المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الفصل الأول: - لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح - جـ ٣

[عبد الحق الدهلوي]

فهرس الكتاب

- ‌13 - باب الركوع

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌14 - باب السجود وفضله

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌15 - باب التشهد

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌16 - باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌17 - باب الدعاء في التشهد

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌18 - باب الذكر بعد الصلاة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌19 - باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌20 - باب السهو

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌21 - باب سجود القرآن

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌22 - باب أوقات النهي

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌23 - باب الجماعة وفضلها

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌24 - باب تسوية الصف

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌25 - باب الموقف

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌26 - باب الإمامة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌27 - باب ما على الإمام

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌28 - باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌29 - باب من صلى صلاة مرتين

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌30 - باب السنن وفضائلها

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌31 - باب صلاة الليل

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌32 - باب ما يقول إذا قام من الليل

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌33 - باب التحريض على قيام الليل

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌34 - باب القصد في العمل

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌35 - باب الوتر

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌36 - باب القنوت

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌37 - باب قيام شهر رمضان

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌38 - باب صلاة الضحى

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌39 - باب التطوع

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌40 - [باب] صلاة التسبيح

- ‌41 - باب صلاة السفر

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌42 - باب الجمعة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌43 - باب وجوبها

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌44 - باب التَّنظيف والتَّبكير

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌45 - باب الخطبة والصلاة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌46 - باب صلاة الخوف

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌47 - باب صلاة العيدين

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌48 - باب في الأضحية

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌49 - باب في العتيرة

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌50 - باب صلاة الخوف

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌51 - باب في سجود الشكر

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌52 - باب الاستسقاء

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

- ‌53 - باب في الرياح

- ‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّانِي:

- ‌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ:

الفصل: ‌ الفصل الأول:

*‌

‌ الْفَصْلُ الأَوَّلُ:

1426 -

[1] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى،

ــ

{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]، وأما الزكاة فلما لم يكن لأدائها وقت معين ولم يتفق فيها اجتماع لم يقع بشكر تمامها عيد مناسب، كذا قالوا، وقال بعضهم: سمي العيد عيدًا تفاؤلًا، يعني يرزق البقاء ويعود في العام القابل، كما سميت القافلة قافلة في ابتداء خروجها تفاؤلًا بقفولها، أي: رجوعها سالمة.

وفي بعض شروح "الهداية": سمي عيدًا لأن اللَّه تعالى وعد المؤمنين فيه بفضله ورحمته يفرحون بذلك، ويرد على هذا الوجه أن اشتقاق العيد من الوعد بعيد، لأنه أجوف، والوعد مثال، إلا أن يجعل من قبيل الجبذ والجذب.

وصلاة العيدين فرض على مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله كالجمعة، وفي رواية: واجب، وقال: تسميته بالسنة من جهة ثبوته بالسنة دون الكتاب، وعند صاحبيه سنة، وعند الشافعية نفل، وجعلوه أفضل النوافل، وفي قول: سنة مؤكدة، وقال مالك رحمه الله: سنة واجبة، ولعل الوجوب ههنا بمعنى التأكيد، ويحتمل أن يكون المراد ما ذكر في مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وعند أحمد رحمه الله فرض عين كما عند أبي حنيفة، والصحيح عنده أنها فرض كفاية كصلاة الجنازة والجهاد، وفي رواية عن أبي حنيفة أيضًا كذلك.

الفصل الأول

1426 -

[1](أبو سعيد الخدري) قوله: (إلى المصلى)(1) وهو موضع معروف

(1) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ إِلَى الْجَبَّانَةِ، وَيَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِالضُّعَفَاءِ فِي الْمِصْرِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَائِزَةٌ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي غَيْرِ =

ص: 541

فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ،

ــ

بالمدينة خارجها، ولم يكن فيه منبر في زمنه صلى الله عليه وسلم، وسيجيء ذكر بنائه في آخر الباب، وقد قيل في الفرق: إن المصلى يكون بمكان فيه فضاء، فيتمكن من رؤيته كل من حضر بخلاف المسجد فإنه يكون في مكان محصور، فقد لا يراه بعضهم، فلهذا لم يوضع المنبر للعيد ووضع للجمعة.

وقوله: (فأول شيء يبدأ به الصلاة) يعني كان لا يقدم الخطبة على الصلاة، وسيجيء الكلام فيه، والظاهر المتبادر بحسب المعنى أن يكون (أول) مبتدأ و (الصلاة) خبره، وقيل بالعكس لكون الصلاة أعرف.

وقوله: (فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم) الظاهر أنها معان متكررة متقاربة ذكرت تأكيدًا وتقريرًا. وقال الطيبي (1): فيعظهم، أي: ينذرهم ويخوفهم، ويوصيهم في حق الغير لينصحوا لهم، ويأمرهم بالحلال والحرام.

وقوله: (وإن كان يريد أن يقطع بعثًا) أي: جيشًا بسكون العين ويحرك، فالبعث الجيش الذي يبعث إلى العدو، و (قطعه) توزيعه على القبائل وقسمته، وإنما استعمل فيه القطع لأن الآمر يقطع القول به فيقول: يخرج من بني فلان كذا، ومن بني فلان كذا، كذا قال التُّورِبِشْتِي (2)، والظاهر أن استعمال القطع بمعنى الإفراد، وإفراد جماعة من

= مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَمَّا هُمَا فَهِيَ فِيهِمَا أَفْضَلُ مُطْلَقًا تَبَعًا لِلسَّلَفِ وَالخَلَفِ، وَلشَرَقِهِمَا مَعَ اتِّسَاعِهِمَا. "مرقاة المفاتيح"(3/ 1060).

(1)

"شرح الطيبي"(3/ 236).

(2)

"كتاب الميسر"(1/ 344).

ص: 542

أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 956، م: 889].

1427 -

[2] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 887].

1428 -

[3] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ. . . . .

ــ

بين القوم وإرسالها على العدو.

وقوله: (أو يأمر بشيء) أي: بشيء معين مخصوص بين الأوامر العامة، أو المراد أمر الجيش المبعوث بأوامر تليق بهم، وهذه كلها داخلة في الخطبة؛ لأن الخطبة إنما هي لتعليم الأوامر والأحكام، فلا يتجه ما ذكر الطيبي أن فيه دليلًا على أن الكلام في الخطبة غير حرام على الإمام.

وقوله: (ثم ينصرف) أي: من المصلى إلى البيت.

1427 -

[2](جابر بن سمرة) قوله: (غير مرة ولا مرتين) أي: كثيرًا، فهو حال عن المفعول أو عن الفاعل.

وقوله: (بغير أذان ولا إقامة) يعني لم يكن في صلاة العيدين أذان ولا إقامة، وزاد في رواية: ولا الصلاة جامعة (1)، قال الترمذي (2): والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنه لا يؤذن لصلاة العيدين ولا لشيء من النوافل.

1428، 1429 - [3، 4](ابن عمر، وابن عباس) قوله: (وأبو بكر وعمر) خصهما بالذكر لتأكيد السنة بقوله صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما)، مع

(1) قال القاري (3/ 1061): بَلْ يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، لِيَخْرُجَ النَّاسُ عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ، وَهَذَا النِّدَاءُ مُسْتَحَبٌّ.

(2)

"سنن الترمذي"(532).

ص: 543

قَبْلَ الْخُطْبَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 963، م: 888].

1429 -

[4] وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْعِيدَ؟ قَالَ: نَعَمْ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ يَدْفَعْنَ إِلَى بِلَالٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 5249، م: 885].

ــ

أنه كان بمحضر الصحابة فانعقد الإجماع، قالوا: وقد غيره عثمان رضي الله عنه وخطب قبل الصلاة حين كثر الناس ليدركوا الصلاة، وسيجيء تمام الأحكام فيه.

وقوله: (وسئل ابن عباس) لا يظهر وجه ذكر حديث ابن عباس بهذا الطريق المذكور في (المصابيح) دون الطريقة المعتادة للمؤلف مصدّرًا بـ (عن).

وقوله: (ولم يذكر) أي: ابن عباس رضي الله عنهما أذانًا ولا إقامة.

وقوله: (يهوين) بضم الياء وقد يفتح من الإهواء، والهوي: السقوط والامتداد والارتفاع، في (القاموس) (1): أهوت يدي لها: امتدت وارتفعت، وقال في (النهاية) (2): أهوى بيده إليه، أي: مدها نحوه وأمالها إليه، ويقال: أهوى بيده إلى الشيء ليأخذه.

وقوله: (إلى آذانهن وحلوقهن) أي: حليهن من القرط والقلادة.

وقوله: (ثم ارتفع) أحب: ذهب وأسرع، من ارتفع البعير في سيره، أي: أسرع وبالغ، وارتفع القوم، أي: صعدوا في البلاد.

(1)"القاموس المحيط"(ص: 1235).

(2)

"النهاية"(5/ 285).

ص: 544

1430 -

[5] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 964، م: 884].

ــ

1430 -

[5](ابن عباس) قوله: (لم يصل قبلهما ولا بعدهما) فيه دليل على أنه لا صلاة قبل صلاة العيد ولا بعدها، قال الترمذي (1): وفي الباب عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عمرو وأبي سعيد، وحديث ابن عباس حسن صحيح، والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وقد رأى طائفة من أهل العلم الصلاة بعد صلاة العيدين وقبلها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، والقول الأول أصح، انتهى.

وفي شرح (كتاب الخرقي)(2) في مذهب أحمد: استخلف علي رضي الله عنه أبا مسعود على الناس فخرج يوم عيد، فقال: يا أيها الناس! إنه ليس من السنة أن يصلى قبل الإمام، رواه النسائي، وعن ابن سيرين: أن ابن مسعود وحذيفة قاما أو قام أحدهما فنهيا أو نهى الناس أن يصلوا يوم العيد قبل خروج الإمام، رواه سعيد، وقال الزهري: لم أسمع أحدًا من علمائنا يذكر -أي: أحدًا من سلف هذه الأمة- كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها، رواه الأثرم. وروي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى المنزل صلى ركعتين، رواه ابن ماجه وأحمد (3).

وفي (الهداية)(4): ولا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل مع حرصه على الصلاة، ثم قيل: الكراهة في المصلى خاصة، وقيل: فيه وفي غيره عامة، لأنه عليه السلام لم يفعله، انتهى.

(1)"سنن الترمذي"(537).

(2)

"شرح الزركشي على مختصر الخرقي"(1/ 372).

(3)

"سنن ابن ماجه"(1293)، و"مسند أحمد"(3/ 28).

(4)

"الهداية"(1/ 85).

ص: 545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وفي بعض شروح "الهداية": إن صلى الإشراق والضحى قبل الخروج إلى الجبانة لا يكره، وهذا النفي بإطلاقه يتناول الإمام والقوم جميعا، وقال الشافعي رحمه الله: يكره للإمام دون القوم، وقالوا: المراد بهذا النفي أنه ليس لصلاة العيد صلاة مسنونة، لا أنها تكره في حد ذاتها.

وفي (فتح الباري)(1): قال الكوفيون: يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها، وبالأول قال الأوزاعي والثوري والحنفية، وبالثاني قال الحسن البصري وجماعة، وبالثالث قال الزهري وابن جريح وأحمد، وقال الشافعي وجماعة من السلف: لا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها.

ثم اعلم أنهم اختلفوا في أنه إذا فاتت صلاة العيد هل تقضى؟ فظاهر مذهب الحنفية أنه إن فاتته مع الإمام لم يقضها؛ لأن الصلاة بهذه الصفة لم تعرف قربة إلا بشرائط لا تتم بالمنفرد، كذا في (الهداية)(2)، وذكر في بعض شروحها أنه إن شاء صلى ركعتين أو أربع ركعات مثل صلاة الضحى التي يصلي في سائر الأيام، ونقل عن (المحيط) و (فتاوى قاضيخان) أن من جاء المصلى ولم يدرك الصلاة مع الإمام فهو مخير إن شاء رجع إلى بيته من غير أن يصلي، وإن شاء صلى ثم رجع، والأفضل أن يصلي أربع ركعات حتى تكون له صلاة الضحى، وكذلك في مذهب أحمد، والدليل على ذلك حديث روي عن ابن مسعود بسند صحيح، وقال أحمد: ويقويه حديث علي رضي الله عنه أنه أمر رجلًا أن يصلي بضعفة الناس أربعًا ولا يخطب، كذا في شرح (كتاب الخرقي)(3)،

(1)"فتح الباري"(2/ 476).

(2)

"الهداية"(1/ 85).

(3)

"شرح الزركشي على مختصر الخرقي"(1/ 374).

ص: 546

1431 -

[6] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتَ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَتَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 351، م: 895].

ــ

وقال: وبلا تكبير كصلاة التطوع، وذكر البخاري في ترجمة باب أن أنسا رضي الله عنه جمع أهله وولده في الزاوية -اسم موضع على فرسخين من بصرة- وصلى صلاة العيد، وقال الكرماني (1): إذا فاتت صلاة العيد مع الإمام صلى، قال مالك والشافعي رحمهما اللَّه: صلى ركعتين، وقال أحمد: أربع ركعات، وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن شاء صلى وإن شاء لم يصل، وعلى تقدير الصلاة هو مخير بين أربع واثنتين، واللَّه أعلم.

1431 -

[6](أم عطية رضي الله عنها) قوله: (أن نخرج الحيض) بفتح الياء المشددة جمع حائض، (وذوات الخدور) بضم الخاء جمع خدر بكسرها: ستر يمد للجارية في ناحية البيوت تقعد البكر وراءه، وكل ما واراك من بيت ونحوه، والمراد ههنا النساء المستورات.

وقوله: (وتعتزل) بالرفع خبر في معنى الأمر، والجلباب بكسر الجيم: الملحفة، ومعنى (لتلبسها) أن تعير القادرة العاجزة جلبابًا، ولا كراهة في استعارتها منها، أو تشركها جلبابها في اللبس، وما جاء في رواية أخرى:(تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها) يؤيد المعنى الثاني (2).

(1)"شرح الكرماني"(6/ 87).

(2)

فَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَمَرَ جَمِيعَ النِّسَاءِ بِحُضُورِ الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ لِتُصَلِّيَ مَنْ لَيْسَ لَهَا عُذْرٌ، وَتَصِلَ بَرَكَةُ الدُّعَاءِ إِلَى مَنْ لَهَا عُذْرٌ، وَفِيهِ تَرْغِيبٌ لِلنَّاسِ فِي حُضُورِ الصَّلَوَاتِ، وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ، وَمُقَارَبَةِ الصُّلَحَاءِ لِيَنَالَهُمْ بَرَكتهُمْ، وَهَذَا -أَيْ: حُضُورُهُنَّ- غَيْرُ مُسْتَحَبٌ فِي زَمَانِنَا لِظُهُورِ الْفَسَادِ. وَفِي =

ص: 547

1432 -

[7] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ: تُغَنِّيَانِ. . . . .

ــ

1432 -

[7](عائشة) قوله: (وعندها جاريتان) زاد في رواية: من جوار الأنصار، وللطبراني من حديث أم سلمة: أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت، والجارية من النساء من لم تبلغ الحلم.

وقوله: (في أيام منى) أي: أيام التشريق، (تدففان وتضربان) أي: تغنيان وتضربان بالدف، فهو تأكيد لما قبله، وقيل: معناه ترقصان من ضرب الأرض إذا وطئها، والدف بالضم على الأشهر وقد يفتح، وأصله الجنب، ومنه دفتا المصحف لتشبيههما بالجنبين، سمي بذلك لاتخاذه من جلد الجنب، كذا في شرح الشيخ.

وقوله: (تغنيان) وزاد في رواية للبخاري: وليستا بمغنيتين، أي: لا تحسنان

= "شَرْحِ السُّنَّةِ": اخْتُلِفَ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ لِيَوْمِ الْعِيدَيْنِ، فَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِخَبَرِ عَائِشَةَ: لَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَحْدَثَثِ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ، اهـ.

وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَتَخْرُجُ الْعَجَائِزُ لِلْعِيدِ لَا الشَّوَابُّ، اهـ. وَهُوَ قَوْلٌ عَدْلٌ، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ، بِإِذْنِ حَلِيلِهَا مَعَ الأَمْنِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ بِأَنْ لَا يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ، وَيَكُنَّ خَالِيَاتٍ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ، وَالْبَخُورِ وَالشُّمُومِ، وَالتَّبَخْتُرِ وَالتَّكَشُّفِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا أَحْدَثْنَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مُلَازِمَاتٌ الْبُيُوتَ لَا يَخْرُجْنَ، وَوَجَّهَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَأُرِيدَ التَّكْثِيرُ بِهِنَّ تَرْهِيبًا لِلْعَدُوِّ. اهـ.

وَمُرَادُهُ أَنَّ الْمُسَبَّبَ يَزُولُ بِزَوَالِ السَّبَبِ، وَلذَا أُخْرِجَتِ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مِنْ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ هَذَا صَارَ مَنْسُوخًا فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ حَجَر. وَهُوَ تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ؛ لأَنَّ مُجَرَّدَ احْتِمَالِ ذَلِكَ لَا يُجْدِي، إِذْ لَا بُدَّ فِي النَّسْخِ الَّذِي زَعَمَهُ مِنْ تَحَقُّقِ مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ، وَمَعْرِفَةِ تَأَخُّرِهِ عَنِ الْمَنْسُوخِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَهْجُرُ ذِكْرَ اللَّهِ وَمَوَاطِنَ الْخَيْرِ، وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الصِّبْيَانِ. كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُخْرِجُ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي الْعِيدِ. "مرقاة المفاتيح"(3/ 1064).

ص: 548

بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ،

ــ

الغناء ولا اتخذتاه صنعة وكسبًا، ولا تعرفان به، أو ليستا كالمغنيات في التشويق إلى الهوى والتعريض بالفاحشة، والتشبيب الداعي إلى الفتنة كما يشعر به قوله: تغنيان.

وقوله: (بما تقاولت الأنصار يوم بعاث) تقاولت، أي: قال بعضهم لبعض، وتفاخر من أشعار الحرب والشجاعة، وفي رواية: تقاذفت بقاف وذال معجمة من القذف، وهو هجاء بعضهم لبعض، وفي بعضها: تعازفت بعين مهملة وزاي من العزف وهو الصوت الذي له دوي، ومنه المعازف، وبعاث بموحدة مضمومة فمهملة مخففة، وقيل: بمعجمة، وقيل: إنه تصحيف، وتعقب بأن القائل بذلك أبو عبيدة وهو من أئمة اللغة، وبالجملة فيه اختلاف، والأشهر فيه منع الصرف، قيل: اسم موضع بالمدينة على ليلتين، وقيل: اسم حصن للأوس، وقيل: موضع بديار بني قريظة فيه أموالهم، وقع فيه حرب بين الأوس والخزرج قبيلتي الأنصار، وكان فيه مقتلة عظيمة، واستمرت الحرب والعداوة فيهم إلى مئة وعشرين سنة فارتفعت بالإسلام، وذلك قوله تعالى:{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]، فالشعر الذي كانتا تغنيان كان في وصف الحرب والشجاعة، وفي ذكره معونة في أمر الدين، وأما الغناء بذكر الفواحش والمنكر من القول فمحظور، وحاشاه أن يجري شيء من ذلك بحضرة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

وقوله: وهو (متغش بثوبه) أي: متغط به ومتلبس، وفي رواية للبخاري: فاضطجع -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم على الفراش وحوّل وجهه، وفي رواية: تغشّى بثوبه، وفي رواية لمسلم: تسجّى، أي: التف بثوبه.

وقوله: (فانتهرهما) أي: زجرهما عن التدفيف والغناء بحضرته، وفي رواية

ص: 549

فَكَشَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ: "دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ! فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ". وَفِي رِوَايَةٍ: "يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 952، 987، م: 892].

ــ

للبخاري: فانتهرني، ولا منافاة، وزجرهما لفعلهما وزجر عائشة لتقريرها، وفي (صحيح البخاري) وقال -أي: أبو بكر-: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد بالمزمارة الغناء والدف؛ لأن المزمار مشتق من الزمير وهو الصوت الذي له الصفير، سميت به الآلة المعروفة التي بها يزمرون، كذا في (فتح الباري)(1)، وفي (القاموس) (2): زمر يَزْمُرُ زميرًا وزمّر تزميرًا: غنّى في القصب، والزمارة ما يزمر به كالمزمار، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهي وتشغل القلب عن الذكر.

وقوله: (فكشف النبي صلى الله عليه وسلم) وفي رواية مسلم: فأقبل عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، (فقال: دعهما) فلما غفل غمزتهما فخرجتا.

وقوله: (فإنها) أي: الأيام التي نحن فيها (أيام عيد) أي: فرح وسرور شرعي، وهذا من جملته، قال الشيخ ابن حجر في شرح (صحيح البخاري) (3): استدل جماعة من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بآلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة رضي الله عنها بقولها: وليستا بمغنيتين، فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم الذي يسميه العرب النصب بفتح النون وسكون المهملة، وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنيًّا، وإنما يسمى بذلك من ينشط بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه التعريض بالفواحش أو تصريح بها،

(1)"فتح الباري"(2/ 442).

(2)

"القاموس المحيط"(ص: 374).

(3)

"فتح الباري"(2/ 442).

ص: 550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قال القرطبي: قولها: ليستا بمغنيتين، أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وأن ذلك يثمر سني الأحوال، وهذا -على التحقيق- من آيات الزندقة، وقول أهل المخرفة (1)، واللَّه المستعان، انتهى كلام القرطبي.

وقال أيضًا في (الفتح)(2): ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه كما سنذكر ذلك في وليمة العرس، وأما التفافه صلى الله عليه وسلم بثوبه فيه إعراض عن ذلك لكون مقامه يقتضي أن يرفع الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره، والأصل التنزه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتًا وكيفيته تقليلًا لمخالفة الأصل، واللَّه أعلم، انتهى.

قال العبد الضعيف أصلح اللَّه حاله: إن الذي يتبادر من الحديث وفي العدول عنه تعسف أن أبا بكر رضي الله عنه أنكر التغني والتدفيف وزجر عنهما لما تقرر عنده وهو أعلم بالشريعة من حرمة ذلك أو كراهيته، وظن أنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم ذلك لمثل نوم أو غفلة فلم ينه عنه، أو كان يريد أن ينهى فلم يفرغ لذلك، ولم يعلم أبو بكر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قررهن

(1) في النسخ المخطوطة: أهل الجزية، وهو خطأ.

(2)

"فتح الباري"(2/ 443).

ص: 551

1433 -

[8] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلَهُنَّ وِتْرًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: 953].

ــ

على هذا القدر اليسير في يوم العيد، ولذلك قال: دعهما فإنها أيام عيد، فدل الحديث على إباحة مقدار يسير منه في يوم العيد وغيره من مواضع يباح فيه السرور، ويكون ذلك من شعائر الدين كالأعراس والولائم، ومثل ذلك لعب السودان بالدرق والحراب في يوم العيد، وقصد عمر رضي الله عنه أن يضربهم بالحصى، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: دعهم يا عمر.

وأما قول القرطبي: يظهر من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، فذلك عند فقدان الضبط والاختيار، والمرء في ذلك معذور مع توجه المؤاخذة في التسبيب، ومن فعل ذلك في غير هذه الحالة فهو كما قال، ولقد صدر سماع الغناء ممن انكسرت شهوته وعلا مقامه من اللهو واللعب لا سيما عن الزندقة والإلحاد، ولما ثبت أنه يحرك السواكن ويبعث الكوامن فمن كان ساكنه وكامنه ذكر الحق والشوق إلى الآخرة والانجذاب إلى جناب القرب كيف يذم ذلك؟ اللهم إلا إن ثبتت الحرمة القطعية، ولم تثبت، ولقد صرح بعض المتأخرين من المحدثين وإن كان قولًا متعقبًا بأنه لم يصح حديث في حرمة الغناء، وقال بعض العلماء: لم يوجد على حرمته ولا على إباحته دليل قاطع، فيترك على الأصل، والأصل في الأشياء الإباحة وبعد اللَّتَيَّا والتي لا شك أن ذلك خلاف طريقة الاتباع، واللَّه أعلم.

1433 -

[8](أنس) قوله: (لا يغدو يوم الفطر) أي: لا يروح إلى المصلى.

وقوله: (حتى يأكل تمرات) لعلها كانت حاضرة الوقت فيأكلها، وقالوا: الحكمة في استحباب أكل التمر حلاوتها وهي نافعة في تقوية البصر والصوم يضعفه، والحلاوة يوافق مزاج الإيمان، وقالوا: ومن رأى في المنام يأكل حلوًا فتعبيره أن يرزق حلاوة الإيمان ويرفق القلب، ولهذا كان الإفطار بشيء حلو أفضل كالعسل وغيره، وكان (وترًا)

ص: 552

1434 -

[9] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 986].

ــ

وفي رواية الحاكم عن عتبة بن حميد: يأكل ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أقل من ذلك أو أكثر منها وترًا، ورعاية الوتر محمودة في الأمور كلها، (إن اللَّه وتر ويحب الوتر).

1434 -

[9](جابر) قوله: (إذا كان يوم عيد خالف الطريق) أي: يخرج من طريق ويرجع من أخرى.

وقوله: (رواه البخاري) ورواه الترمذي عن أبي هريرة قال: وقد استحب بعض أهل العلم للإمام إذا خرج في طريق أن يرجع في غيره اتباعًا للحديث، وبه قال الشافعي، وقال في (الفتح) (1): والذي في (الأم) أنه يستحب للإمام والمأموم، وبه قال أكثر الشافعية، وقال الرافعي: لم يتعرض في (الوجيز) إلا للإمام، وبالتعميم قال أكثر أهل العلم، ومنهم من قال: إن علم المعنى وبقيت العلة بقي الحكم وإلا انتفى بانتفائها، وإن لم يعلم المعنى بقي الاقتداء، وقال الأكثر: يبقى الحكم ولو انتفت العلة كما في الرَّمَل وغيره، انتهى.

ولا يذهب عليك أن العلة الحكم فيما نحن فيه ليست منصوصة كما في الرَّمَل وهو إظهار الجلادة والشهامة للمشركين، وأما فيما نحن فيه فإنما يستنبطون المعاني بالظن والاحتمال، فلا ينظر ههنا إلى العلة، بل يجب الاقتداء والاتباع على احتمال وجود بعض المعاني التي استنبطوها في شأنه صلى الله عليه وسلم، فافهم.

ثم قد كثرت الأقوال في ذلك، فمنها أنه فعل ذلك ليشهد له بقاع ومواضع متكثرة مختلفة، ويشهد الطريقان وسكانهما من الجن والإنس، وقيل: ليسوّى بينهما في مزية الفضل بمروره صلى الله عليه وسلم، وقيل: لإظهار شعائر الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذكر اللَّه

(1)"فتح الباري"(2/ 472).

ص: 553

1435 -

[10] وَعَنِ الْبَرَاءَ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نبدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ نُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ شَاةُ لَحْمٍ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ،

ــ

وإشاعته، وقيل: لغيظ الكافرين وترهيبهم بإظهار شوكة الإسلام ورفعة إعلام الدين ولعزة أهله وكثرتهم، وقيل: حذرًا من كيد أعداء الدين، وفيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك لم يكرره؛ لأنهم يترصدونه في طريق الرجوع على تقدير العلم بطريق الخروج، فافهم.

وقيل: ليشمل مسلمي الطريقين ويعمهما بالبركة وبرؤيته، والانتفاع في قضاء حوائجهم في الاستفتاء والتعلم والاسترشاد والصدقة والسلام عليهم، وقيل: ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة والرضى والترقي بمقام القرب والوصول، يعني إذا تغير الطريق تغير الحال، ولا يخلو هذا الوجه عن خفاء، فافهم. وقيل: كان في ذهابه يتصدق، فإذا رجع لم يبق معه شيء، فيرجع في طريق أخرى؛ لئلا يرد من يسأله، وهذا الوجه لا يقتضي الاعتياد، بأنه يُدَّعى بأنه كان البتة يتصدق بجميع ما معه ولا يبق شيئًا، ولا يخفى بعده.

وقيل: فعل ذلك لتخفيف الزحام، وقيل: كان طريقه التي يتوجه منها أبعد من التي يرجع فيها، فأراد تكثير الأجر بتكثير الخطى في الذهاب، وتعقب بأن أجر الخطى يكتب في الرجوع أيضًا كما صرحوا في الحج، وثبت عند الترمذي وغيره من حديث أبي بن كعب إلا أن يخص ذلك بالحج، واللَّه أعلم. ولو عكس هذا الوجه لكان له وجه، ويكون سلوك الطريق القريبة للمبادرة إلى فعل الطاعة وإدراك فضيلة أول الوقت، ولا يخفى أن كل ما ذكر احتمالات يمكن وجودها جمعًا وفرادى، واللَّه أعلم بأسرار ومصالح أفاض على حبيبه صلى الله عليه وسلم، وتقصر عقول الخلق عن إدراكها، ففي كل فعل من حركة وسكون له صلى الله عليه وسلم من دقائق الحكم والأسرار ما لا يحيط به سواه، واللَّه أعلم.

1435 -

[10](البراء) قوله: (شاة لحم) الإضافة بيانية، أي: شاة هي مجرد

ص: 554

لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 968، م: 1961].

1436 -

[11] وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْم اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 5500، م: 1960].

1437 -

[12] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِيْنَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 5546، م: 1961].

1438 -

[13] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 982].

ــ

لحم يؤكل، ليس فيها معنى النسك والعبادة، والحديث يتضمن بيان وقت التضحية، وتفصيله في كتب الفقه، و (النسك) بضم النون وسكون السين: العبادة، والناسك: العابد، نَسَكَ ويَنْسُكُ: تعبد، والنسيكة الأضحية، والجمع نسك بضمتين والنسائك، والمنسك بكسر السين وفتحها: مكان التضحية، وضبط (النسك) في الحديث بوجهين.

1436 -

[11](جندب) قوله: (فليذبح مكانها أخرى) أي: ليذبح شاة غيرها.

وقوله: (فليذبح على اسم اللَّه) فهو مقبول صحيح وإلا فوجوب التسمية معلوم مقرر في الدين.

1437 -

[12](البراء) قوله: (فقد تم نسكه) أي: ثبت وصح.

1438 -

[13](ابن عمر) قوله: (ويذبح وينحر) الذبح للشاة والنحر للإبل، وقد يطلق الذبح على كليهما كما في الأحاديث.

ص: 555