الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التّوبة: 80]»، فصلّى عليه، فنزلت: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [التّوبة: 84](1).
واعلم أنّ القسمين من التّنزيل ما كان منهما لسبب وما كان لغير سبب جمعهما النّزول للحاجة، إذ جميع القرآن لهداية المكلّفين وإرشادهم إلى خير الدّنيا والآخرة، الأمر الّذي لا سبيل لهم إليه إلّا به، كما قال الله تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [سبأ: 50].
المبحث الثاني: الطريق إلى معرفة سبب النزول
يعرف سبب نزول الآية بطريق النّقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أصحابه.
واعلم أنّ قول الصّحابي: (نزلت هذه الآية في كذا) بمنزلة الحديث المرفوع إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وإن لم يذكر فيه النّبيّ صلى الله عليه وسلم، كحديث أبي مسعود الأنصاريّ، رضي الله عنه، قال:
لمّا أمرنا بالصّدقة كنّا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إنّ الله لغنيّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا
(1) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: 1210، 4393، 4395، 5460) ومسلم (رقم: 2400، 2774).
الآخر إلّا رئاء، فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ الآية [التّوبة: 79](1).
لكن يلاحظ: حين يقول صحابيّ: (نزلت هذه الآية في كذا)، ويقول آخر:
(نزلت في كذا) ويذكر أمرا آخر؛ أنّ سبب النّزول منهما أقربهما في سياقه لإفادة ذلك من غير تأويل، ويكون الثّاني قصد إلى مجرّد التّفسير في أنّ هذا الأمر الّذي ذكر مندرج حكمه تحت هذه الآية.
مثل حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال:
سألت- أو سئل- رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الذّنب عند الله أكبر؟
قال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «ثمّ أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك» ، قال: ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان: 68](2).
(1) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: 1349، 4391) ومسلم (رقم: 1018).
(2)
حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: 4483، 5655، 6468، 7094) ومسلم (رقم: 86).
مع حديث عبد الله بن عبّاس، رضي الله عنهما:
أنّ ناسا من أهل الشّرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا، فأتوا محمّدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنّ الّذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفّارة، فنزل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان: 68]، ونزل: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزّمر: 53](1).
فهذان الحديثان جميعا صحيحان من جهة النّقل، واختلفا في الظّاهر في بيان السّبب الّذي نزلت لأجله الآية، فطريق التّوفيق بينهما أنّك لو تأمّلت أقربهما في إفادة السّببيّة وجدتها أظهر في حديث ابن عبّاس، فإنّه صريح في نزول الآية جوابا لسؤال النّفر من أهل الشّرك عن كفّارة أعمالهم.
أمّا حديث ابن مسعود فليس فيه من المناسبة بين سياق الحديث ونزول الآية غير ما جاء فيها من موافقة القرآن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بلازم من تلك الموافقة أن تكون الآية نزلت بخصوصها، وإنّما وجد ابن مسعود اندراج الحكم المذكور فيما حدّث به النّبيّ صلى الله عليه وسلم في جملة الآية، ولا ريب أنّها نزلت في إفادة ذلك الحكم والدّلالة عليه، فهو استدلال بعموم الآية من قبل ابن مسعود.
(1) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: 4532) ومسلم (رقم: 122).