الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الجدول الصفي
من البحر الوفي لهبة الله محمد الديري
عود صاحب هذه المجلة أن يرحب بنقد الكتبة إياه إذا كان نقدهم نزيها يرمون به إلى الحقيقة وعودها أن تؤمن على أقوالهم وآرائهم الصحيحة دفعا للغلط الذي لا يخلو منه أحد. وهاءنذا متصد لشيء من ذلك مستميحا الأب عذرا لائقا به.
كتب حضرة الأب في المشرق فصولا شائقة عن العراق وآثاره وغير ذلك منها مقالة (مدارس الزوراء في عهد الخلفاء (المشرق 10 (1907): 375) واتى فيها بذكر المدرسة البلطاسية (ص 397) وقال إنه نقل ما وجده في كلشن خلفا، لنظمي زاده وهو:
(وهذه النقول عن مباني بغداد وتاريخها نقلتها من التاريخ الصغير للمؤرخ الشهير بالخطيب. أما تاريخه الكبير ففيه من تراجم الرجال والكتب وأسمائها ورواة الحديث وكتبهم ما لم يسمع به. فمما يضيق عنه نطاق الحصر من ذلك المدرسة البلطاسية فيها من الكتب ما يبلغ فهرسها 360 مجلدا أما عدد خزانها فيبلغ 50 شخصا والمدرسة المذكورة تشتمل على أربعة آلاف حجرة وراتبها في اليوم عشرون ألف رغيف وعشر بقرات ومائة كبش. وراتب مدرسها - وهو الشيخ قوام الدين - مائة رغيف وكبش واحد وخمسون درهما في اليوم) انتهى على ما ذكر في الخطيب البغدادي وذلك في عهد المتوكل (ص 14 من نسختنا الخطية) على إننا قد بحثنا في ما عندنا من الكتب وما وصلت يدنا إليه منها فلم نعثر على ذكر هذه المدرسة فلعل النظر في تاريخ الخطيب هبة الدين الديري البغدادي يزيل الشبهة عما في هذا الكلام من المبالغة أو ما يقرب منها. هذا وإننا لا نعرف إلى أي أسم نسبت هذه المدرسة ولا من هو هذا بلطاس
فهل من باحث يفيدنا عما نحن فيه من أمر هذه المدرسة ومنشئها؟) انتهى كلام الأب.
وجاء في الحاشية لصاحب المقال أيضاً عن الخطيب: (عن صاحب كلشن خلفا يريد هنا (بالخطيب) الخطيب هبة الدين الديري البغدادي (كذا) كما يتضح من بقية كلامه ونحن لم نعثر على هذا الاسم في ما لدينا من الكتب والمشهور من كتبة تاريخ بغداد باسم الخطيب البغدادي هو: أبو بكر الخطيب الحافظ أحمد. . . البغدادي فلا يبعد أن يكون هذا هو المطلوب هنا فذكره صاحب كلشن بلقبه هبة الدين وذكره غيره بلقب الخطيب. وإما الديري البغدادي فيكون نسبة إلى دير كان في بغداد أو بجوار بغداد. . . فلا جرم أن الخطيب
نسب إلى دير من ديرة بغداد فصح عليه نسبه إلى دير والى بغداد معا.) انتهت الحاشية.
ليس اطلاعي على مقالة الأب بابن اليوم بل إنه كان قبل نحو عقد ونصف عقد من السنين فاستوقفت المقالة نظري فرجعت إلى كلشن خلفا لأرى نصه التركي فوجدت أن المعرب الذي اعتمد عليه الأب لم يحسن الترجمة فعلق الأمر ببالي. والذي يحدو بي إلى ما اكتبه الآن وهو صدور (كتاب مخطوطات الموصل)، وما يأتي هو الصحيح تعريبه نقلا عن الأصل التركي الوارد في ظهر الورقة 7 من كلشن خلفا المطبوع ونحو تلك الصحيفة من مخطوطي:
(وعلى ما قاله الخطيب إن في زمن المتوكل كان في دار الخلافة أربعة آلاف فراش وإن أماكنها العديدة وإصطبلاتها المتفرقة وحواليها وحواشيها مثل مدينة شيراز. وهذه النقول هي من التاريخ الصغير للمؤرخ المذكور. أما تاريخه الكبير ففيه من أسماء الرجال والعلماء ورواة الحديث الشريف ما لا يسع القلم أن يكتبه وهو يخرج عن حد الحصر وفيه من أسماء الكتب ما لم يقف عليه أحد. وفي الجملة أن المدرسة البلطاسية فيها 360 مجلدا تحوي فهارس الكتب وخمسون خادما متأهبا لخزائن الكتب وفي المدرسة أربعة آلاف حجرة
وراتبها اليومي عشرون ألف رغيف وعشر بقرات منتخبات ومائة كبش مسمن ولمدرسها قوام الدين راتب قدره كل يوم مائة رغيف وكبش وخمسون درهما. هذا ما كتبه الخطيب على وجه الاختصار (هنا بيت من الشعر) وما رواه هبة الله الديري عن الخطيب البغدادي عن وفرة المال عند الخلفاء العباسيين وعن قوة سلطنتهم وهو يستغفر عن المبالغة والنقصان والاختصار. وأنا (أي مؤلف كلشن) استغفر أيضاً عن المبالغة والغلو وعن إملائي بالاختصار طالبا المعذرة) انتهى كلام كلشن. ولاشك أني من الذين يأخذون على الخطيب هذا قوله المغالى فيه وهو شبيه بالقول عن عدد حمامات بغداد إنها ستون ألفا وهو عدد يرده العقل السليم.
وأول ما الفت النظر إليه إنه جاء في المقالة: (هبة الدين) وفي الأصول جميعها: (هبة الله) وقد رأينا أن هبة الله الديري هو غير الخطيب البغدادي فهما رجلان وليسا بواحد وتعريب المعرب الذي لم يميز فيه ذلك أدى بصاحب المقالة إلى وضع ما في الحاشية من تأويل وتوفيق. ولو لفت الناقل نظره إلى قبل ما عربه ببضعة وجوه لاتضح له أن أسم هبة الله
الديري هو محمد فلا يمكن أن يكون هذا الديري الخطيب البغدادي الذي اسمه احمد - وقد مر بنا أيضا - ونعرف أسم تأليف الديري المذكور وهو (الجدول الصفي من البحر الوفي) ولما طرأ هناك سبب لهذا التشويش طمست الحقائق، وانك لتجد تعريب ما استندت إليه (ص 5 من المطبوع) في ما يلي:
(وبعد أن عرفنا هبة الله محمد الديري في تاريخه الجدول الصفي من البحر الوفي أن كتاب الخطيب البغدادي المسمى ضبط عالم (إضافة تركية عن الفارسية). . .) أهـ
ونظرا لما تقدم لا مشاحة أن هبة الله محمد الديري متأخر عن الخطيب البغدادي فقد نقل عنه. واسم كتاب الديري يدل على إنه مختصر من كتاب مطول وهل أوضح من هذا الاسم: جدول من بحر؟ وما البحر على الظاهر إلا تاريخ الخطيب البغدادي.
كان وقوفي على أسم هبة الله محمد الديري واسم كتابه في تلك السنة التي أشرت
إليها وأنا أتحرى من ذاك الحين مظنة أجد فيها نسخة من الكتاب ولم أر اسمه في كشف الظنون ولقد فتشت في كثير من فهارس دور الكتب الأوربية وفي غيرها فلم أجده حتى أتحفنا الفاضل، الغيور على الأدب والعلوم والتاريخ، الدكتور داود الجلبي بكتابه (مخطوطات الموصل) وفيه (ص 173) في جملة مخطوطات المدرسة المحمدية في جامع الزيواني نسخة من (الجدول الصفي من البحر الوفي) لكنه لم يصفها، الأمر الذي كنا نتمناه ولعل عذره في ذلك قوله:(أن عيون حافظي الكتب في المدارس ترمقني بلحاظ تدل على السآمة ولسان حالهم يقول: رحم الله من زال.) أهـ
طلب الأب في مقالته المذكورة أن يفيده أحد عن أسم من نسبت إليه المدرسة البلطاسية وعلى بلطاس وعلى منشئها وكنت أود أن أعثر على جواب هذا السؤال الذي بقي علي أيضاً غامضا ولكن بوسعي أن أقول شيئا عن هذا هو أن النسخة المطبوعة تذكر هذه المدرسة بهذا الاسم ومخطوطي يذكرها باسم المدرسة البرطاسية وبرطاس قوم عرفهم التاريخ وذكرتهم المعاجم المتخصصة لمثل هذه المباحث كمعجم البلدان ودائرة المعارف للبستاني والمعلمة الإسلامية الإفرنجية التي أوردت المصادر العربية القديمة التي اعتمدت عليها ومن الغريب إنها لم تذكر كتاب آثار البلاد للقزويني (ص 390 من طبعة الإفرنج) وقاموس الأعلام الذي ذكرهم بصورة برطاش (بشين منقوطة). ومن الكتب التي كثر
ذكرهم فيها كتاب تلفيق الأخبار وتلقيح الآثار في وقائع قزان وبلغار وملوك التتار تأليف م. م. الرمزي المطبوع في اورنبورغ في سنة 1908
ذكرت تلك المقالة عن المدرسة البلطاسية إنها من مدارس بغداد وإذ لا ذكر في كلشن عن المدينة التي كانت فيها وجل ما جاء ذكرها في بحث ثروة الخلفاء ومقدرتهم في المال فيجوز إنها كانت في بغداد أو غيرها من المدن وأظن لو إنها كانت في بغداد - وهي من أمهات المدارس كما يفهم من ذلك الوصف - لما أغفلت ذكرها مقدمة الخطيب وهي مطبوعة تتعاورها الأيدي ولما غض النظر عن ذكرها كتاب مناقب بغداد. ومن العجب السكوت العميق عنها في كتب التاريخ والتراجم التي وقعت بيدي وهي طائفة ليست بيسيرة. ولو كانت كما