرض أجساد الأنبياء) كناية عن حياتهم كما يأتي من حديث أبي الدرداء في (الفصل الثالث)، والمذهب أن الأنبياء أحياء حياة حقيقية دنياوية، وقد حققنا هذه المسألة في (تاريخ المدينة).
1362 -
[9](أبو هريرة) قوله: (اليوم الموعود يوم القيامة) لأن اللَّه تعالى وعد الناس بإتيانه، أو لأنه وعد المؤمنين بعد إتيانه بنعيم الجنة، (واليوم المشهود يوم عرفة) لأن المؤمنين يشهدون ويحضرون فيه من الآفاق، وكذا تشهده الملائكة، (والشاهد يوم الجمعة)، وكأنه إنما سمى يوم عرفة مشهودًا ويوم الجمعة شاهدًا؛ لأن الخلائق يذهبون إلى عرفة ويشهدون فيها، فكان مشهودًا، وفي يوم الجمعة هم على مكانهم، فكان اليوم
(1)"مجمع البحار"(1/ 68).
فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَسْتَعِيذُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا أَعَاذَهُ مِنْهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، وَهُوَ يُضَعَّفُ. [حم: 2/ 298 - 299، ت: 3339].
ــ
جاءهم وحضر، فكان شاهدًا، ثم إن المفسرين قد فسروا الشاهد بالخلق يشهدون يوم القيامة، والمشهود بما يشاهد فيه من العجائب، أو المراد بالشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وبالمشهود أمته خصوصًا أو عمومًا، أو الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم، أو الخالق والخلق، أو العكس؛ لأن الخالق يطلع على أحوال المخلوقات، والمخلوقات شاهدة على وجوده وصفاته، أو الملك الحافظ والمكلف، أو يوم عرفة والحجيج، أو يوم الجمعة وأهله، أو كل يوم وأهله، كذا في (تفسير البيضاوي)(1)، والظاهر أن هذه تأويلات من محتملات اللفظ يمكن حمله عليها، والتفسير هو الذي أسند إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (إلا من حديث موسى بن عبيدة) بضم العين الربذي، (وهو ضعيف) لا يكتب حديثه، وقال النسائي وغيره: ضعيف، قال ابن سعد: ثقة وليس بحجة، قال عباس عن زيد بن الحباب: يفوح ريح المسك والعنبر من قبره، وليس بالربذة حينئذ مسك ولا عنبر، كذا نقل عن (الميزان) (2). وقال في (الكاشف) (3): موسى بن عبيدة ضعفوه، أخرج حديثه الترمذي وابن ماجه، توفي سنة اثنتين وخمسين ومئة، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال يحيى: لا يحتج به، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، فهو مختلف فيه.
(1)"تفسير البيضاوي"(2/ 584).
(2)
"ميزان الاعتدال"(4/ 213).
(3)
"الكاشف"(2/ 306).