المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الشعر الجاهلي - وما المجد لولا الشعر إلا معاهد … وما الناس - مجلة لغة العرب العراقية - جـ ٦

[أنستاس الكرملي]

فهرس الكتاب

- ‌العدد 55

- ‌سنتنا السادسة

- ‌منارة جامع سوق الغزل

- ‌جامع سوق الغزل غير جامع الرصافة

- ‌ذكر جامع الخليفة

- ‌منطق المنطق

- ‌من هو الأولى بوضع الأسماء

- ‌استحالة الإحاطة بمناحي لغة واحدة

- ‌الخط الخصوصي

- ‌أوابد الشهود

- ‌محمد مهدي العلوي

- ‌مخطوط قديم في غريب الحديث

- ‌اليمن وتقدمها

- ‌غادة بابل

- ‌الشيخ علي سالم الصباح

- ‌فوائد لغوية

- ‌اعتراض

- ‌الختام

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌روضة خوان

- ‌الشفع

- ‌المونسون

- ‌الزنبرك أو الزنبورك

- ‌البياسرة

- ‌باب القريظ

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 56

- ‌الدرويش

- ‌خزائن زنجان (في إيران)

- ‌نيرب ومكشوفاتها

- ‌تعريف الآلهة الواردة أسماؤها في نصبي نيرب

- ‌تأثير اللغات السامية في اللغات الإفرنجية الحديثة

- ‌خاتم الأمان

- ‌منديل الأمان

- ‌عبد الوهاب الجوادي الموصلي

- ‌نبذتان من تاريخ الموصل

- ‌في حفر المكشوف

- ‌الوأقة

- ‌كلمة في الشعر

- ‌ساعة في سدة الهندية

- ‌غادة بابل

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 57

- ‌الكتابات الأثرية العباسية في فلسطين

- ‌البرغوث أو أبو أربعة

- ‌نماذج تراجم من الدرر الكامنة

- ‌أوابد الشهور

- ‌جامع الخلفاء

- ‌دفين جامع الأصفية

- ‌المريق

- ‌الكتب الخطية

- ‌فريتس كرنكو

- ‌أسرار اللغات واللهجات

- ‌الدرداقس

- ‌البصرة

- ‌تصريف اللفيف المقرون في لغة عوام العراق

- ‌غادة بابل

- ‌أصل السدلى

- ‌فوائد لغوية

- ‌أصل كلمة التصوف

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌المخطوط القديم في الحديث

- ‌الشعر والشاعر

- ‌كلمة في الكتابات الأثرية العباسية

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌أبو العبر

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 58

- ‌بي بروا

- ‌رثاء الدكتور صروف

- ‌العقل وأصل اشتقاقه

- ‌افتقار اللغات قاطبة إلى الاستعانة بالإشارات

- ‌واللهجات

- ‌بلد الزبير

- ‌الحويزة

- ‌من كنوز العرب

- ‌آثار في ضياء أباد إيران

- ‌قاتل أخيه

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب التقريط

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 59

- ‌تآخي العربية واللغات الغربية

- ‌العيافة عند عوام العراق

- ‌شم النسيم

- ‌الشيخ حسن بك

- ‌نكت وغرائب لغوية

- ‌ضبط الأبنوس

- ‌المدرسة المستنصرية

- ‌لواء الديوانية

- ‌أوربية تحب عراقيا

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌كتاب الأصنام

- ‌الشوقيات

- ‌ديوان العقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 60

- ‌الأخطل

- ‌البرجاس

- ‌العلم والإحسان

- ‌الزق ومرادفاته

- ‌غازان بن أرغون

- ‌المدرسة المستنصرية

- ‌من أغلاط البستان

- ‌جمعية حماية الأطفال في العراق

- ‌البرسام في البستان

- ‌العيافة عند عوام العراق

- ‌اللغة الكردية

- ‌لواء الديوانية

- ‌الأغاني الفراتية

- ‌فوائد لغوية

- ‌بابا المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 61

- ‌نظرة إجمالية في أعمال شركة النفط التركية

- ‌الشاي

- ‌الشعر الجاهلي

- ‌خطر الجراد في العراق

- ‌بعض صفحات من كتاب الفهرست

- ‌من تقويم ومواسم عشائر بطائح الغراف

- ‌خزائن كتب إيران

- ‌الحقيقة

- ‌الكزنخية

- ‌الرباعي المجرد في لغة عوام العراق

- ‌النمر البشري

- ‌البلشة

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 62

- ‌الأب جوزيف بوشان

- ‌الجعل

- ‌الشك في الشعر الجاهلي

- ‌الدوشنة

- ‌أبو عبد الله الزنجاني

- ‌لواء الحلة

- ‌السلطان مراد الرابع في بغداد

- ‌الكتابات الأثرية العباسية في فلسطين

- ‌المنجد وما فيه من الأوهام

- ‌محراب جامع الخاصكي

- ‌خزائن كتب إيران

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌تأثير الأخطل على حياة الأمويين

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 63

- ‌ذو الكفل ومدفنه

- ‌ترجمة ابن الفوطي

- ‌مفتاح القلوب

- ‌كتاب الجدول الصفي

- ‌أين السميع نصيحة

- ‌قرى لواء الحلة

- ‌خراسان وخزانتها

- ‌صفحة من النقد

- ‌جناية الرواة على الشعر

- ‌اللغة الكردية

- ‌اسم الفاعل في لغة عوام أهل العراق

- ‌أحمد لطفي السيد

- ‌فوائد لغوية

- ‌المدرس اللغوي

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 64

- ‌سامرا في التاريخ

- ‌الشيخ فخر الدين الطريحي

- ‌خراسان وخزانتها

- ‌البحرين والزبارة

- ‌لواء بغداد

- ‌قبر الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة

- ‌الفردية الأدبية

- ‌كتاب ثمار القلوب

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌الشفق الباكي

الفصل: ‌ ‌الشعر الجاهلي - وما المجد لولا الشعر إلا معاهد … وما الناس

‌الشعر الجاهلي

-

وما المجد لولا الشعر إلا معاهد

وما الناس إلا أعظم نخرات

أبو تمام

ما هو الشعر؟

هو تلك العاصفة التي تمر فتهدم، وتلك الروح التي تنبني فتخلد، هو تلك العاطفة التي انحنت لها الملوك، وخفقت بين يديها الأمراء، وخرت أمامها الأبطال والقواد! هو تلك العواطف تتأجج في صدرك وتكاد تنفجر بك، وتلك العوامل تهيج بنفسك على شاطئ البحر، بين مناظر الطبيعة الخلابة، في المروج الخضراء على رؤوس الجبال، في ظلمات الليل البهيم، عند المرضى والبائسين، وقت البلاء والشقاء!!. . .

على شاطئ البحر بين الصخور، عند موطئ قدميك الأمواج هائجة متلاطمة تهيج عليك، كأنها تريد أن تفترسك افتراسا، وتطأك بأذى، فتلطم بالصخور فترتد مدحورة، تستأنف الكرة، وتجمع نفسها وتكر أخرى فما تلبث أن تعود أيضاً خائبة مدحورة، فأمام هذه ما هو شعورك؟ أما سكنت متأملا؟

بين مناظر الطبيعة الخلابة، على جبل عال، مطل على واد أم سهل، تزينه الأشجار وتجري فيه الأنهار، وتصدح على أشجاره الأطيار، كسته الطبيعة إبداع حللها، جللته بالاخضرار يتخلل ذلك بدائع الألوان الأرجوانية والبنفسجية وغيرها، فأمام هذه ما هي عواملك؟ أما صمت متفكرا؟

في ظلمات الليل البهيم، وهنالك بين من أصابهم الدهر بمصائبه، وناء عليهم بكلكه، فاطرحوا الفراش، فهم على شواطئ الابدية، أو بين من ضاقت بهم سبل المعاش، وأخنت عليهم الإنسانية فليس من يهون عليهم، وينظر إليهم ويضمد كلومهم، ويخفف أحزانهم، ويرمقهم بعين الرأفة والمعونة، فباتوا بالخيال أشبه، والى الأموات اقرب. ما هي عواطفك؟ أما وقفت حزينا متألما

ص: 491

وقت البلاء والشقاء، إذ ما كشر لك الدهر عن أنيابه فجفاك الأصدقاء، ونبأ عنك الإخلاء، وقلب الزمان لك ظهر المجن، فأصبحت وحيدا، بالله ما هي احساساتك وشعورك وعواطفك؟

في جميع هذه الأحوال شعرت! وفي كل هذه الحالات موارد للشعر! فحيث يكون الشعور تهيج العواطف، فيكون للشعر مورد! ولكن لم لا تقول الشعر، ما دامت تستولي علينا العواطف ويهيج بنا الشعور في جميع هذه الحالات وفي جميع الحركات والسكنات؟ أليس الشاعر رجلا مثلنا، يتركب من لحم وعظم!؟ أليس يشعر بنفس شعورنا ويحس بنفس إحساسنا؟ بلى! ولكن (الشاعر - كما يقول المثل الفرنسي -: يولد شاعرا)، فهو إذا ما نظم الشعر عرف كيف يختار السبل التي يوصل بها شعوره وعواطفه إلى قلوبنا، ويضرب على وتر إحساسنا ولكننا إذا ما أردنا أن نظم شعرا. ضاعت منا تلك العاطف ولم نعرف كيف نسبك ذلك الشعور قالبا متماسك الأجزاء يؤثر في نفس قارئه، فلذا يخرج ما تقوله ألفاظا مقفاة، متفككة الاجزاء، مختلفة القصد. بعيدة عن الشعور!

(قد تستغني بعض الأمم عن سماع الموسيقى وربما لا تدرك جمال التصوير ولكن أمة من الأمم لا تعيش بدون أن تعبر عن ادراكها، ولا بغير أن تبث عواطفها واحساساتها، ولا من غير أن تتغنى بآلامها وأحزانها وحظها من الحياة أو آرائها في الوجود) فالشعر وخصوصا الغنائي، محور العواطف ومركز الإدراك، فقلما تمر بإنسان ولا تجده يعرف شيئا من الشعر، حتى لو كان أميا متوحشا، فله شيء يتغنى به ويبث من وراء احساساته، ففي قلب أفريقية حيث لم تطأ قبل الآن رجل أبيض، هاهو ذا أحد ملوك السود يتقدم نحو المارشال فرانشه دسبيري حين قطع الصحراء الأفريقية بالسيارة، وينشده مديحا شعرا، نورد فيما يلي تعريبه نثرا.

(أنت ملك البيضان، الأول بعد (ما هو)، أنت قدير، أنت معبود

ص: 492

(صنم) أنت شجاع أنت أكلت أعداءك. . . أنت تأكل الشمس حين يلزم!. . .

أنت أجرأ وأقوى من الأسد وأسلس من الفهد. أنت قدت عساكرك وسط الأدغال إلى افتتاحات، هي عظيمة أي عظم، حتى أن (الداهومي) ما هي بالنسبة إلى مملكتك سوى قرية!. .

أنت قهرت القيصر عدوك، وأنت أعطيته السم القاتل. . . الثعابين المقدسة كانت معك، وأنت ضغطت على هذا المتغطرس حتى كدت تخنقه. . . فاسعد الآن. . وابسط نفسك. . اضحك. . اضحك. . فساعة الضحك والانبساط آذنت، بعد أن تدفقت الدماء كالينابيع. .

!)

فهنا نجد أن الشعر لم يوجد فقط بين المتمدنين بل هو متأصل في نفس كل إنسان متمدن أم متوحش، فالعواطف واحدة وإن تختلف باختلاف البيئة فالأكراد محادثاتهم أكثرها تقريبا أشعار أو أمثال شعرية تسبك جملا، يتفاهمون بها، ويتعاملون بينهم، وهم يشابهون العرب البداة، في معنى انهم شديدو الإحساس، لطاف الشعور، دقاق الادراك، ويماثلونهم، أيضا، في كلامهم إذ فيه خشونة الصحراء وعنجهية البادية، (وعلام كانت تقوم الحياة العربية في بداوة العرب وأول عهدهم بالإسلام؟ على الشعر ونستطيع أن نقول على الشعر وحده. فالعرب واليونان يتشابهون من هذه الجهة تشابها كاملا، تستطيع أن تبحث عن فلاسفتهم، وحكمائهم وقادتهم وساستهم ومديري أمورهم الاجتماعية أيام البداوة فلا تجد إلا الشعراء ثم تستطيع أن تبحث عن فلسفتهم ودينهم، ونظمهم المختلفة وحياة عقولهم وعواطفهم فلا تجدها إلا في الشعر - الشعر إذن هو أول مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية القوية لهاتين الأمتين؟ وتستطيع أن تقول في غير حرج أن الشعر هو أول مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية لكل الأمم المتحضرة التي عرفها التاريخ وأذن فالشعراء هم قادة الفكر في هذه الأمم تأثروا بحياتها البدوية فنشئوا ملائمين لها وتميزت شخصياتهم فأثروا في من حولهم ثم في الأجيال التي خلفتهم).

ص: 493

نشوء الشعر الجاهلي

من سوء الحظ أن تاريخ اللغة العربية القديم مجهول أتم الجهل فليس من يقدر أن يعرف الأطوار الابتدائية، التي لا بد لكل لغة من المرور فيها، فنحن حينما نحاول البحث عن أصل اللغة العربية، أو نشوء الشعر فيها، نكاد نضيق ذرعا في التنقيب عنها، فكأن هذه اللغة لم تعرف الطفولة وكأنها خلقت، كما نجدها في كتب الأدب القديم (وأنك لتقرأ للمؤرخ من العرب السفر الضخم، ذا الأجزاء العديدة، والحواشي، والتعاليق، وتعاني من البرح، والعنت، ما تعاني، ثم لا تظفر إلا بأشياء لا تستحق، ما عالجت في سبيلها من الشدة، وبذلت من الجهد، وأنفقت في طلبها من الوقت، والمال والعافية، ولا تجد إلا قصصا وأخبارا لا ترى عليها طابع العقل وميسم التفكير).

ومن عجيب أمر هذه اللغة، أنه مع ما بلغته من النفوذ من اتساع النفوذ إلى حدود الصين،

والهند، ومجاهل أفريقية، وسواحل اوربية، لا تجد للان، تاريخا ممتعا لآدابها، وافيا بالمرام، مع وفرة كتبتها، وعلمائها، وتعدد مصنفاتها، في كل أبواب العلوم والآداب، وممن شعر بهذا الخلل، فئة من أولئك المستشرقين الذين أدوا للغتنا، خدمات جلى، فأرادوا نوعا سد هذا النقص، ببعض التآليف لتي أودعوها. أوصاف العلوم العربية، والحقوا بها الحواشي، والتعاليق العديدة، مع تراجم أصحابها وقائمة الكتب التي صنفوها. ولكن أني لهم أن يسدوا بعض هذا الخل، فهيهات، هيهات! وليس بين أيديهم، بل ليس في جميع الكتب العربية، المواد اللازمة لبناء هذا الصرح الشامخ، ووضع هذا التاريخ! ومما يزيد العراقيل أن (البلاد العربية، كما تعرف، كانت تحوي أصنافا من العرب مختلفة الشعوب والقبائل، متباينة اللهجات، متنائية الجهات وكانت مختلفة أيضاً في الوحدات السياسية فمنها ما كان خاضعا للدولة الرومية ومنها ما كان قائما بذاته مستقلا. كل هذا يستتبع بالضرورة تباينا كبيرا بين تلك الأمم العربية في مناهج الحكم وأساليب الإدارة وفي الآداب والعادات وفي كثير من مرافق الحياة الاقتصادية والمادية) فأما هذه كان من الصعب أن

ص: 494

نحصل على كل المعلومات الضرورية لجمع تاريخ الآداب في الجاهلية خصوصا وفي الإسلام عموما وفضلا عن ذلك أنه من المؤكد أن العرب كانت أمة بادية لا تفقه الكتابة ولا تألفها وكتب العرب نفسها تحدثنا أن عهدهم بالكتابة متصل بظهور الإسلام وانه من خطل الرأي أن نذهب إلى أن العرب كانت في بداوة جاهليتها كاتبة؛ اللهم إلا ما كان في بعض حمير ومن اتصل بالدولة الكسروية أو الدولة الرومية من القبائل النصرانية أو المتنصرة وغيرها كما ليس لنا ما يدل على عمران البلاد العربية أو أنئذ سوى آثار قليلة كسد مأرب في اليمن ومنازل ثمود بين الحجاز والشام وبعض آثار في نجران وغيرها قليل وعليه فإن ما وصل إلينا من تراث الجاهلية كان بطريق الرواية لا بطريق الكتابة ولو لم يعاجل الموت كثيرا من الرواة في عجز الجاهلية وصدر الإسلام لتوافقنا دون شك للحصول على إيضاحات اكثر.

ويزيد البحث صعوبة التلاعب والغش من بعض كتاب السلف فلا يمكن التثبت والكون إلى أقوال بعض الكتاب والوثوق برواياتهم ونحن نعلم أن القصاص في الكوفة والبصرة وبغداد تلاعبوا بكثير من أخبار الجاهلية وصدر الإسلام فزادوا حمادا وخلفا الأحمر وغيرهم من

الرواة والمنتحلين ولسنا نقتصر في الشك على ما رواه العرب بل نتعداه إلى سائر الشعوب القديمة إذا ما وجدنا للشك سبيلا ولسنا أول من شك في ذلك التراث المتروك فإن سوء الظن أمر واجب محتم ونتيجة لازمة لرقي البحث وتعزيز ملكه التحقيق على احدث الأساليب العصرية العلمية وإذا وجب الأمر وقفنا موقف الإنكار.

الشعر العربي لم يظهر إلا حوالي أواخر القرن الرابع للمسيح وفجر القرن الخامس فإن اقدم شاعر معروف جاهلي هو البراق عاش في القرن الخامس وقد ولد في نحو سنة 395 للمسيح ومما يعرف من أولئك شعره قوله (من الرجز):

لإفرجن اليوم كل العمم

من سبيهم في الليل بيض الحرم!

صبرا إلى ما ينظرون مقدمي

أني أنا البراق فوق الأدهم

ص: 495

لأرجعن اليوم ذات المبسم

بنت لكيز الوائلي الأرقم!

(وقد زعم بعض الثرثارين المتفيقهين أن الشعر العربي سبق الإسلام، بمئين من السنين بل سبق ميلاد المسيح بأجيال عديدة حتى نسبوا منه نتفا إلى زمن نبي يدعونه هودا يزعمون أنه عاش قبل إبراهيم الخليل والألف الثالث قبل المسح وأمعن غيرهم في غلوهم وأوهامهم فرووا لآدم أبي البشر أبياتا رثى بها على رأيهم ابنه هابيل القتيل، فعارضه إبليس الرجيم.

تلك مزاعم يضحك منها العلماء ويضرب بها عرض الحائط بل كل من له أدنى إلمام بتاريخ اللغات عموما واللغة العربية خصوصا) وأننا نورد ههنا من ذلك الشعر الذي ينسبه أولئك الجهال إلى آدم منها:

تغيرت البلاد ومن عليها

فوجه الأرض مغبر قبيح

وقابيل أذاق الموت هابي

ل واحزنا! لقد فقد المليح!

فما لي لا أجود بسكب دمعي؟

وهابيل يضمنه الضريح!

أرى طول الحياة علي غما

وما أنا من حياتي مستريح!

وبلغت بهم الجهالة أقصاها فنسبوا لإبليس الرجيم الأبيات التالية يعارضه ويذكر كيف أسقطه من النعيم:

تنح عن البلاد وساكنيها!

ففي الجنات ضاق بك الفسيح

وكنت بها وزوجك في هناك

وقلبك من أذى الدنيا مستريح

فما زالت مكايدي ومكري

إلى أن فاتك الثمن الربيح.

فلولا رحمة الجبار أضحى

بكفك في جنان الخلد ريح!

ويؤيد قولنا هذا اتفاق الكتبة الأقدمين عليه، فالجاحظ في كتاب الحيوان (27: 1) يقول (أما الشعر فحديث الميلاد، صغير السن أول من نهج سبيله وسهل الطرق إليه امرؤ القيس بن صجر ومهلهل بن ربيعة. . . فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام، خمسين ومائة عام وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام) وهذا بحسب ما نظنه اقدم سبقنا فأوردنا البراق كمثل وكأقدم شاعر عربي معروف.

ص: 496

أصل الشعر العربي، الحداء، فالغناء، وقد وقعت العرب في أول عهدها به، على ابسط بحوره الرجز فلزموا فيه التقفية كما لزموا الأسجاع في المنثور غير أن أبياته قليلة، وعلى وجه المثال نأتي بقول امرئ القيس إذ بلغه خبر مقتل أبيه بدمون في نواحي اليمن:

تطاول الليل علينا دمون

دمون، أنا معشر يمانون

وأننا لقومنا محبون

وقال أيضاً في ذلك من الرجز:

يا لهف هند إذ خطئن كاهلا

القاتلين الملك الحلاحلا

خير معد حسبا ونائلا

وخيرهم قد علموا شمائلا

نحن جلبنا القرح القوافلا

تالله لا يذهب شيخي باطلا

يحملننا والاسل النواهلا

وحي صعب والوشيج الذابلا

مستثفرات بالحصى جوافلا

يستشرف الأواخر الاوائلا

حتى أبيد مالكا وكاهلا

وهذا البراق أيضاً كما قدمنا اقدم الشعراء هو قائل أول شعر من الجز وقد أوردناه قبلا (لأفرجن اليوم كل الغمم).

زد على ذلك أن العرب كانوا كثيرا ما يحضرون المحافل الدينية المسيحية النصارى وغير النصارى منهم فيسمعون كثيرا من ألحانها فعلقت بنفوسهم فتأثروا بها واستفزتهم القريحة فأحبوا أن يحاربوا هؤلاء في الغناء فنظموا بادئ بدء ألفاظا ورتبوها مقاطع وانشدوها فطربوا لها فأعجبوا بها وما زالوا يغيرون بعض الأجزاء منها ويبدلون فيها ويحسنون

أوزانها حتى استقامت وصارت إلى ما نعهده من حسن السبك وبديع الانسجام ولطف النغم وبراعة التنسيق.

وأول من نسق الشعر ورتبه وألف القصائد وأنشدها جماعة البدو فالبراق والمهلهل وعنترة والنابغة وزهير بن أبي سلمى وغيرهم جلهم من العرب الرحل يدلنا على ذلك (أن ما ورد في هذا الشعر من الألفاظ والأوصاف والتشابيه والمعاني والأفكار يعتبر دليلا ساطعا على أن صناعة القصائد اخترعها وأتقنها الأعراب أهل الوبر وإن الحضريين إنما اتخذوها مقلدن لهم متمثلين بهم

ص: 497

في لغتها وأساليبها ومواضيعها فتوافق نتيجتنا هذه ما اجمع عليه قدماء الإخباريين من كساد سوق الشعر وقلة النابغين عند أهل الحضر وسكان مدن الحجاز. . .)

تأثير الشعر عند العرب

كان الشاعر عند العرب، ولا سيما في الجاهلية خطيبا قبل كل شيء واهم مزايا الخطيب أن يؤثر في سامعيه ويستميلهم إليه ويعمل جهده ليقنعهم، ويضمهم إلى جانبه فمن دواعي ذلك أن تجتمع في الشاعر الخطيب هذه الصفات المؤهلة دقة الملاحظة، قوة التصوير وبراعته، رقة الوصف، وإن يكون مشبعا بالعواطف وغيرها من مستلزمات الخطابة فترى الشاعر العربي إذا ما قال شعرا سبكه خطبة. وكثيرا ما ضربت أعناق ونجت أعناق من الضرب وأثيرت الحروب بسبب، ألم يذهب المتنبي ضحية بيت شعر؟ فانه لما فر عندما اشتد عليه الطلب قال عبده أتهرب وأنت القائل:

الخيل والليل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

فالتفت إليه المتنبي وقال له: قتلتني قتلك الله. ولوى العنان ورجع فحارب حتى قتل - وهذا تميم بن جميل عندما احضر للرشيد فأمر بضرب عنقه ألم تنجه هذه الأبيات:

أرى الموت بين السيف والنطع كامنا

يلاحظني من حيثما أتلفت

واكثر ظني انك اليوم قاتلي

وأي امرئ مما قضى الله يفلت!

ومن ذا الذي يأتي بعذر حجة

وسيف المنايا بين عينيه مصلت!

وما جزعي من أن أموت وأنني

لأعلم أن الموت شيء موقت!

ولكن خلفي صبية قد تركتهم

وأكبادهم من حسرة تتفتت!

كأني أراهم حين أنعى إليهم

وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا؟

فان عشت آمنين بغبطة!

أذود الردى عنهم وإن مت موتوا!

فبكى الرشيد وعفا عنه. وهذه ليلى العفيفة حين أسرها العجم، وضربوها لترضى بمراد ملكهم، جعلت تستصرخ ابن عمها البراق واخوتها فقالت:

ليت للبراق عينا! فترى

ما أقاسي من البلاء وعنا!

ص: 498

يا كليبا! يا عقيلا! اخوتي

يا جنيدا! ساعدوني بالبكا!

عذبت أختكم، يا ويلكم!

بعذاب النكر صبحا ومسا

يكذب الأعجم ما يقربني

ومعي حساسات الحيا

قيدوني! غللوني! ضربوا

موضع العفة مني بالعصا!

قل لعدنان فديتم شمروا

لبني الاعجام شمير الرحى

يا بني تغلب! سيروا وانصروا!

وذروا الغفلة عنكم والكرى!

وأحذروا العار على أعقابكم

وعليكم ما لقيتم في الورى!

وما زالت بهم حتى هبوا لنجدتها فأظفرهم الله بمطلوبهم. . . وأمثال هذه الوقائع تكثر في أخبار الشعر العربي، فلو أردنا أن نسرد بعضا منها لاحتجنا إلى صفحات عديدة وسئم القارئ. فعبيد بن الأبرص لم يمكنه النطق ببعض الأبيات حين وفد على النعمان المنذر يوم بؤسه وكان هذا آخر ما يطمع فيه في الحياة والمتنبي قربه إلى سيف الدولة بيت من الشعر بعد تجافيه. وعمرو بم كلثوم لم يهب تهديد الملك عمرو بن هند في وجهه وسليمان بن عبد الملك الأموي ضرب عنقه المنصور لأجل بيت قاله أعرابي في بني أمية يقدح فيهم ويذمهم ويذكر سيئاتهم بعد رضاه.

وبلغ من شدة تأثير الشعر في العرب أن بلغ بعمر بن الخطاب أن اشترى أعراض المسلمين من الحطيئة الشاعر الهاء المعروف بثلاثة آلاف درهم ليؤكد الحجة عليه وفي ذلك يقول الحطيئة:

وأخذت أطراف الكلام فلم تدع

شتما يضر ولا مديحا ينفع

وحميتني عرض اللئيم فلم يخف

ذمي وأصبح آمنا لا يفزع

ويدخل الشعر في جميع أطوار العرب وأحوالهم وعاداتهم في الحرب، في السلم، في السلب

والنهب حتى في المزاوجة فكانوا يستعينون بالشعراء لتزويج بناتهم كما فعل الأعشى الأكبر في نظمه الشعر للأوانس كي يتزوجن ومن أمثلة ذلك أنه وفد على الملحق فأكرمه واحسن وفادته ليقول شيئا في بناته

ص: 499

وكن ثمانيا عنه إلى سوق عكاظ وقال فيهن قصيدته المشهورة التي منها:

لعمري لقد لاحت عيون كثيرة

إلى ضوء نار باليفاع تحرق

تشب لمقرورين يصطليانها

وبات على النار الندى والملحق

فما قام من مقعده وفيهن مخطوبة إلا وقد زوجها!!!

فهكذا كان الشاعر عند العرب وبالأخص في الجاهلية قائد قومه بلسانه وإمامهم وخطيبهم ودليله والذاب عن أعراضهم وأحسابهم وسلاحهم اللساني حين تهجمات الأعداء اللسانية تخرصاتهم فإذا ما أهيج واستعدي نفث في الأعداء سما يقطر من لسانه فيكبدهم ويسقيهم كاس الردى فانظر مثلا إلى هذا البيت الذي تعده العرب أهجى بيت قالته:

فغض الطرف انك من نمير

فلا كعبا بلغت ولا كلابا

ومثله قول الحطيئة الذي ضاقت في وجه سبل الهجاء فهجى نفسه:

أرى لي وجها شوه الله خلقه

فقبح من وجه وقبح حامله

وكذلك إذا ما أهيج الشاعر للفخر واستنشد تدفقت من فيه الدرر فيخفي النقائض والأغلاط كقول عنترة يستر سواده:

أن كنت عبدا فنفسي حرة أبدا

أو أسود الخلق أني أبيض الخلق

وقول السموأل بن عادياء:

تعيرنا إنا قليل عديدنا

فقلت لها أن الكرام قليل

وما ضرنا إنا قليل وجارنا

عزيز وجار الأكثرين ذليل. . . الخ

وقد يجعل من المعايب محاسن كقول الخطيئة في بني انف الناقة وكانت العرب تعيرهم فقلب المعرفة إلى مديح فقال:

قوم هم الرأس والأذناب غيرهم

ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا

وكانت القبيلة من العرب لا يهنأ لها بال ولا تستقر على حال حتى ينبغ فيها شاعر فإذا ما ظهر توافدت القبائل المهنئة على ذلك الحي فذبحت الذبائح وأولمت الولائم وأقيمت الأفراح

والحفلات أياما واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر وتباشرت

ص: 500