الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحاصل هذا المبحث ممّا تقدّم من الاستدلال قبل: وجوب قراءة القرآن بالتّجويد.
المبحث الثالث: كيف تضبط تلاوة القرآن
؟
القراءة بالتّجويد تتمّ بمراعاة القواعد الّتي وضعت من قبل الأئمّة القرّاء، وصنّفت فيها المصنّفات، مع الاستعانة ما أمكن بأخذها عن صاحب دراية ومعرفة من القرّاء المتقنين للتّلاوة بتلك القواعد، ولا يجوز للمسلم أن يفرّط في ذلك ما وجد إليه سبيلا، فإن عجز اجتهد في الضّبط بما تيسّر له، بالسّماع من قارئ متقن بواسطة الوسائل السّمعيّة الحديثة، أو
بأخذه من الكتب والرّسائل الّتي ألّفت فيه.
يريد ابن كثير أنّه معذور إذا بذل جهده بما يمكنه فقرأ القرآن بعد ذلك وأخطأ في التّلاوة.
وهذا القول وسط صواب، فإنّ الله تعالى يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: 286]، وصحّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قوله:
«الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والّذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاقّ له أجران» (2).
فبيّن صلى الله عليه وسلم أنّ من بذل وسعه مجتهدا في إتقان التّلاوة ولم يساعده لسانه
(1) فضائل القرآن لابن كثير (ص: 490 - الملحق بآخر تفسيره).
(2)
حديث صحيح. متّفق على أصله: أخرجه البخاريّ (رقم: 4653) ومسلم (رقم:
798)، واللّفظ له، وسيأتي لفظ البخاريّ في (ص: 436).
على إخراجها على وجوهها، إذ التّعتعة عسر في النّطق ومشقّة، فهذا مأجور من جهتين: على اجتهاده في طلب الصّواب، وعلى نفس تلاوته.
وصحّ عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال:
خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابيّ والأعجميّ، فقال:«اقرءوا، فكلّ حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح، يتعجّلونه ولا يتأجّلونه» (1).
فالأعجميّ ربّما لم تساعده لغته ولسانه على أن يعطي كلّ حرف حقّه ومستحقّه، ومع ذلك يثني النّبيّ صلى الله عليه وسلم على جلوسه لقراءة القرآن، لا ينقص حسن عمله ذلك عن حسن عمل من كان معه من العرب
الفصحاء، ويحثّه النّبيّ صلى الله عليه وسلم على التّلاوة وإن كانت عجمته لا تساعده على الإتقان، وإنّما ذلك لصحّة المقاصد من أولئك المجتمعين، ولذا ذمّ بمقابلهم القرّاء المتكلّفين لإقامة الألفاظ حتّى إنّ أحدهم ليحرص على الدّقّة في أدائه يقيم الحرف كإقامة السّهم من القوس، لكنّهم يبتغون به الدّنيا.
(1) حديث صحيح. أخرجه سعيد بن منصور في «فضائل القرآن» من «سننه» (رقم:
31) وأحمد (رقم: 15273) وأبو داود (رقم: 830) وجعفر الفريابيّ في «فضائل القرآن» (رقم: 174) والآجرّي في «آداب حملة القرآن» (ص: 156 - 157) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: 2642) من طريق حميد بن قيس الأعرج، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر، به.
قلت: وإسناده صحيح، ولم ينفرد به حميد، كما سأذكره (ص: 487)، كذلك له شواهد تزيد في صحّته، ولا يضرّه إرسال من أرسله، كما بيّنته في موضع آخر.