الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها 24 [محمّد: 24]، وقال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ 17 [القمر: 17]، ولو كان أكثره من سائر الأقسام لما جاز معه أن يتوجّه الخطاب في هذه الآيات وشبهها إلى جميع المكلّفين، إذ لا يؤمر الجميع بتدبّر ما يتوقّف معرفة معناه على علم الخاصّة.
3 - التّفسير الّذي يعلمه العلماء
.
وهو ما يتعدّى فهمه ومعرفته الدّلالة القريبة من الألفاظ ممّا يشترك فيه الخاصّة والعامّة، ويتوقّف على تحصيل مقدّمات من الدّراية والعلم والآلة، ممّا سنأتي على بيانه إن شاء الله.
4 - التّفسير الّذي لا يعلمه إلّا الله
.
يراد به متشابه القرآن الّذي مهما أعملت فيه العقول فإنّها لا تصل إلى حقيقته، وذلك مثل ما أخبر عنه القرآن من الغيوب، كالخبر عن الله عز وجل وأسمائه وصفاته كعلمه وتقديره وتدبيره، فنحن ندرك معاني الألفاظ التي ورد بها القرآن في ذلك، كما نميّز الفرق بينها من خلال اختلاف دلالاتها في اللّسان، كالفرق بين السّمع والبصر، وندرك أثر ذلك في العبوديّة لله، فنعلم أنّ الله يسمع سرّنا ونجوانا، ولا تحول الحجب دون رؤيته، لكنّا لا ندري كيف يسمع وكيف يبصر، كما لا نعلم كيف هو تبارك وتعالى، إذ لا مثال يقاس به، ولا فكر يحيط به وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه: 110]، و (ما خطر ببالك، فليس الله كذلك)، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: 11].
فتفسيرنا لذلك لا يتجاوز معنى اللّفظ وتمييز الفرق بينه وبين سواه باستعمال العرب مع تنزيه الربّ عن مشابهة الخلق، دون تجاوز.
ومثله تفسير وقت قيام السّاعة، أو تعيين أوقات ظهور الآيات، كطلوع الشّمس من مغربها، والدّابّة.
فالخوض في ذلك خوض فيما لا منفعة فيه، والسّعي وراءه سعي وراء سراب، بل قد يصير بصاحبه إلى الخروج عن الصّراط المستقيم، كما وقع من طوائف أخطأت في أبواب الصّفات والقدر واليوم الآخر وغيرها.
وهذا ما يشير إليه القرآن في قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: 7].
كما صحّ من حديث عائشة، رضي الله عنها، قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ (فذكرت الآية إلى آخرها)، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الّذين يتّبعون ما تشابه منه، فأولئك الّذين سمّى الله فاحذروهم» (1).
(1) متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: 4273) ومسلم (رقم: 2665).
ويلاحظ دلالة الآية على قلّة ما فيه التّشابه من آي الكتاب ممّا لا يعلم تأويله إلّا الله، وجعل أمّ الكتاب أي معظمه محكمات تدرك معانيها، وينبني عليها عمل.
واعلم أنّ الابتلاء بالمتشابهات إنّما هو لاختبار الإيمان والتّصديق، ولذا قال سبحانه: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، وهذا هو قدر التّكليف الّذي يتّصل بها.
ويتّجه أن يكون من ذلك الحروف المقطّعة في أوائل بعض السّور، فإنّه لم يوقف على حقيقة المراد بها، وخوض من خاض في تفسيرها تكلّف ليس وراءه كبير منفعة، غاية ما يقال كرأي كثيرين: إنّها للتّنبيه على عربيّة هذا القرآن، حيث جاء نظمه مؤتلفا من حروف كلامهم، ولذا يأتي في أكثر المواضع ذكر الكتاب بعدها.
ونفت طائفة أن يكون في القرآن ما لا سبيل إلى العلم به، قالوا:
لأنّ الله أنزل هذا القرآن للتّدبّر، فكيف يقع فيه ما يستأثر الله بعلمه؟
والصّواب أنّه لا منافاة بين التّدبّر وإدراك معنى اللّفظ ودلالته بل وبناء الاعتقاد أو العمل على مقتضاه، وبين تعذّر إحاطة العلم بذلك، فإنّ الله تعالى قد عرّفنا بنفسه في كتابه وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم بما أخبرنا به من أسمائه وصفاته، وما أمرنا بتدبّره من آياته وآثار أفعاله، مع احتجابه عنّا، فعرفناه وآمنّا به دون أن نحيط به علما، ولم يكن ممّا أراد منّا في خطابه أن نتتبّع ما لا