الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
ما ورد في التّوقيت لم يكن لبيان أقصى ما يختم به القرآن، بحيث لا يصلح الختم فيما زاد عليه، وإنّما كان توجيها لعبد الله بن عمرو بن العاص للتّأنّي في تلاوة القرآن وأخذ النّفس بالرّفق في ذلك، ممّا دلّ على أنّ تلك التّوجيهات أحسن ما ينبغي أن يراعى في تلاوة القرآن، كما سنبيّنه.
4 -
وبيّنت فيما تقدّم قريبا أنّه لا يجب على المعيّن من المسلمين أن يقرأ كلّ القرآن، وإنّما يكفيه منه ما تصحّ به الصّلاة، ويغنيه لمعرفة أحكامه أهل العلم الّذين من وظيفته أن يشارك في إيجادهم.
فهذه اعتبارات واضحة في أنّ من لم يختم القرآن في مدّة معيّنة أربعين يوما أو ستّين أو غير ذلك ليس بآثم، وليس بهاجر للقرآن ما دام عاملا به: مؤتمرا بأمره، منتهيا عن نهيه، حافظا لحدوده.
واجعل من سبيلك أن لا تسمّي الأشياء إلّا بما سمّاها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم به، ولا تستعملها إلّا حيث استعملها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، تسلم بذلك من خطأ كثير.
المبحث السابع: ما جاء في نسيان الحفظ للقرآن
بيّنت في (المبحث الرّابع) من هذا الفصل ترغيب السّنّة في حفظ القرآن، وذلك وارد على كلّه أو بعضه.
ودلالة ذلك التّرغيب إفادة أنّ حفظ القرآن مندوب إليه محبوب إلى الله
تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أنّ هذا كاف لأصحاب الهمم العالية أن يشمّروا لأجله عن سواعدهم، ويشغلوا به فضلة أعمارهم.
كما بيّنت أنّ الحفظ يزول بترك معاهدته، يضعف بقلّتها، فيقتضي إبقاؤه أن يديم صاحبه تلاوته آناء اللّيل والنّهار.
وأحسن ما يثبّت حفظ القرآن: الصّلاة به، وأحسنه صلاة اللّيل.
واعلم أنّ حفظ القرآن وتثبيت ذلك الحفظ من جملة العمل الصّالح الّذي ينبغي للعاقل أن يقايسه بسائر الأعمال، فيقدّم عليه من الأعمال الصّالحة ما هو أولى منه، كالواجبات وما هو أجلّ منه من الطّاعات، فإنّ حفظ القرآن كما قدّمنا مندوب إليه، ليس بواجب، فلو
شغل بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أو بالجهاد في سبيل الله، أو طلب العلم، أو كسب الرّزق، ممّا لم يجد معه سعة من الوقت وفضلة لحفظ القرآن أو بعضه ممّا يزيد على الواجب منه، فينبغي أن يقدّم ذلك الأولى على الحفظ.
وأولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أعلم بمراتب الثّواب، فمع شدّة تمسّكهم بالكتاب، إلّا أن حفظ القرآن كان في طائفة قليلة منهم (1).
(1) عن محمّد بن سيرين، قال:«مات أبو بكر ولم يجمع القرآن» . أخرجه ابن سعد (3/ 211) بإسناد صحيح إلى ابن سيرين، لكنّه لم يدرك أبا بكر.
وأخرج كذلك (3/ 294) بنفس الإسناد إلى ابن سيرين، قال:«قتل عمر ولم يجمع القرآن» . وهذا كالّذي قبله.
والمعنى فيه أنّهما رضي الله عنهما لم يحفظا القرآن كلّه إلى أن فارقا الدّنيا.
قال خالد بن الوليد، رضي الله عنه:«لقد شغلني الجهاد في سبيل الله عن كثير من قراءة القرآن» (1).
وكذلك من حفظ شيئا منه، أو حفظه، فذهب عليه شيء من حفظه لانشغاله بالأولى، فلا حرج عليه، ولو وقع فوات بعض حفظه بتفريط منه، فهذا مكروه قبيح، عليه أن يجتهد في مجانبته؛ لما تقدّم بيانه من الحثّ النّبويّ على تعاهده ومراجعته، وإن كنّا لم نجد في النّصوص الثّابتة ما نؤثّمه به.
أمّا ما يروى من الوعيد في ذلك فلا يثبت منه شيء، وفيه حديثان:
الأوّل: «عرضت عليّ ذنوب أمّتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثمّ نسيها» (2).
(1) أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: 189) قال: حدّثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: قال خالد، به.
قلت: وهذا إسناد صحيح، وابن أبي زائدة هو يحيى بن زكريّا.
(2)
حديث منكر. أخرجه أبو داود (رقم: 461) والتّرمذيّ (رقم: 2916) وابن خزيمة (رقم: 1297) والبيهقيّ في «شعب الإيمان» (رقم: 1966) والخطيب في «أخلاق الرّاوي» (رقم: 83) وابن عبد البرّ في «التّمهيد» (14/ 135 - 136) من طريق عبد الوهّاب بن الحكم الورّاق، قال: حدّثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن ابن جريج، عن المطّلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«عرضت عليّ أجور أمّتي حتّى القذاة يخرجها الرّجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمّتي
…
» وذكر باقي الحديث.
قال التّرمذيّ: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، وذاكرت به محمّد =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بن إسماعيل (يعني البخاريّ) فلم يعرفه، واستغربه» ثمّ نقل عن عليّ بن المدينيّ والدّارميّ عدم سماع المطّلب من أنس، ومعناه عن البخاريّ.
قلت: لهذا الحديث علل، أولاها: ابن جريج لم يذكر سماعا، وهو قبيح التّدليس، إنّما يدلّس عن المتروكين. وثانيها: ما أورده التّرمذيّ عن الأئمّة من عدم سماع المطّلب من أنس. وثالثها: الاختلاف فيه، فكما رأيت رواه الورّاق عن عبد المجيد، ورواه محمّد بن يزيد الأدميّ، قال: حدّثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، قال حدّثنا ابن جريج، عن الزّهريّ، عن أنس، به مرفوعا.
أخرجه أبو الشّيخ في «طبقات الأصبهانيين» (رقم: 635) والطّبرانيّ في «الصّغير» (رقم: 538) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2/ 11 - 12) من طريقين عن الأدميّ.
للآدميّ موافق على هذا الإسناد، لكنّ الطّريق إليه واه.
أخرجه الخطيب في «أخلاق الرّاوي» (رقم: 84) من طريق محمّد بن إبراهيم بن زياد، قال: حدّثنا محمّد بن رباح، قال: حدّثنا عبد المجيد، به.
ابن زياد هذا هو الطّيالسيّ الرّازيّ متروك الحديث ليس بثقة.
قلت: لا مؤاخذة فيه على الأدميّ، ولا على الورّاق، فكلاهما ثقتان، وإنّما هذا من اضطراب عبد المجيد، فإنّه كان يخطئ في حديثه. وخالفه من هو أتقن منه:
فأخرج الحديث عبد الرّزّاق (رقم: 5977) - ومن طريقه: الخطيب (رقم: 82) - عن ابن جريج، عن رجل، عن أنس. وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: 201): حدّثنا حجّاج (هو ابن محمّد الأعور)، عن ابن جريج، قال: حدّثت عن أنس، به.
قلت: وعبد الرّزّاق وحجّاج ثقتان حافظان، وهما أولى من عبد المجيد، وزادا الإسناد علّة. =
= وزاد حجّاج في روايته: قال ابن جريج: وحدّثت عن سلمان الفارسيّ أنّه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أكبر ذنب توافي به أمّتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها» .
قلت: وإسناده معضل.
ورواه بعض من لا يعرف، بإسناد آخر عجيب لا يشكّ من الحديث صناعته أنّه مركّب موضوع، وذلك من طريق حاجب بن سليمان المنبجيّ، حدّثنا وكيع بن الجرّاح، حدّثنا سفيان، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، به مرفوعا.
أخرجه أبو الفضل الرّازيّ في «فضائل القرآن» (رقم: 5).
فهذا إسناد بالقدر الّذي ذكرناه منه: حاجب ثقة، ومن فوقه شرط الصّحيح، ولكن تسلسل إسناد الرّازيّ إلى حاجب برواة لا يعرفون.
فهذه جميع طرق هذا الحديث، وقد بدا لك منها العور.
وقال ابن عبد البرّ بعد حديث أنس: «ليس هذا الحديث ممّا يحتجّ به لضعفه» .
وروى ابن أبي شيبة (رقم: 29989) قال: حدّثنا وكيع، عن إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت عليّ الذّنوب، فلم أر فيها شيئا أعظم من حامل القرآن وتاركه» .
قلت: وهذا معناه فيه بعض اختلاف عن الحديث السّابق، وهو ضعيف جدّا، إبراهيم بن يزيد هو المعروف ب (الخوزيّ) متروك الحديث، والوليد من أتباع التّابعين وقد رفع الحديث، وهذا إعضال.
(1)
حديث منكر. رواه يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن سعد بن عبادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره. =
وهذان الحديثان لو ثبتا لكان معنى النّسيان فيهما الإعراض عن العمل لا نسيان الحفظ؛ لما شرحناه قبل؛ ولأنّ حفظ الآية أو السّورة عن ظهر قلب ليس بواجب، فكيف يكون فواتها بالنّسيان الّذي لا ينفكّ عنه البشر أعظم الذّنوب؟ فأين النّفاق والموبقات وسائر الكبائر، وكلّها توجد في الأمّة؟ هذا ممّا لا يجري على الأصول، ولا ينضبط مع صريح المعقول.
ولم يجعل الله العصمة من نسيان بعض حفظ القرآن حتّى لرسوله صلى الله عليه وسلم، فكيف بسائر أمّته؟ كما قال تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (6) إِلَّا
ما شاءَ اللَّهُ* [الأعلى: 6 - 7]، هذا مع ما آتاه الله من جمع القرآن له في صدره، كما قال:
= أخرجه عبد الرّزّاق (رقم: 5989) وأبو داود (رقم: 1474) والخطيب في «أخلاق الرّاوي» (رقم: 85) وابن عبد البرّ في «التّمهيد» (14/ 131 - 132).
وقال مرّة: عيسى بن فائد عن رجل عن سعد، ومرّة: عيسى عمّن سمع سعدا.
أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: 29986) وسعيد بن منصور في «فضائل القرآن» من «سننه» (رقم: 18) وأحمد (5/ 284، 285) والدّارميّ (رقم: 3219) وأبو عبيد في «الفضائل» (ص: 202) و «غريب الحديث» (3/ 48) وعبد بن حميد (رقم:
306) والحربيّ في «غريب الحديث» (2/ 428) والبزّار (رقم: 1642 - كشف) وابن نصر في «قيام اللّيل» (ص: 162) والطّبرانيّ في «الكبير» (رقم: 5390، 5391، 5392) والبيهقيّ في «الشّعب» (رقم: 1969، 1970) وأبو الفضل الرّازيّ في «الفضائل» (رقم: 1) والخطيب في «أخلاق الرّاوي» (رقم: 86).
قلت: وإسناد هذا الحديث ضعيف جدّا تسلسل بعلل ثلاث: يزيد بن أبي زياد ضعيف الحديث، وعيسى قيل فيه: ابن فائد، وقيل: ابن لقيط، مجهول، وواسطته إلى سعد مجهولة.
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ 19 [القيامة: 16 - 19]، فدلّ بطريق الأولى على أنّ الواحد من أمّته صلى الله عليه وسلم معذور بما يقع له من تفلّت الحفظ؛ لكون ذلك ممّا طبع عليه الإنسان فلا طاقة له إلى التّحرّز منه، ومن فضل الله على هذه الأمّة أن وضع عنها الإثم بالنّسيان.
وبيّن الإمام سفيان بن عيينة المراد بالنّسيان في ذينك الحديثين أنّه التّرك، كما قال تعالى: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [الجاثية: 34]، قال:«وليس من اشتهى حفظه وتفلّت منه بناس له، إذا كان يحلّ حلاله، ويحرّم حرامه؛ لأنّ هذا ليس بناس له، ولو كان كذلك ما نسّى النّبيّ عليه السلام منه شيئا، وقد نسّى، وقال: ذكّرني هذا آية نسّيتها (1)، وقال الله عز وجل: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (6) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: 6 - 7]، فلم يكن الله لينسي نبيّه عليه السلام والنّاسي كما يقول هؤلاء الجهّال!» (2).
فإن قيل: المراد بالذّمّ والوعيد ترك تعاهد الحفظ.
قلنا: بيّنّا أنّ ذلك التّعاهد مندوب، إذ الحفظ في أصله مندوب
إلّا لما
(1) يريد حديث عائشة، رضي الله عنها، قالت:
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في سورة باللّيل، فقال:«يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا» .
متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: 2512، 4750، 4751، 4755، 5976) ومسلم (رقم: 788).
(2)
أخرجه ابن عبد البرّ في «التّمهيد» (14/ 132 - 133).
تصحّ به الصّلاة، فلا تنتقل مذاكرته إلى الوجوب، وإنّما كرهنا أن يفرّط فيما حفظ، لكثرة ما يفوته من الفضل بفواته.
وقد وجدت طائفة من أفاضل العلماء يوردون الحرج على كثير من عامّة المسلمين بهذين الحديثين، وربّما حال ذلك دون إقبال بعض النّاس على حفظ القرآن؛ خوفا من الوعيد الوارد فيهما، ففاتهم بسببه خير عظيم.
والّذي نحثّ عليه كلّ مسلم أن يهتدي بهدي أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حفظهم للقرآن، كمّا وكيفا، استظهارا لألفاظه وفهما لمعانيه وعملا بأحكامه وشرائعه، وأن يقدّم الاعتناء بالتّدبّر والعمل على مجرّد استظهار حفظه، فذلك الغرض الّذي لأجله أنزل القرآن، وإنّما يراد الحفظ ليستعان به على هذا الغرض، لا للاستكثار والمباهاة وأن يقول النّاس:
(فلان حافظ)، نسأل الله العافية في الدّنيا والآخرة.
تذييل: وتثبيت حفظ القرآن يكون بامتثال الأمر النّبويّ بتعاهده، وسؤال الله تعالى التّوفيق والعون على ذلك.
أمّا ما يروى ممّا يسمّى ب (صلاة حفظ القرآن) فهو بدعة غير مشروعة، إذ الرّواية فيها ساقطة موضوعة، وهي أربع ركعات تؤدّى ليلة الجمعة، وتقرأ فيها سور معيّنة، ويقال فيها دعاء مخصوص، وتكرّر في أسابيع (1).
…
(1) وردت هذه الصّلاة في حديث طويل، روي من حديث عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، بيّنت وهاءه في «علل الحديث» .