الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النسخة وإما لقرب بلخ من استراباد أو لمناسبة غير معلومة لنا فنسب إليها. هذا ما ظهر لي وفوق كل ذي علم عليم.
وإذا عثرت على فوائد غير هذه في ترجمته وترجمة أبي محمد عبد الله المروزي المحشي اذكرها لكم والسلام.
زنجان (إيران):
أبو عبد الله الزنجاني
الشعر والشاعر
من حديث بين مراسل (لغة العرب) والأستاذ الدكتور أبي شادي
س - تعلمون حضرتكم أن (لغة العرب) احتفت بآثار قلمكم كما احتفت بها كبريات الصحف والمجلات في العالم العربي وكثيرون من المستشرقين فهل لكم أن تجيبوني بصراحتكم المعهودة كما تجيبون صديقا مخلصا على ما سأوجهه إليكم من أسئلة أدبية قد ينتفع الأدباء من إجابتكم عليها؟
ج - بكل ارتياح.
س - إذن فإني مشتاق إلى معرفة مبلغ ميلكم إلى الأدبيات بالنسبة إلى العلميات وهل تؤثرون الانقطاع إلى الأدب؟
ج - لقد تخصصت لعلم الجراثيم أو البكتريولوجية بعد إتمام دراستي الطبية، ولي شغف عظيم به، ولا يخفى على حضرتكم أن لطائفة من العلوم ارتباطا وثيقا بعضها ببعض، ولهذا دعتني محبتي لعلم الجراثيم إلى العناية بعلوم أخرى وبينها علم الابقلطوية أو تربية النحل الذي أسست من أجله في إنكلترا سنة 1919، أثناء إقامتي الطويلة، نادي النحل الدولي المسمى وكذلك مجلة (عالم النحل - ولثبت رئيسا لقلم تحريرها الدولي سبع سنوات. فمن هذا تدرك مبلغ عنايتي بالشؤون العلمية التي تخصصت لها، والتي لن يحولني عنها شيء ما دمت
في عافية أما ميلي إلى الأدبيات فيرجع إلى عوامل وراثية والى استمتاعي بالأدبيات كرياضة ذهنية نفيسة بين شواغلي ومتاعبي الكثيرة. فإذا كنت قد أفدت بها المجتمع كما أفدت نفسي فهذا رد دين علي وتوفيق من الله. أني على كل حال اقدر أن علي واجبات كأديب نظير ما علي من الواجبات كرجل علم واحسب أني أفهم شيئا عن وحدة الحياة واشعر أن الفارق بين العلميات والأدبيات فارق وهمي ولذلك لا أوثر الانقطاع إلى الأدب.
س - إنكم بتصريحكم هذا تخالفون المألوف من رأي، إذ الشائع أن تكون الحياة العلمية بمعزل عن الحياة الأدبية، ومن الناس من يرى أن توزيع الجهود يذهب بالإتقان. فما قولكم في ذلك؟
ج - لقد أحببت سابقا على بعض ملاحظتكم هذه وأزيد على ذلك أني أستمد من حياتي العلمية غذاء لنفسي الأدبية كما أستمد نظير ذلك من مشاهداتي ومطالعاتي وخبرتي وولوعي بالطبيعة، وليس يعنيني رأي فريق مغرض من الناس يود تثبيط همة الأديب العالم، كأنما الأدب مقصور على غير أهل العلم وكان الأولى بهم تشجيعه لو اخلصوا حقا للأدب، أليس الأولى بالأدباء أن ينتظم في سلكهم رجال العلم والطب والفلسفة والحكمة من انتظام العاطلين العابثين؟ ولا يخفى عليك أن الأدب طبع وسجية وموهبة ولا شأن له بالإرادة والرجل الذي بتكوينه وفطرته أديب لا تستطيع قوة أن تصده ولا أن تقهر نزعته وملكته الأدبية. فليس كل منتسب إلى العلم جديرا بأن ينتسب إلى الأدب أيضاً لأن المسألة كما قدمت لك مسألة طبيعة واستعداد فطري. ولا يخفى عليكم أن تخصص الإنسان لعلم من العلوم لا يحول دون إتقانه رياضة أو أكثر. ومن الناس من يتقن اتقانا تاما أكثر من صناعة واحدة. فما يتشدق به بعض الناس من هذا القبيل كثيرا ما يرجع إلى عوامل الحسد أو الغفلة أو الجهل.
س - وما هي العوامل الوراثية التي تنسبون إليها تكوينكم الأدبي أصلا؟
ج - أريد بها التأثير الوراثي أولاً عن والدي محمد أبي شادي بك فقد كان
كاتبا وخطيبا مشهورا، كما كان صحفيا معدودا في زمنه، ونقيبا للمحامين بمصر، وسياسيا معروفا، وشاعرا أدبيا، وكانت والدتي السيدة أمينة نجيب أديبة مطلعة شاعرة وكان خالي مصطفى بك نجيب شاعرا وكاتبا قديرا من أقران البارودي وإسماعيل صبري، ويشهد بمنزلته شوقي بك وخليل بك مطران وحافظ بك إبراهيم وتيمور باشا وغيرهم من كبار معاصريه، كما شهد أيضاً صديقاه مصطفى كامل باشا ومحمد فريد بك. وكما تشهد آثار يراعته رغم الكثير المفقود من نفحات أدبه فإلى هؤلاء أدين بتكويني الأدبي أولاً، وإن دنت بعد ذلك للبيئات الأدبية التي امتزجت بها بكثير من الفضل علي.
س - وما هذه البيئات الأدبية التي انتفعتم بها وتشيرون إليها؟
ج - هذه أولاً البيئة الصحفية التي كنت أجوس خلالها في طفولتي الأدبية، فكان لها أثر عظيم في نفسي لعله كان سابقا لأوانه فقد كان والدي يصدر صحيفة (الظاهر) اليومية المشهورة في عهدها وصحيفة (الإمام) الأسبوعية الأدبية وسواهما كما كان ينشر نخبة من
كتب الأدب القديمة (كثمار القلوب) للثعالبي وغيره فهيأ لي ذلك أسباب الاتصال بمشهوري الكتاب والشعراء سواء في دار عمله (حيث ترى الآن إدارة مجلتي (الزهراء) و (الفتح) أو خارجها. وأذكر بين محرري صحفه الأستاذ محمد كرد علي والشيخ عبد القادر المغربي والأستاذ أحمد رفعت والأستاذ محمد حسين كما أذكر بين نوابغ الشعراء شوقي بك والأستاذ أحمد محرم وخليل بك مطران على الأخص، ولمطران في نفسي منزلة وأثر عظيم طول هذا الزمن (22 سنة) لم يزعزعه حادث ولا اغتراب ولا نضج ذهني وشاعريتي.
وثانيا البيئة الأدبية الإنكليزية التي عشت فيها عشر سنوات وكنت أحرر وأراسل في غضونها طائفة من الصحف الإنكليزية بين يومية وأسبوعية فيما يخص المسائل المصرية وشؤون الأدب العربي فضلا عن مراسلة الصحف المصرية (كالمؤيد) و (العلم) و (الشعب) و (الأهالي) وغيرها.
وثالثا البيئة العلمية الطبية التي وسعت مجال تأملاتي وأبحاثي وتعمقي الفكري.
وهذا يذكرني بأبياتي عن (المجهر) حيث أخاطبه بقولي:
صحبتك عمرا في وفاء ومتعة
…
فكنت لفني ملهما ولأفكاري
فكم من بيان لاح لي منك مرشدا
…
وكم من معان قد وهبت وأسرار
ويذهل قوما أن يحبك شاعر
…
وما عرفوا فني الدقيق وأشعاري
ففي كل مرأى لي سؤال ومبحث
…
وللغيب نزاع الحنين وأوطاري
أرى فيك سر العيش والموت معلنا
…
مرارا، وآلام الوجود بتكرار
ويا رب خيط عد جرثوم قوة
…
تناولت منه الوحي والأمل الساري
وآخر قد عدوه بؤسا وشقوة
…
دعاني إلى فحص التعاسة والعار
فمثلك أستاذ للبي وخاطري
…
وأكبر فنان يخص بإكبار
ولست جمادا من نحاس ومجمع
…
من العدسات الهاتكات لأستار
إذا قلت كان القول للعقل حجة
…
ولولاك ما أعتز الطبيب ولا الداري
وان لم تبح حيرت فكرا منقبا
…
وحينا بمحض الصمت تفصح عن واري
فيا قوم صفحا. . . لا تعيبوا الذي يرى
…
وينظم ما يلقى بدائع للقاري!
وسيان جاءت من صخور كئيبة
…
أو الطرب الزاهي بضاحك أزهار
وسيان من شلال نهر ممرد
…
أو المجهر الهادي البخيل على الزاري
فذا عالم فيه الفنون مشاعة
…
وما حيلتي إن كنت اعشق أسفاري
وأقرأ شتى من حقائق مثلما
…
أصوغ من الآثار أروع آثاري؟!
وأظن أن هذه الأبيات التي تراها أمامك مطبوعة منذ زمن (وقدم لي كتابا نقديا لشعره وعنه أنقل) تغنيني عن زيادة الكلام والشرح. وتبرهن لك على أن
عقيدتي هذه ليست بنت اليوم.
س - هل لك أن تفيدني إذن متى بدأت تنظم الشعر؟ وكيف تدرجت في نظمه؟
ج - كل ذلك منذ 24 عاما وأنا في طفولتي تقريبا وكنت شغفا بقريبة لي نشأت معها فأنطقني حبها لأول مرة أبياتا أولها:
نشأت وقلبي يصبو لك
…
وإني ريعت على حبك!
وهذه الأبيات منشورة على ما أظن في كتاب حداثتي الأدبية، منذ عشرين عاما تقريبا. وقد أخذ شعري يستوي منذ سنة 1910 وزاده نضجا ما انتابني من محن نفسية رغم صغري. ولما رحلت عن مصر في إبريل سنة 1912م. قاصدا إنكلترا لإتمام دراستي وهربا من البيئة الجانية على صباي نظمت قصيدة عواطف ووطنية أودع بها مصر، نشر (المؤيد) معظمها وقلت في مستهلها:
آن الرحيل فلا جواب لداع
…
حتى أتم لها مقال وداعي
وأسطر العهد الذي إن فاتني
…
يوما رعايته قصفت يراعي
في العيش أم في الموت ما بين المنى
…
واليأس أذكرها بقلب واع
ستعيش أوطان يحقق عيشها
…
وتموت أوطان بسعي الناعي
يا من يخاف علي أن تؤدي النوى
…
بعظيم تحناني لها ودفاعي
أنا لست من ينسى الوفاء وإن تكن
…
عقباه أوجاعا على أوجاعي
أنا من طهارة ذمتي وسريرتي
…
كالحق معتصم وراء قلاع
وقد كانت لحياتي في أوربة واطلاعي على الأدب الغربي فضلا عن معيشتي زمنا في ريف إنكلترا وحبي للجمال الطبيعي ما استمر على تكييف أدبي عامة وشعري خاصة والسير به نحو الأصلح. ولكني ما زلت غير راض عن جهدي، وما أظن أني سأرضى عنه تمام الرضاء في يوم ما.
س - ما هي أحب الموضوعات إليك لتنظم فيها؟
ج - من الشاق علي أن أجيب على هذا السؤال، ولكني أصدقك القول إذا جاهرتك بأني لا أنظم مطلقا في أي موضوع لا تندفع نحوه عواطفي، سواء
كان هذا الموضوع بمحض اختياري أو مقترحا علي.
فكل ما أنظم فيه من وصف وغزل وبحث وفلسفة وتأبين وغير ذلك قريب إلى نفسي لأنه منتزع منها وإن يكن بعضه صادرا عنها في أحوال هدوئها وتأملها والبعض الآخر صادرا عنها في أثناء ثورتها وانفعالها.
س - وكيف تطبق تفسيرك هذا على ما تنظمه من روايات غنائية وقصص مثلا؟
ج - إني لم انظم شيئا من هذا القبيل لم ترتح إليه نفسي غاية الارتياح من قبل، وعند نظمي استمد من اختباراتي وعواطف حبي السابق ومشاهداتي وغير ذلك من ذخيرتي الذهنية ما يعينني على اختيار التعابير والألفاظ المناسبة وتصوير المواقف المطلوبة، فليس للصناعة أثر في ذلك وإنما الفضل يعود إلى تذكاراتي النفسية وتجاريبي وتأملاتي في الحياة.
س - وما هي أحسن الأوقات لديك لقرض الشعر؟
ج - كثيرا ما استطبت النظم عند الفجر أو في سكون الليل، وكثيرا ما استطبته أثر انفعال شديد ترويحا عن نفسي، وكثيرا ما استعذبته إثر راحة، وكثيرا ما شكرت للشعر فضله علي حينما أحس بانقباض وإعياء وبدلا من الانتفاع بالهدوء حينئذ فإن النظم يكاد يذهب بتعبي! ومن هذا ترى إنه من الصعب علي الإجابة على سؤالك، فإن قرض الشعر لمثلي رياضة نفسية والهام، ومتى جاش في صدري في أي وقت فليس في إمكاني حبسه، وإلا شعرت بانقباض شديد وألم دفين واعتلت صحتي.
س - وكيف إذن تنظم الشعر؟
ج - قبل النظم تتشبع نفسي بموضوعه وتتألف في ذهني وحدته وحينئذ أبادر إلى النظم، وسواء تم ذلك في جلسة أو أكثر فلا يمكنني التوقف الطويل ولا أحس براحة قبل الفراغ مما اعتزمت نظمه وعادتي في نظم القصيد إتمام نظمي في جلسة واحدة، إذ ما دمت متشعبا من موضوعي فإني اعتبر الأصلح لمثلي الكثير الشواغل اجتناب التسويف منعا
لتشتت ذهني، ودفعا لضياع ما في خاطري من معان وتأملات، خصوصا وإن لدي من المتاعب والمشاغل ما يستنفذ مني
يوميا نحو 14 ساعة.
س - وكيف تجدون إذن الهمة والوقت لقرض الشعر؟
ج - للأسباب التي قدمتها لك وهي لا أنظر للنظم الشعري كعمل بل كرياضة نفسية، ولست أنا الذي أتصيد القوافي والبحور بل هي التي تتبعني وتفيض من وجداني فيضا لا قبل لي بدفعه وحبسه. واقرب الأمثلة لذلك نظمي معظم القصة الغنائية (أردشير) في قطار الليل بين القاهرة والإسكندرية بصحبة الأديب يوسف أفندي أحمد طيرة حيث لم انم قط وكنت في شدة التعب، ورغم ذلك فكان لي في النظم انس وغذاء لنفسي، وكان نظم (أردشير) من أحسن ما أخرجت للأدباء. ولو كنت من ينظر لنظم الشعر كعمل مجهد شاق لما تمكنت من أداء واجبي الأدبي فأعمالي العلمية كثيرة ومسؤولياتي جمة متنوعة.
س - وهل لي أن اسأل حضرتكم عمن تعدونه بين شعراء العربية أعلاهم كعبا في جملة مواهبه وآثاره؟
ج - أعتبر خليل بك مطران ذلك الشاعر.
س - وما رأيكم في شوقي بك؟
ج - شوقي بك شاعر عظيم بمجموع أثره. ولكن الجانب الخلقي منه أفسد شاعريته في الزمن الأخير فتأخر هو وتقدم سواه. وهو في نظري أعذب الشعراء لفظا وأجرئهم تعبيرا ووثبة متى أطلق لنفسه العنان، ولكنه للأسف يرسف في قيود الشهرة وحب التهليل من جانب المحافظين.
س - وما رأيكم في حافظ بك إبراهيم؟
ج - شاعر جليل أيضاً بمجموع أثره، وله أكبر فضل بين الشعراء على النهضة القومية المصرية. ومن وجهة مواهبه الشعرية فهي في نظري أقل من مواهب شوقي بك لأنه بسليقته أقرب إلى الناقد الاجتماعي منه إلى الشاعر. وهو بعبادته للألفاظ يسيء إلى أدبه كما لا يجاري النهضة التجديدية.
س - وما الذي تقترحونه من الوسائل لإقالة الشعر العربي من عثرته؟
ج - أقترح أولاً: أن تعنى الصحافة الأدبية المستقلة بتنشيط الشعراء المجتهدين بغض
النظر عن مبلغ شهرتهم، لأن الذي يهمني هو الأثر الأدبي وحده
لا أسم صاحبه، ومن مصلحتنا الأدبية تعميم هذا المبدأ.
وثانيا إيجاد روابط قومية وروابط عامة - عن طريق الأندية والمجلات الشعرية - بين شعراء العربية جملة، مما يعين على تبادل المعارف والمودة بينهم بدل ما هم عليه الآن من تنابذ وتحاسد ممقوت.
وثالثا: أن يتذرع المجددون من الشعراء بكل شجاعتهم الأدبية فيسيروا في طريق الإصلاح بغير توان من غير أن يلتفتوا إلى الأوهام النقدية التي يوسوس بها المحافظون الجامدون من كتاب وشعراء لا يرضيهم ظهور عناصر جديدة ناهضة بينما كل نقدهم دليل على بلادتهم الذهنية: فمن اعتراض على كلمة. إلى تهكم بمعنى شعري لا تفهمه أذهانكم الكليلة، إلى غير ذلك من العبث النقدي الذي لا جدوى منه، وإنما كل ما ينشدونه من ورائه تثبيط همم المصلحين الناهضين والنيل من سمعتهم حسدا وغيرة.
س - وهل تعبرون من التجديد استعمال اللغة العامية كما هو الشائع الآن في نظم الكثيرين من الشعراء وفي صحف ومجلات مصرية مشهورة؟
ج - كلا! وقد حكمت ضمنا بسؤالك هذا على من يلجئون إلى العامية في نظمهم بينما يدعون الغيرة على العربية فغيرتهم نظرية فقط بينما هم عمليا يحكمون على العربية بالعجز عن مجاراة الروح العصرية سواء في الشعر الغنائي أو في غيره وهكذا يجنون عليها شر جناية من حيث لا يشعرون. أما مذهبي فاستعمال السلس المصقول من الكلمات والتعابير المولدة الجميلة في شعري ونثري وبذلك أساعد على إنماء ثروة اللغة وأبطل حجة من يعتذرون بضرورة الالتجاء إلى العامية في النظم الغنائي والنظم القصصي على الأخص. أني لشديد الحرص على مراجعة المعجم عند الفراغ من النظم، فما تراه في نظمي من كلمات وأساليب عصرية مولدة مقصودة لذاتها للأسباب المتقدمة.
س - وهل ترون للأوبرات (أو العبرات كما يسميها العلامة الأب الكرملي) بما لكم من الأسبقية والخبرة في التأليف في مصر وغيرها من الديار العربية؟
ج - أني لا أستطيع الحكم على غير مصر من الممالك العربية، وإن كان المعقول أن تنتشر بينها في المستقبل تدريجيا عوامل الثقافة الحديثة المشتركة
ومنها التمثيل الغنائي،
وأشير بصفة خاصة إلى العراق وسوريا، وأما في مصر ففرقة الأوبرا الوطنية العامة في الوقت الحاضر هي فرقة السيدة منيرة المهدية فقط. وهذا أمر يؤسف عليه لأننا في حاجة إلى أكثر من فرقة، وأذكر منذ شهور أني شافهت الآنسة أم كلثوم على أثر حفلة في نادي موظفي الحكومة بالإسكندرية عن حاجتنا إليها على المسرح الغنائي بدل (التخت) الذي لا اعتبره لائقا بها، ولا بغيرها من شهيرات مغنياتنا، ولكننا لا نزال حتى الآن محرومين هذه الأمنية. بيد أن للأوبرا مستقبلا مرجوا في مصر لأن الشعب المصري شعب طروب يحب الشعر والغناء، فيمكن استثمار نزعته هذه لتهذيبه عن طريق الفناء إذا قام الشعراء المؤلفون بواجبهم القومي.
س - وما نصيحتكم إلى من يحاولون التأليف الغنائي من الشعراء الناشئين؟
ج - لابد لمؤلف الأوبرا من اطلاع على الأدب المسرحي ومن ميل خاص إلى الشعر الغنائي، وقد أشرت إلى ذلك بإسهاب في مقال (الأوبرا والأدب المصري) المنشور في ذيل الأوبرا (إحسان) فلا حاجة بي للأثقال عليك بالشرح الطويل، ويكفي أن تطلع عليه ولاسيما إنه موضوع طريف في الأدب العربي.
س - تشجعني إجابتكم هذه على سؤالكم عن النقط التي تراعونها مراعاة خاصة في نظم قصصكم الغنائية، فهل تتفضلون بإجابتي؟
ج - أراعي أولاً اختيار موضوع تاريخي أو عصري أو خرافي يكون مناسبا في الوقت ذاته لتضمينه شيئا من الدعوة التهذيبية أو الوطنية أو العواطف الإنسانية. أراعي في نظمي التنويع واختيار الأوزان الغنائية والابتداع فيها عند الاقتضاء. وأراعي في الكلمات المنظومة انسجام مخارج الحروف وتناسبها وعصرية الألفاظ بقدر الطاقة بحيث لا تنبو عن الأسماع. وفي هذه الحدود اترك لنفسي الحرية في رسم الصور الشعرية والتعبير عما يستثار من عواطفي بكل ما أستطيع من قوة. ويسرني أن يرضى على الأخص مثل الملحن المصري الشهير الأستاذ الدكتور أحمد صبري عن خطتي هذه وإن يقدر آثارها. غير أني أرجو بمرور الزمن أن أوفق للتقدم المستمر في عملي هذا، وحسبي الآن وضعي أساس تأليف الأوبرات باللغة العربية ووضعي طائفة منها، وهذا مما يهون جهد