الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من كنوز العرب
ابنة تبكي خطيبها
قرأت على صفحات الجزء التاسع من مجلتكم الغراء لسنتها الخامسة أبياتا من الشعر العامي الجليل بقلم حضرة الفاضل الشيخ عبد المولى الطريحي. فراقني ما شاهدت واهتز قلبي طربا لتلك الأغاني الجميلة التي تنم عن سمو أفكار العرب وسعت خيالهم. لكن مع كل أسف لم يعثر حضرته إلا على النزر القليل من منظومهم فاكتفى بشيء لم يمثل أفكارهم على حسب المرام، لذلك رأيت أن أتحفكم بشيء من منظومهم ليطلع القارئ على ما للعرب من سمو الفكر وسعة الخيال والغور في بحار المعاني العالية واليكم ما عثرت عليه من تلك الكنوز. وقد جعلت هذه الأبيات على لسان خطيبة فارقت خطيبها فأخذت تصف نفسها بعد سفره كما تصف جمال حبيبها. وقد دعوتها بكنوز العرب راجيا نشرها على صفحات مجلتكم الراقية الغراء:
أرتوي الزيتون من دمعي ولأراك
…
الغيرك ما نحل جسمي ولا راك
أخاف أطول مدتنا ولا راك
…
وقبل وصلك تبادرني المنية
الأراك شجر معروف والغيرك أي لغيرك لم ينحل جسمي ولم يرك والخطاب للمحبوب ولا راك بمعنى أخشى أن تطول مدة الجفاء ولا أشاهدك وتبادرني أي تفاجئني والمنية نهاية العمر.
دمه هلن بدال الدمع يجفون
…
على الماظن بيهم قبل يجفون
الوداع أشجان ضرهم لو أن يجفون
…
جفوني وكل حسود اشتمو بيه
الدمع يجفون أي سحي أيتها الجفون دما عوضا عن الدموع. وقبل يجفون أي يبدون الجفاء. تقول ما ضرهم لو وقفوا ساعة الوداع.
الله وياك حلو الجسد والطول
…
بقت عيني عليك تهمل وأطول
العشرة ما بقت وياك والطول
…
يا زاجي ما بدت مني رديه
تريد بالطول القد والاعتدال وتهمل وأطول أي تمطر دمعها كالطل والطول (الثالثة) أي طول الألفة.
الله وياك حلو الجسد والعين
…
هلبت ودعت من بيك والعين
دريض يا قلب واستجن ولعين
…
ابتليت بلوت الخنسا الشجيه
والعين يعني مغرمين واستجن ولعين بمعنى كف عن ذكراه أيها القلب واسترح قليلا. إذ قد بليت كابتلاء الخنساء في حسنها الشديد.
دفق دمعي على الوجنة وسيله
…
على الماصار وياهم وسيله
أدور الممتحن مثلي وسيله
…
يقلبي اهجع مثل ما بيك بيه
أي أخذت دموعي تنهار على وجنتي ووسيلة أي السيلان ووياهم وسيله أي صورة حال معهم والوسيلة (الثالثة) بمعنى أتحرى كل ممتحن مثلي لأسأله عما جرى عليه من امتحان الغرام. واهجع أي استقر.
صلت خدي دمعتي من تسالي
…
عليك الرأس شيب منتسالي
عيب لسا يقلبي منتسالي
…
سلوك اهجع شبيدي تلوم بيه
تقول أن دموعي قد أحرقت خدي من كثر جريانها، ولقد شاب رأسي من كثرة السؤال عنك. ثم تقول عجبا أيها القلب إلى الآن ما سلوت من ألم الوجد، والسلوك هنا الأحبة أيها القلب فما ذنبي تكثر علي اللوم.
الك منزل بدلالي ولك دار
…
ووصلك يجلي همومي والكدار
مدار هواك بضلوعي ولك دار
…
سحن بقواي ونشبني المنيه
تقول لك منزل في قلبي ودار أنت ساكن فيها والدلال القلب، والكدار أي الأكدار. تقول ويلك فإن غرامك قد أخذ يدور بين جوانحي. ومعناه الشطر الرابع: هد قواي وأنحلها وقولها ونشبني المنيه أي رماني بالهلاك.
فقت مرعوب من نومي بالأسحار
…
دون ما ونت الثكلى بلسحار
يناهي فرزن دلالي بلسحار
…
عيونك حيث مبهن رحم بيه
بالأسحار أي انتبهت مرعوبة من نومي في السحر. وبلسحار أي أئن كما تئن الثكلى في الصحارى وتريد بلسحار (الثالثة) سحر الجفون وقولها فرزن دلالي أي جفونك قد اصمت فؤادي بسحرها. مبهن أي ما فيهن رقة علي.
أنا بادي وعلى الترف بداي
…
وحرت يا ساهي العينين بداي
انجان أنت حكيم استاد بالداي
…
دون جروح قلبي وجرن بيه
تقول لقد قصدت مكانا غير مكاني فزار الحبيب منزلي ولم يجدني وذلك لسوء طالعي. وساهي العينين أي واسع العينين وقولها بداي تعني حرت في دوائي والشطر الأول من البيت الثاني هو خطاب للمحبوب تقول أن كنت حكيما حاذقا وتشخص الداء فعليك إذن بمداواة قلبي وقولها وجرن بيه يعني أخذت جروح قلبي تتعاظم في الآلام.
ذلولي ما يجده السير ظل عاي
…
انتهو عني ومد البصر ضلعاي
شبه كسر الزجاجه انكسر ضلعاي
…
وبد ما يرهم التجبير بيه
تقول أن ذلولي قد عجز عن المسير وقولها ظل عاي يعني ظل واقفا لم يتحرك من شدة التعب. وفي الشطر الثاني من البيت الأول تقول أن أحبتي قد غابوا عن بصري فلم أشاهد سوى أضلاع جبال شاهقة ممتدة في الصحراء وقولها أيضاً أن أضلاعي قد تحطمت تحطم الزجاج وأصبحت غير قابلة للإصلاح كما أن كسر الزجاج لا يشعب.
النجف: حسن الجواهري
(لغة العرب) للشيخ عبد المولى الطريحي العلامة مقالات كثيرة في إدارتنا منذ نحو أكثر من سنة. ولكن كثرة ما عندنا حال حتى الآن دون نشرها. وله في (أبو ذية) أبيات أخرى وقد أجاد في انتقائها وشرحها بيد أننا ننتظر فرصة لنشرها؛ إلا أن هذا التأخير لا يقلل شيئا من عظيم شكرنا له وطلب العذر من عدم نشرها حتى الآن.
وبعد أن ندرج المقالة التي أشرنا إليها لا نذكر بعدها ما يكون في هذا الموضوع لكثرة ما عندنا منه بل إذا أراد أحد الكتبة أن يجيل يراعته في ميدان الشعر العامي فليكن من الأنواع الأخرى ليكون عندنا أمثلة متنوعة لمختلف القصيد العامي ولهذا نرجو من أرباب الأقلام أن لا يعودوا إلى موضوع (أبو ذية) لأننا نطرح مقالهم بين المهملات. ولا لوم علينا بعد ذلك. إذن لينتبه الغافلون.