الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ن: 1618، ت: 3416].
* * *
33 - باب التحريض على قيام الليل
*
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
1219 -
[1] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ،
ــ
33 -
باب التحريض على قيام الليل
التحريض: الحث، اعلم أن فضائل قيام الليل كثيرة، منها أن اللَّه ينزل رحمته على العباد، وَيقْرب منهم بالفضل والكرم، فيجيب دعاءهم ويعطي سؤلهم ويغفر ذنوبهم، وقد أمر اللَّه سبحانه نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم بالتهجد، ووعده بأن يبعثه مقامًا محمودًا، ولا بد يكون لمن يتبعه فيه نصيب من هذا المقام وقبس من تلك الأنوار، وكفى به فضلًا.
الفصل الأول
1219 -
[1](أبو هريرة) قوله: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم) القافية: القفا وهو وراء العنق، كذا في (القاموس)(1)، وقال القاضي عياض (2): على قافية
(1)"القاموس المحيط"(ص: 1217).
(2)
"مشارق الأنوار"(2/ 324).
يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ،
ــ
أحدكم، أي: قفاه، ومنه قافية الشعر لأنها آخر البيت وخلفه. وقال التُّورِبِشْتِي (1): القافية: القفا وهو مؤخر الرأس، وقفا كلَّ شيء وقافيته: آخره، ومنه قافية الشعر. هذا، وقال صاحب (النهاية) (2): القافية: القفا، وقيل: قافية الرأس مؤخَّره، وقيل: وسطه، أقوال. وعَقْدُ الشيطان قيل: هو على الحقيقة، وأنه كما يعقد الساحر من يسحره، أخذًا من قوله تعالى:{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} بأن يأخذن خيطًا فيعقدن عليه ويتكلمن عليه ما يسحر، وهل المعقود في شعر الرأس أو غيره وهو الأقرب، إذ ليس لكل أحد شعر في رأسه، كذا قيل، وقيل: على المجاز، وهو تصوير وتمثيل؛ لأن مِن شأن مَن يُؤْثِق أحدًا أن يضرب على وثاقه ثلاث عقد، وهو غاية الاستيثاق عادة، فيكون من الانحلال والانفلات على ثقة، والذي يُشد قافية رأسه بثلاث عقد لا يكاد يمضي بشأنه إلا بعد انحلالها، والمراد أن الشيطان يحبِّب إليه النوم، ويزين له الدعة والاستراحة، ويسوَّل له كلما انتبه أنه لم يستوف حظه من النوم، فيوثقه عن القيام إلى العبادة، ويبطيه بتلك التسويلات عن النهوض إليها.
وقوله: (يضرب) أي: يلقي الشيطان، من ضَرَبَ الشبكة على الطائر: ألقاها عليه (على كل عقدة) يعقدها، أي: يلقي في نفس النائم وشموله واقعًا ومستوليًا على كل عقد هذا القول: (عليك ليل طويل) مبتدأ وخبر، أي: باق عليك قطعة طويلة من الليل، كما يجيء في (باب الوتر) في الفصل الثالث:(فرأى أن عليه ليلًا).
(1)"كتاب الميسر"(1/ 312).
(2)
"النهاية"(4/ 94).
فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ،
ــ
وظاهر الحديث العموم، وقيل: يخصَّص من ذلك من صلى العشاء في جماعة، وكذا يخصَّص المحفوظون كالأنبياء وخُلّص عباده كقوله تعالى:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]، وقوله:{إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40]، وقاري آية الكرسي عند نومه، كذا في (مجمع البحار)(1).
ثم قيل في تخصيص القفا والرأس: لأنه إجابة إلى دعوته، ويجوز أن يقال: إن سبب النوم هو صعود الرطوبات من محل القوة الوهمية ومحل تصرفها، فهي أطوع للشيطان وأسرع الجوف إلى الدماغ، فتصرُّف الشيطان في استجلاب النوم وتثقيله إنما هو في الرأس وأجزائه.
وقوله: (فإن صلى انحلت عقدة) بلفظ الإفراد في نسخة (المشكاة) و (المصابيح)، قال القاضي عياض في (المشارق) (2): بلفظ الإفراد في جميعها، واختلف في الآخر منها، فوقع في (الموطأ) لابن وضاح:(عقده) على الجمع، وكذا ضبطناه في البخاري، وكلاهما صحيح، والجمع أوجَهُ لا سيما وقد جاء في رواية مسلم في الأول: عقدة، وفي الثاني: عقدتان، وفي الثالث: انحلت العقد، وفي (البخاري) في (كتاب بدء الخلق):(انحلت عقده كلها). ثم الظاهر أن المراد على رواية لفظ الجمع أنه يتم بالصلاة انحلال العقد، كما يصرح به رواية مسلم، وفي شرح الشيخ (3): ظاهره أن العقد تنحل كلها بالصلاة خاصة، قال: وهو كذلك في حق من لم يحتج إلى الطهارة كمن نام متمكنًا مثلًا، ثم انتبه فصلى من قبل أن يذكر أو يتطهر؛ لأن الصلاة تتضمن [الطهارة
(1) مجمع البحار" (4/ 312).
(2)
"مشارق الأنوار"(2/ 175).
(3)
انظر: "مرقاة المفاتيح"(3/ 295).
فَأَصْبَحَ نشَيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1142، م: 776].
1220 -
[2] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ:"أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 4836، م: 2819].
1221 -
[3] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ، فَقِيْلَ لَهُ: مَا زَالَ نائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ:"ذَلِكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ" أَو قَالَ: "فِي أُذُنَيْهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1144، م: 774].
ــ
و] الذكر، انتهى. ولا يخفى ما فيه، على أن الظاهر أن عقد الشيطان إنما هو لمن استغرق في النوم وانهمك في الغفلة، واللَّه أعلم.
وقوله: (فأصبح نشيطًا طيب النفس) لأنه يخلص من وثاق الشيطان كمن تخلص من أسر العدو الذي وثقه بالحبائل وعقد عليها.
1220 -
[2](المغيرة) قوله: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) تقديره: أأترك عبادة ربي لما غفر لي فلا أكون شاكرًا على نعمة المغفرة وغيرها مما لا يعد ولا يحصى من خير الدارين؟ والعبادة لا تنحصر في مغفرة الذنوب، بل إنما هي وجبت شكرًا لنعم المولى تعالى.
1221 -
[3](ابن مسعود) قوله: (ما قام إلى الصلاة) أي: صلاة التهجد.
وقوله: (بال الشيطان في أذنه) العلم بحقيقة المراد منه موكول إلى علم الشارع، ولا مانع من حمله على الحقيقة، فإنه قد نسب الأكل والشرب والقيء والضراط ونحوها إلى الشيطان فلم يمنع البول أيضًا، وقد يُؤول بتأويلات مناسبة؛ منها: مَثَلٌ ضربه
1222 -
[4] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً فَزِعًا يَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ" يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ "لِكَيْ يُصَلِّينَ؟ رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 7069].
ــ
-لغفلته عن الصلاة وعدم سماعه صوت المؤذن- بحالِ من وقع البول في أذنه فثقل سمعه، وفسد حسه، قاله الخطابي.
ومنها: أن المراد أن الشيطان ملأ سمعه من الكلام الباطل وبأحاديث اللغو، فأحدث ذلك في أذنه وقرًا عن استماعه دعوة الحق، قاله التَّورِبِشْتِي (1).
وقيل: ذلك كناية عن الاستخفاف والإهانة، فإن عادة من استخف بالشيء يبول عليه.
وقيل: بوله في أذنه كناية عن ضرب النوم، وخص الأذن لكونها حاسة الانتباه، واللَّه أعلم.
1222 -
[4](أم سلمة) قوله: (سبحان اللَّه) للتعجب من عظمة قدر الحق وكبريائه.
وقوله: (ماذا أنزل) استفهام بمعنى التعجب. و (الخزائن) كناية عن الرحمة لإضافتها إليها في مواضع من القرآن. و (الفتن) عن العذاب لكونها سببًا له.
وقوله: (رب) للتكثير. و (كاسية) بمعنى: صاحب كسوة، أي: امرأةٍ أو نفسٍ مكتسية بأنواع الحلي والحلل.
وقوله: (عارية) مجرور في أكثر الروايات على أنها صفة، وروي بالرفع، أي:
(1) انظر: "كتاب الميسر"(1/ 313).
1223 -
[5] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَنْزِلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. . . . .
ــ
هي عارية، والجملة صفة.
1223 -
[5](أبو هريرة) قوله: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا) وروي: يهبط من السماء العليا إلى السماء الدنيا، النزول والهبوط والصعود والحركات من صفات الأجسام، واللَّه تعالى متعال عنه، والمراد: نزول الرحمة وقربُه تعالى من العباد بإنزال الرحمة وإفاضة الأنوار وإجابة الدعوات وإعطاء المسائل ومغفرة الذنوب، وعند أهل التحقيق النزول صفة الرب تعالى وتقدس يتجلى بها في هذا الوقت يُؤْمَن بها ويُكَفُّ عن التكلم بكيفيتها كما هو حكم سائر الصفات المتشابهات مما ورد في الشرع كالسمع والبصر واليد والاستواء ونحوها، وهذا هو مذهب السلف، وهو أسلم، والتأويل طريقة المتأخرين، وهو أحكم (1).
(1) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَشِبْهِهِ مِنْ أَحَادِيثِ الصَّفَاتِ وَآيَاتِهَا مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ، فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلَّمِينَ الإِيمَانُ بِحَقِيقَتِهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى، وَأَنَّ ظَاهِرَهَا الْمُتَعَارَفَ فِي حَقَّنَا غَيْرُ مُرَادٍ، وَلَا نَتَكَلَّمُ فِي تَأْوِيلِهَا مَعَ اعْتِقَادِنَا تَنْزِيهَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ سَائِرِ سِمَاتِ الْحُدُوثِ. وَالثَّانِي: مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَالأَوْزَاعِيِّ: إِنَّمَا تُتَأَوَّلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا بِحَسَبِ بَوَاطِنِهَا، فَعَلَيْهِ: الْخَبَرُ مُؤوَّلٌ بِتَأْوِيلَيْنِ، أَي: الْمَذْكُورَيْنِ، وَبِكَلَامِهِ وَبِكَلَامِ الشَّيْخِ الرَّبَّانِيِّ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ، وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ يُعْلَمُ أَنَّ الْمَذْهَبَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى صَرْفِ تِلْكَ الظَّوَاهِرِ، كَالْمَجِيءِ، وَالصُّورةِ، وَالشَّخْصِ، وَالرِّجْلِ، وَالْقَدَمِ، وَالْيَدِ، وَالْوَجْهِ، وَالْغَضَبِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، وَالْكَوْنِ فِي السَّمَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمُّا يُفْهِمُهُ ظَاهِرُهَا؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ مَجَالَاتٍ قَطْعِيَّةِ الْبُطْلَانِ تَسْتَلْزِمُ أَشْيَاءَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهَا بِالإِجْمَاعِ، فَاضْطَرَّ ذَلِكَ جَمِيعَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ إِلَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ نَصْرِفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ مُعْتَقِدِينَ اتِّصَافَهُ سُبْحَانهُ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ نؤُوَّلَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ السَّلَفِ، =
حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: . . . . .
ــ
وقوله: (حين يبقى ثلث الليل الآخر) ووجه تخصيص الثلث الآخر من الليل: وجود خلوص النية من العباد في عبادة اللَّه والتعرض لنفحاته مع صفاء الباطن بانهضام الطعام وخلو المعدة، وبالجملة هو وقتُ جعله اللَّه تعالى محلَّ ظهور الأسرار وهبوط الأنوار كما يجده أهل الذوق والعرفان، قال بعض المشايخ: مما خلق اللَّه في الدنيا أنموذجًا من نعيم الجنة ولذاتها ما يجده أهل العبادة في هذا الوقت من الذوق والتملق ومناجاة الحق وذكره وحضور القلب والسكون والطمأنينة، رزقنا اللَّه.
وقوله: (فأستجيب له) بالنصب على لفظ المتكلم، وكذا (فأعطيه) و (فأغفر له) جوابًا للاستفهام.
= وَفِيهِ تَأْوِيلٌ إِجْمَالِيٌّ، أَوْ مَعَ تَأْوِيِلِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْخَلَفِ وَهُوَ تَأْوَيلٌ تَفْصِيِليٌّ، وَلَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ مُخَالَفَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ فِي أَزْمِنَتِهِمْ لِذَلِكَ؛ لِكَثْرَةِ الْمُجَسِّمَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ فِرَقِ الضَّلَالَةِ، وَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى عُقُولِ الْعَامَّةِ، فَقَصَدُوا بِذَلِكَ رَدْعَهُمْ وَبُطْلَانَ قَوْلِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ اعْتَذَرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقَالُوا: لَوْ كُنَّا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ صَفَاءِ الْعَقَائِدِ وَعَدَمِ الْمُبْطِلِينَ فِي زَمَنِهِمْ لَمْ نَخُضْ فِي تَأْوِيلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَالِكًا وَالأَوْزَاعِيَّ وَهُمَا مِنْ كِبَارِ السَّلَفِ أَوَّلَا الْحَدِيثَ تَأْوِيلًا تَفْصِيلِيًّا، وَكَذَلِكَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَوَّلَ الِاسْتِوَاءَ عَلَى الْعَرْشِ بِقَصْدِ أَمْرِهِ، وَنَظَيرُهُ {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29]، أَيْ: قَصَدَ إِلَيْهَا، وَمِنْهُمُ الإِمَامُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ، بَلْ قَالَ جَمْعٌ مِنْهُمْ وَمِنَ الْخَلَفِ: إِنَّ مُعْتَقِدَ الْجِهَةِ كَافِرٌ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعِرَاقِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَوْلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيَّ وَالأَشْعَرِيَّ وَالْبَاقِلَّانِيِّ. "مرقاة المفاتيح"(3/ 923).
ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ وَيَقُولُ: "مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ وَلَا ظَلُومٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ". [خ: 1154، م: 758].
1224 -
[6] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُل مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 757].
1225 -
[7] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 1131، م: 1159].
ــ
وقوله: (يبسط يديه) بسط اليدين إما كناية عن الإعطاء والإضافة كما أريد به هذا المعنى في مواضع أخر، أو عن طلب الطاعة والعبادة من العباد، كما يناسبه قوله:(يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم) وفيه حث وترغيب على العمل بالطاعة؛ فإن المانع من الإقراض منحصر في كون المستقرَض عدومًا للمال، أي: فقيرًا، وظالمًا بالامتناع عن الأداء وبالنقص فيه أو تأخيره عن وقته.
1224 -
[6](جابر) قوله: (إن في الليل لساعة) أي: مبهمة كساعة الجمعة وليلة القدر، وقد ورد في بعض الروايات أنها وسط الليل، واللَّه أعلم.
1225 -
[7](عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (أحب الصلاة إلى اللَّه تعالى صلاة داود) الحديث، يشكل أنه لم يكن عمل نبينا صلى الله عليه وسلم دائمًا على هذا الوجه، فالجواب: أن صيغة التفضيل إما بمعنى أصل الفعل أو الأَحَبيَّةُ إضافية محمولة على بعض الوجوه لكونه أقرب إلى الاعتدال وحفظ صحة المزاج، ولِمَا قيل في نوم السدس الأخير من دفع
1226 -
[8] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ -تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيُحْيِي آخِرَهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ يَنَامُ،
ــ
الكلفة والملال وإبقاء أثر العبادة من صفرة اللون وانكساره، هذا في الصلاة، والوجه في كون صوم داود أحب وأفضل مشهور، وهو ما يدل عليه حديث:(من صام الدهر فكأنه ما صام وما أفطر)، كما بيّن في موضعه، وفعل نبينا صلى الله عليه وسلم كان مختلفًا طورًا فطورًا يتضمن حكمًا ومصالح لا تعدُّ ولا تحصى، راجعة إلى نفسه الكريمة، وإلى أمته المرحومة أقويائهم وضعفائهم، فافهم، وباللَّه التوفيق.
1226 -
[8](عائشة) قوله: (تعني) بصيغة التأنيث والضمير فيه لعائشة رضي الله عنها، وهو قول الراوي، ولفظ عائشة رضي الله عنها إنما هو:(كان ينام)، قال الراوي وبيَّن أن ضمير كان راجع إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (ينام أول الليل) لم تفسر الأول كم كان، والظاهر من قولها:(ويُحْيي آخره) أنه كان نصفًا، ويحتمل الزيادة عليه أيضًا، ثم قوله:(آخره) إما مفعول به لـ (يحيى) أو ظرف له، أي: يحيى نفسه فيه، كما ذكروا الوجهين في لفظ إحياء الليل، فافهم.
و(ثم) في قوله: (ثم إن كانت له حاجة) للتراخي في الزمان أو الإخبار أو الرتبة اهتمامًا وتقديمًا منه صلى الله عليه وسلم لخالص حقه تعالى وطلب وجهه الكريم على ما فيه شوبُ حظّ النفس وأداء حقها وحق الأهل، وإن كان الكل من قبيل عبادة اللَّه وطاعته وكان له صلى الله عليه وسلم مشاهدة الحق تعالى في الكل حاصلًا، والتراخي في الرتبة في (ثم) كما يكون بطريق الترقي، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البلد: 17]، فلا يبعد أن يكون بطريق التنزل، بل هذا أقرب كما في حتى، فتدبر.