الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذه يا رسول الله؟ قال: «لمن عمل بها من أمّتي» .
وفي رواية: فقال رجل من القوم: يا نبيّ الله، هذا له خاصّة؟
قال: «بل للنّاس كافّة» (1).
المبحث الخامس: فوائد معرفة أسباب النزول
معرفة أسباب نزول القرآن من الأسباب الّتي لا يستغني عنها المتدبّر لكلام الله تعالى، وفيها من الفوائد شيء عظيم، فمن ذلك:
إدراك حكم التّشريع، ومعرفة مقاصد الشّريعة، وكيف أنّ الأحكام الشّرعيّة كانت تأتي مناسبة للواقع، ومسايرة للحدث، ومحقّقة ومستوفية حاجة المكلّف.
فتدلّك أسباب النّزول على أن القرآن لم ينزل لتلتمس بتلاوته البركة وإن كان فيه أعظم البركات، وإنّما نزل قانونا للحياة، تضبط به المعاملات من بيوع ونكاح وطلاق وأقضية وميراث، كما تضبط به العبادات من طهارة وصلاة وصيام، وغير ذلك، ليس للفرد خاصّة، بل للمجتمع والدّولة كذلك.
(1) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: 503، 4410) ومسلم (رقم: 2763)، والرّواية الثّانية لمسلم وحده.
معرفة الوجه الّذي يكون عليه معنى الآية.
وهذا يعني أنّ معرفة السّبب أصل في تفسير الآية، ولذلك يهتدي به المفسّرون لإدراك معاني القرآن.
وتأمّل ذلك فيما حدّث به حميد بن عبد الرّحمن بن عوف: أنّ مروان (هو ابن الحكم) قال: اذهب يا رافع (لبوّابه) إلى ابن عبّاس فقل: لئن كان كلّ امرئ منّا فرح بما أتى وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبا لنعذّبنّ أجمعون، فقال ابن عبّاس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنّما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثمّ تلا ابن عبّاس: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ هذه الآية [آل عمران: 187]، وتلا ابن عبّاس: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [آل عمران: 188]، وقال ابن عبّاس:
سألهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إيّاه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إيّاه ما سألهم عنه (1).
وأراد ابن عبّاس أنّ هذه الآية الّتي استدلّ بها مروان لما قال إنّما هي متّصلة بالآية الّتي قبلها، وهي قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ فهؤلاء أهل الكتاب، ووجه الذّمّ لهم أنّهم
(1) حديث صحيح. متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: 4292) ومسلم (رقم:
2778).