الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس: شبهات حول النسخ ودحضها
علمت أنّ القول بإثبات النّسخ ووقوعه في كتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، هو الّذي كان عليه سلف الأمّة وأئمّتها، وذلك بدلالة الكتاب والسّنّة، وتقدّم من البراهين على ذلك ما فيه الكفاية، وأنّ القول بنفي وجود النّسخ مذهب شاذّ ظهر متأخّرا، ثمّ لا يكاد يذكر في أهل الإسلام على مرّ العصور إلّا عن نفر قليل.
ويعود هذا المذهب إلى شبهات تعلّق كلّ قائل بشيء منها، ولا يهمّنا ما شبّه به اليهود وأصحاب الضّلالة من الكفّار، إنّما يجدر التّنبيه على طرف تعلّق به الأفراد الّذين أنكروا النّسخ من أهل الإسلام كبعض أهل زماننا، حسبوها غيرة على القرآن؛ لأنّ طريقة المكثرين من مدّعي النّسخ قد آذتهم، ونحن نوافقهم في دفع الغلوّ في دعوى النّسخ، ولكنّنا ننكر عليهم المصير إلى جحد النّسخ؛ لأنّ ذلك إذا سلم لهم بالتّحريف لتفسير آية ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو آية وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً، فإنّه لا مفرّ من صحيح السّنن المتواترة عن عهد النّبوّة، وقد سبق ذكر كثير منها في تفاريع موضوع النّسخ، وتركنا منها غيرها ممّا يتعلّق
بوقائع النّسخ؛ لأنّه ليس من موضوع هذه المقدّمة استيعاب ما وقع فيه النّسخ من القرآن.
فمن جحد النّسخ ممّن أشرت إليه فهو ممّن لا خبرة له بالسّنن
ولا اشتغال بتمييز صحيحها من سقيمها، ففسّر القرآن بمجرّد رأيه فزلّت قدمه، وجحد معلوما.
وخذ طرفا ممّا شبّه به هؤلاء ملحقا ببيان فساده، ومن قولهم طرف مدرك الفساد ممّا تقدّم، وطرف بيّن الضّعف أعرضت عنه:
الشّبهة الأولى: القول بالنّسخ يوجب إبطال بعض القرآن، وهذا خلاف قوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصّلت: 42]، والمعنى: أنّ نصوص القرآن وأحكامه لا تبطل أبدا.
ولعلّ هذه الشّبهة أقدم ما اعترض به على موضوع النّسخ.
وأقول: هذا اعتراض بفهم لا بنصّ، يوجب إبطال جميع ما تقدّم ذكره من أدلّة إثبات النّسخ ووقائعه، وكان الأولى بقائله أن يفهم الآية على معنى يتلاءم مع تلك الأدلّة بدلا من العدو عليها بالإبطال، فيصير إلى ما فرّ منه.
الآية نفت الباطل عن كتاب الله وآياته، وليس من ذلك النّاسخ والمنسوخ، فكلاهما حقّ، لا يوصفان بالباطل، إنّما الباطل ما يكون من قبل الخلق لا من قبل ربّ العالمين، تعالى وتقدّس، ولا يزعم قائل بالنّسخ أنّ النّسخ يجوز بغير ما أنزل الله.
فالتّعلّق بهذه الآية لنفي النّسخ اعتداء على القرآن، وتنزيل له على غير مواضعه، فإنّ الله حين نفى تطرّق الباطل لكلامه من جهة من
الجهات، علّل ذلك بكونه تنزيله ووحيه، وما النّاسخ والمنسوخ إلّا من ذلك، فهو
حقّ أبدل بحقّ لحكمة، وهو قبل النّسخ وبعده كلام الله الّذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، كما قال: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النّحل: 101 - 102].
الشّبهة الثّانية: قوله تعالى: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الإسراء: 86 - 87].
تعلّقت بهذا طائفة أنكرت منسوخ التّلاوة، قالوا: في الآية دليل أنّ الله لم ينس نبيّه صلى الله عليه وسلم شيئا ممّا أوحاه إليه؛ لأنّه لو وقع فهو ذهاب بما أوحى إليه.
وأقول: هذا تعلّق أوهى من سابقه، مردود بقوله تعالى:
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (6) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: 6 - 7]، وبما ثبت من الأخبار الصّحاح أنّ الله تعالى أنزل قرآنا ثمّ رفعه.
وصحّ من حديث عبد الرّحمن بن أبزى: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى في الفجر، فترك آية، فلمّا صلّى قال:«أفي القوم أبيّ بن كعب؟» ، قال أبيّ: يا رسول الله، نسخت آية كذا وكذا أو نسّيتها؟ قال:«نسّيتها» (1).
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (24/ 80 رقم: 15365) والبخاريّ في «القراءة وراء الإمام» (رقم: 129) والنّسائيّ في «فضائل الصّحابة» (رقم: 136) وابن خزيمة (رقم: 1647) من طريق سفيان الثّوريّ، حدّثنا سلمة بن كهيل، عن ذرّ، عن سعيد بن عبد الرّحمن بن أبزى، عن أبيه، به.
قلت: وهذا إسناد صحيح. وروي بإسناد سفيان بزيادة (عن أبيّ) في آخره، ولا أثر لذلك، وذرّ هو ابن عبد الله المرهبيّ.
ففي هذا زيادة على ما تقدّم ذكره في هذه المقدّمة تؤكّد أنّ رفع الآية بعد إنزالها كان أمرا معلوما على عهد التّنزيل، وأنّه يقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأمّا المعنى في هذه الآية، فكما قال ابن جرير:«إنّه جلّ ثناؤه لم يخبر أنّه لا يذهب بشيء منه، وإنّما أخبر أنّه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب به والحمد لله، بل إنّما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أنّ ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه، وقد قال الله تعالى ذكره: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى 6 إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ، فأخبر أنّه ينسي نبيّه منه ما شاء، فالّذي ذهب منه الّذي استثناه الله» (1).
الشّبهة الثّالثة: قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ 9 [الحجر: 9]، قالت طائفة: لم ينزل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرآن إلّا ما بين اللّوحين؛ لهذه الآية،
فأنكروا منسوخ التّلاوة.
وأقول: إنّما يصحّ هذا لو ادّعى أحد النّسخ بغير ما أنزل الله، أو جوّزه بعد عهد التّنزيل، ولا يقول بهذا أحد، والله تعالى قد حفظ القرآن من أن يرد عليه تبديل أو تغيير حتّى من جهة نبيه صلى الله عليه وسلم، أمّا هو سبحانه فإنّه يفعل ما يشاء، كما قال: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [يونس: 15].
(1) تفسير ابن جرير (1/ 479).
الشّبهة الرّابعة: أنكرت طائفة منسوخ التّلاوة بزعمهم أنّه لم يأت إلّا من طريق روايات آحاد، وهذا الفريق لا ينكر مبدأ النّسخ أصلا، إنّما ينكر هذا النّوع خاصّة بهذه الدّعوى.
وجواب ذلك: أنّ الأحاديث المنقولة في هذا قد استفاضت بالأسانيد الصّحيحة، وكثرتها على طريقة طائفة من أهل العلم يثبت بها التّواتر، مثل آية الرّجم.
فإذا ضممت إلى ذلك السّلامة من الدّليل المعارض لم يحلّ إلّا تصديق تلك الأخبار والإيمان بمقتضاها.
والعجب أنّ أصحاب هذه الدّعوى يصيرون إلى ما دون خبر الواحد الصّحيح في كثير من استدلالهم ممّا يوافق أهواءهم، فإذا جاء ما لا يأتي على مرادهم قالوا:(خبر واحد)، كما أنّ الخلق الأعظم منهم- كما أسلفت- لا خبرة له بالحديث، فيطّلع في المسألة على الحديث الفرد ويفوته سائر ما جاء فيها، بل ربّما فاته من ذلك الصّحيح الثّابت ولم يقف إلّا على الضّعيف الواهي.
والواجب على العالم الانتهاء إلى السّنن الثّابتة، فهو خير من رأي هؤلاء وإن شبّهوا له بالقرآن، فإنّ الآية قد يحتمل لفظها المعاني، فتأتي السّنن الثّابتة على إزالة الاشتباه وتحرير المراد.