الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإعراب، واختلاف التّصريف، والتّقديم والتّأخير، والاختلاف بالإبدال، والزّيادة والنّقص، واختلاف اللهجات بالتّفخيم والتّرقيق.
والرّاجح من هذه المذاهب المذهب الأوّل
.
وذلك أنّ الأحاديث المتواترة الواردة فيه والّتي هي طريقنا لإثبات الأحرف السّبعة، بيّنت بوضوح أنّه اختلاف حروف لا اختلاف معاني، مقصود به رفع الحرج عن التّالين من أصحاب الألسنة المختلفة، والإنسان قد يجري في استعماله لفظ (هلمّ) مثلا بدل (أقبل) ويجده بالاعتياد أيسر عليه، فرفع الحرج في مثل ذلك بنزول القرآن على الحروف المختلفة الجارية في الاستعمال ما دام المعنى متّفقا غير متخالف، ومنه كذلك تقديم لفظ أو تأخيره والمعنى متّحد.
وهذا يبيّنه بوضوح حديث أبيّ بن كعب، رضي الله عنه، قال:
قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: «بلى» ، فقال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ فقال: «بلى، كلاكما محسن مجمل» قال: فقلت له، فضرب صدري، فقال: «يا أبيّ بن كعب، إنّي أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو على حرفين؟ قال: فقال الملك الّذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقال: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الّذي
معي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، حتّى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلّا شاف كاف، إن قلت:(غفورا رحيما) أو قلت:
(سميعا عليما) أو قلت: (عليما سميعا) فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب» (1).
أراد صلى الله عليه وسلم أنّ اختلافهما حين اختلفا في القراءة لم يكن عن تضادّ، فإنّ القرآن أنزل على هذا الوجه وعلى هذا، وما دام الوجهان متّفقين كالتّقديم والتّأخير في المثال المذكور، أو التّنويع فيه بذكر لفظ بدل لفظ، واللّفظان لشيء واحد؛ فليس في هذا من بأس.
ولم يرد صلى الله عليه وسلم التّرخيص بأن يبدل التّالي باجتهاده لفظا بلفظ، وإنّما هذا مثل للتّقريب، وأنت تلاحظ في صدر الحديث أنّ أبيّا وابن مسعود إنّما قرآ بما أقرأهما النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا باجتهادهما.
والشّاهد في هذا الحديث لما قصدناه ظاهر، وهو عود اختلاف الأحرف السّبعة إلى هذا المعنى.
ومثاله في مجيء القراءة النّبويّة بمثل هذه الصّورة؛ ما جاء من حديث
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (5/ 124) وأبو داود (رقم: 1477) وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (5/ 124) والطّحاويّ في «مشكل الآثار» (رقم:
3112، 3113) من طرق عن همّام بن يحيى، قال: حدّثنا قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد، عن أبيّ بن كعب، به.
قلت: وهذا إسناد صحيح.
وللحديث طرق كثيرة استوعبت شرحها وبيان درجاتها في كتاب «طرق حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف» .
عقبة بن عامر، رضي الله عنه، قال:
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية في خاتمة النّور وهو جاعل إصبعيه تحت عينيه، يقول:«بكلّ شيء بصير» (1).
والّذي في المصحف: بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النّور: 64].
ويزيد هذا القول قوّة المأثور من قراءة جماعة من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك:
1 -
عن عبد الرّحمن بن حاطب، عن عمر:
أنّه صلّى العشاء الآخرة، فاستفتح آل عمران، فقرأ:(الم. الله لا إله إلّا هو الحيّ القيّام)(2).
(1) حديث حسن. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: 308) والطّبرانيّ في «الكبير» (17/ 282) من طرق عن عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة، به.
قلت: وإسناده حسن، رواه عن ابن لهيعة من متثبّتي أصحابه أبو الأسود النّضر بن عبد الجبّار، وابن لهيعة إذا روى عنه متثبّت وليس في حديثه ما ينكر فحديثه حسن، وسائر الإسناد ثقات.
(2)
أثر صحيح. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: 296) قال: حدّثنا حجّاج، عن هارون بن موسى، عن محمّد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرّحمن بن حاطب، عن أبيه، به.
قلت: وهذا إسناد حسن، وحجّاج هو ابن محمّد الأعور، وهارون هو النّحويّ من القرّاء، ورجال الإسناد ثقات سوى ابن علقمة، فهو صدوق حسن الحديث.
وقد تابعه محمّد بن إسحاق، عند ابن أبي داود في «المصاحف» (ص: 51 - 52).
وذكره البخاريّ في «صحيحه» (4/ 1872) تعليقا.
والّذي في المصحف: الْقَيُّومُ [آل عمران: 2].
2 -
وعن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال:
لقد توفّى الله عمر، رضي الله عنه، وما يقرأ هذه الآية الّتي
ذكر الله فيها الجمعة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إلّا (فامضوا إلى ذكر الله)(1).
والّذي في المصحف: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: 9].
3 -
وعن أبي رزين مسعود بن مالك الأسديّ، قال:
(1) أثر صحيح. أخرجه ابن جرير (28/ 100) قال: حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر، أنّ عبد الله قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح كالشّمس، وابن وهب هو عبد الله، وشيخه يونس بن يزيد الأيليّ.
وأخرجه الشّافعيّ في «الأمّ» (1/ 196) أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزّهريّ، بالإسناد نحوه.
وعلّقه البخاريّ في «صحيحه» (4/ 1858) بصيغة الجزم.
في قراءة عبد الله (يعني ابن مسعود): (وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم قبله)(1).
والّذي في المصحف: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: 150].
إلى أمثلة أخرى مرويّة عنهم، تدلّ جميعا على أنّ ذلك من تلك الأحرف الّتي قرأ عليهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ترى بين شيء منها وبين ما في المصحف مخالفة في المعنى.
أمّا الأقوال الأخرى فضعفها بعد هذا ظاهر، فهي مع مخالفتها لما ذكرت من الأدلّة فإنّ كلّا منها لا يخلو من ضعف في نفسه:
فالقول الثّاني يردّه أنّ عمر وهشاما اختلفا في الحروف وكلاهما قرشيّ.
والقول الثّالث يردّه أنّ الأحرف السّبعة بدلالة النّصوص الواردة فيها إنّما هي بقراءة الكلمة الواحدة على وجهين فأكثر، والكلمة الواحدة لا تكون أمرا ونهيا وحلالا وحراما ومحكما ومتشابها ومثلا، بل في هذا ضمّ النّقيض إلى النّقيض.
(1) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» (ص: 56) قال: حدّثنا شعيب بن أيّوب، حدّثنا يحيى، حدّثنا مفضّل بن مهلهل، عن الأعمش، قال:
كان أبو رزين من القرّاء الّذين يقرأ عليهم القرآن، أظنّه قال: وتؤخذ عنهم القراءة، قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات ولا علّة له، ويحيى هو ابن آدم.
وروي في الحديث ما يشهد لهذا المذهب، لكنّه لا يثبت من جهة الإسناد (1).
والقول الرّابع يردّه وجود أكثر هذه الوجوه في المصحف العثمانيّ الّذي عليه قراءات القرّاء، مع أنّ جمع عثمان رضي الله عنه إنّما كان في الإبقاء على حرف من السّبعة وما
كان منها موافقا للرّسم دون سائرها، وذلك درءا للفتنة باختلاف الحروف، فإن كانت تلك الحروف لا زالت جميعا موجودة في المصحف فلا معنى إذا لما صنع عثمان.
كما تردّه الأحاديث المفسّرة في الأحرف السّبعة، كحديث أبيّ بن كعب المتقدّم.
والمقصود بهذه المسألة تبيين كون القرآن أنزل على سبعة أحرف، وأنّها جميعا قرآن أنزله الله تعالى.
ولكن اعلم أنّ هذا الأمر قبل المصحف العثمانيّ، فإنّ تلك الأحرف كانت معروفة لأصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، أمّا بعده فإنّ النّاس لم يبق لهم طريق لتمييز تلك الأحرف إلّا بالمقدار الّذي تضمّنه المصحف العثمانيّ، فما لم يكن فيه، فهو حتّى لو ثبت به الإسناد فيجوز عليه من الاحتمال ما يمنع القطع بكونه لم يزل قرآنا، لجواز أن يكون من المنسوخ تلاوة، والعلّة ورود نقله بطريق الآحاد، وما في المصحف منقول بطريق التّواتر.
(1) روي من حديث ابن مسعود، وإسناده ضعيف، شرحت علّته في الكتاب المذكور آنفا حول هذا الحديث.
وهذا أبيّ بن كعب رضي الله عنه كان له مصحف كتبه لنفسه ممّا أقرأه النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان فيه ما ليس في مصحف الجماعة من اختلاف الأحرف وزيادة المنسوخ (1)، فلو قبلنا الشّيء من ذلك وصيّرناه كالقرآن الّذي في المصاحف فقد نضيف إلى القرآن ما نسخت تلاوته.
ومجرّد اتّفاق مصحف الجماعة على عدم ذكر هذا الحرف أو ذاك دليل كاف على احتمال النّسخ لذلك الحرف.
كما يرد عليه احتمال الوهم على الرّاوي، وإن ضعف، بخلاف نقل الجماعة، فهو مقطوع به.
وسيأتي التّنبيه على صلة الأحرف السّبعة بالقراءات السّبع.
…
(1) سيأتي ذكر أمثلة لذلك في (المقدّمة الرّابعة).