الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
939 -
[1] عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ يَقُولُ: لا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ،
ــ
الفصل الأول
939 -
[1](عائشة رضي الله عنها) قوله: (من فتنة المسيح الدجال) الفتنة: الامتحان والابتلاء، قد سبق تحقيق معناه في أوائل الكتاب، و (المسيح) بالحاء المهملة، أي: الممسوح إحدى عينيه، أو الماسح للأرض (1)، وهو يطلق على الدجال -عليه اللعنة- وعلى عيسى ابن مريم عليه السلام، ولكن إذا أريد به الدجال قُيّدَ به، ويجيء تحقيق اسمه ومعناه في موضعه من أحوال القيامة، والمراد بـ (فتنة المحيا) ما يوجب الزيغ والانحراف عن سبيل الهدى والرضا، وبـ (فتنة الممات) ما يشمل وسوسة الشيطان في حالة النزع، وما وقع من سؤال منكر ونكير في القبر، أو الأول داخل في فتنة المحيا، والثاني يختص بفتنة الممات، والمراد بـ (المأثم) إما الأمر الذي يأثم به الإنسان فهو موضعه
(1) قال القاري: أَوْ هُوَ مَمْسُوحٌ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، أَيْ: مُبْعَدٌ عَنْهُ، أَوْ لأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ، وَقِيلَ:(فَعِيلٌ) بِمَعْنَى (فَاعِل) مِنَ الْمَسَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الأَرْضَ، أَيْ: يَقْطَعُهَا بِتَرَدُّدِهِ فِيهَا فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَة إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَمَاهُمَا مِنْهُ بِفَضْلِهِ، أَوْ يُقَدِّرُهَا بِالذِّرَاعِ وَالشِّبْرِ، وَيَقْطَعُهَا بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَلَدٌ إِلَّا دَخَلَهُ غَيْرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَآخِرُ الأَمْرِ يَقْتُلُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي مُحَاصَرَةِ الْقُدْسِ، وَأَمَّا الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ لَقَبُ عِيسَى فَأَصْلُهُ الْمَسِيحَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَهُوَ الْمُبَارَكُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ الْمَسْحَ، يَمْسَحُ ذَا آفَةٍ فَيَبْرَأُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ سَيَّاحًا كَثِيرَ السَّيْرِ فِي الأَرْضِ، أَوْ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَقِيلَ: لأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ. "مرقاة المفاتيح"(2/ 751).
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَمِنَ الْمَغْرَمِ"، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيْذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، فَقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 832، م: 589].
940 -
[2] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ؛ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 588].
ــ
ومكانه، أو الإثم نفسه، مصدر ميمي وُضِعَ موضع الاسم، وكذلك (المغرم)، وغَرِمَ كسمع: استدان، والغريم: المديون، ويطلق على الدائن أيضًا، والغرامة ما يلزم أداؤه، وكذا الغرم بالضم والمغرم، والمراد الدين الذي استدين لمعصية أو لطاعة مع العجز عن أدائه، أما الدين الذي استدين في الطاعة مع القدرة على الوفاء؛ فلا بأس به، ولا يستعاذ منها، وفي شرح الشيخ: ولا مانع من الإطلاق؛ لأنه يمكن أن يموت ولا يوفى عنه.
وقوله: (إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف) قيل: إذا حدث عن ماضي الأحوال لتمهيد معذرته في التقصير كذب، وإذا وعد، أي: لما يستقبل أخلف، انتهى.
والظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التخصيص بل المراد الإطلاق، أي: يحدث عن حاله ومعاملته ويظهر فقره وفاقته؛ ليحمل الناس على إدانته ويخدعهم.
940 -
[2](أبو هريرة) قوله: (من شر المسيح الدجال) تخصيص بعد تعميم على عكس ما وقع في الحديث الأول.
941 -
[3] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ:"قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 590].
942 -
[4] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ:"قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِيْ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُوْرُ الرَّحِيمُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 834، م: 2075].
ــ
941 -
[3](ابن عباس رضي الله عنهما) قوله: (كما يعلمهم السورة من القرآن) تنبيهًا على غاية الاهتمام، وتوصية للمحافظة على ذلك، ولذلك كان يأمر به بقوله:(قولوا)، وذهب بعض السلف إلى وجوبه حتى أمر بإعادة الصلاة إذا تعمد في الترك (1).
942 -
[4](أبو بكر الصديق رضي الله عنه) قوله: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا) قال النووي في (الأذكار)(2): هكذا ضبطنا "ظلمًا كثيرًا" بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم:(كبيرًا) بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، وقال: ينبغي أن يجمع بينهما فيقول: (ظلمًا كثيرًا كبيرًا)(3).
(1) قَالَ النَّوَوِيُّ: ذَهَبَ طَاوُسٌ إِلَى وُجُوبِهِ، وَأَمَرَ ابْنَهُ لإِعَادَةِ الصَّلَاةِ حِينَ لَمْ يَدْعُ هَذَا الدُّعَاءَ فِيهَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. "مرقاة المفاتيح"(2/ 753).
(2)
"الأذكار"(ص: 127).
(3)
قال القاري: وَالأَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ أَنْ يَقُولَ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا، أَوْ يَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ بِالْمُخْتَارِ مِنَ =
943 -
[5] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 582].
944 -
[6] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 845].
ــ
943 -
[5](عامر بن سعد) قوله: (عامر بن سعد) أي: ابن أبي وقاص، وهكذا المتعارف إذا ذُكِر أحد من الصحابة، بل ومن غيرهم أيضًا مطلقًا، فهو محمول على المشاهير منهم؛ كعبد اللَّه يراد به ابن مسعود، وكالحسن يراد به البصري، وأمثال ذلك.
وقوله: (بياض خده) في بعض النسخ: (خدَّيه).
944 -
[6](سمرة بن جندب) قوله: (أقبل علينا بوجهه) أي: في حال التسليم بأحد شقّ وجهه، أو بعد التسليم كما يأتي في حديث البراء: فإنه صلى الله عليه وسلم كان ينصرف عن يمينه أو يساره في الأغلب، وكان قد يستقبلهم مستدبرًا للقبلة أيضًا في بعض الأحيان، فقد روى البخاري ومسلم (1): أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من صلاة الفجر استقبل بوجهه أصحابه، وقال: هل رأى أحدكم رؤيا؟ كان يطلب رؤيا فيها بشرى بفتح مكة، وقد
= الْمَذْهَبِ، وَبِلَفْظِ:"كَثِيرًا" عَلَى أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي النَّوَافِلِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَى النَّوَوِيِّ ابْنُ جَمَاعَةَ، وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَنْطِقْ بِهِمَا كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، بِأَنْ يُقَالَ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً، وَالِاتِّبَاعُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ لَا بِالْجَمْعِ. "مرقاة المفاتيح"(2/ 753).
(1)
"صحيح البخاري"(1386)، و"صحيح مسلم"(2275).
945 -
[7] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 708].
946 -
[8] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ
ــ
أخرج البخاري (1) عن سمرة أنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه، وقد جاء في حديث آخر (2) عن زيد بن خالد الجهني: فلما انصرف أقبل على الناس، وفيه قصة مطرنا بنوء كذا، وعن أنس (3): فلما صلى أقبل علينا بوجهه فقال: إن الناس قد صلوا، وفيه قصة تأخير صلاة العشاء، والحاصل أنه إذا أراد أن يخاطبهم بشيء استقبل، وإذا أراد أن يذهب إلى حجرته انصرف إلى يساره، وكان قد ينصرف إلى يمينه، واللَّه أعلم.
945 -
[7](أنس) قوله: (ينصرف عن يمينه) إن كان المراد مائلًا عن جانب يمينه مستقبلًا إلى اليسار كما هو ظاهر اللفظ فهو الأكثر؛ لأنه كان ينصرف ويذهب إلى حجرته الشريفة، وإن كان المراد آخذًا جانب يمينه -أي: ينصرف عن الصلاة جانب يمينه- فهو الأقل ولكن قد كان، ولهذا قال ابن مسعود:(لا يجعل أحدكم للشيطان)، الحديث.
946 -
[8](عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (يرى) بفتح الياء وضمها.
وقوله: (أن حقا) بتشديد (أن) وقد يروى بتخفيفها، وفي الحديث أن لا تُتَّخذ
(1)"صحيح البخاري"(1386).
(2)
"صحيح البخاري"(846).
(3)
"صحيح البخاري"(847).
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 852، م: 707].
947 -
[9] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُوْلِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ -أَو: تَجْمَعُ- عِبَادَكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 709].
948 -
[10] وَعَن أُمِّ سَلمَةَ قَالَتْ: إِنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ،
ــ
السنة واجبًا؛ لأن اللَّه يُحِبُّ أن تؤتى رُخَصُه كما يُحِبُّ أن تؤتى عزائمه، خصوصًا إذا سن كلا الطرفين، وإذا لاحظ ترخيص اللَّه سبحانه وتوسيعه وشكر هذه النعمة أخذت الرخصة حكم العزيمة، ونقل الطيبي (1) عن علي رضي الله عنه أنه قال: إذا كانت حاجته عن يمينه أخذ من يمينه، وإذا كانت عن يساره أخذ من يساره.
947 -
[9](البراء) قوله: (يقبل علينا بوجهه) أي: أول ما يسلِّم التسليمة الأولى، وذلك لفضل جهة اليمين، والتشرفِ لسبق إقباله عليهم بوجهه الكريم، والاستسعاد بخطابه العظيم، خصوصًا وقت صدوره من جناب الحق وانصرافه عن الصلاة التي هي قرة عينه، واقتباس الأنوار واستمداد أسرار من مواجهته صلى الله عليه وسلم مع حصول السبق والتقدم في ذلك، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10 - 11]، وبهذا يظهر وجه فضيلة القيام عن يمين الإمام، فافهم.
948 -
[10](أم سلمة) قوله: (ما شاء اللَّه) فتارة إذا سلم لم يقعد إلا مقدار:
(1)"شرح الطيبي"(2/ 373).