الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: تاريخ التفسير
المراد بهذا الفصل ذكر المراحل التّاريخيّة الّتي مرّ بها اعتناء الأمّة بتفسير القرآن، لنعرف من خلالها مواردنا لهذا العلم العظيم، فإنّنا في الوقت الّذي نؤكّد فيه على ذمّ
التّقليد، وندعو إلى التّجديد والرّجوع إلى منابع هذا الدّين الصّافية، نقوم على أسس مستقرّة في الأعماق لا نخشى معها زلزلة العواصف، بخلاف من يقدم على تفسير القرآن وهو يبذر في تربة سبخة، ويسقي بماء ملح، كشرذمة لا يكاد يخلو منهم زمان بعد خير القرون، يريدون الإبداع- زعموا- دون تاريخ، ويدّعون التّجديد دون قديم، ولا يبدع من لا تاريخ له، ولا يجدّد من لا أصل له.
المبحث الأول: التفسير في عهد الصحابة
كان الصّحابة في عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا جاء الوحي من السّماء انتظروا بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفسيره فيما يحتاج إلى شرحه وبيانه، وربّما عمدوا إلى التّبيّن منه فيما يستشكل، كما ذكرت آنفا بعض الأثر فيه.
كما أنّه صلى الله عليه وسلم قد أباح لهم أن يفهموا القرآن؛ لأنّ الآلة كانت متحصّلة لهم، وصوّب لهم خطأهم فيما يخطئون فيه، دون أن يلوم أحدا منهم أو يؤاخذه
على فهمه، كما في قصّة نزول قوله تعالى:
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: 82]، حين شقّ ظاهرها على النّاس حتّى كشف لهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن معناها (1)، وكما في قصّة عديّ بن حاتم عند نزول: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: 187](2).
ولمّا كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، فقد كان مرجعهم في تبيين الكتاب، ولم يكونوا يصدرون عن سواه فيه، فقد كفاهم.
أمّا بعده صلى الله عليه وسلم، فقد اتّسعت البلاد، ودخل النّاس في الإسلام أفواجا، ودخلت العجمة، فاحتاج المسلمون لشرح ما لم يكن الصّحابة في عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم بحاجة إلى شرحه من القرآن والسّنّة، ففزعوا إلى خلفاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم في العلم من بعده من أصحابه، والّذين صاروا أئمّة النّاس في شرائع الدّين وعنهم يصدرون، وبرز فيه منهم خلق كثير، هؤلاء رءوسهم:
أبو بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان،
وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عبّاس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأبو موسى الأشعريّ، ومعاذ بن جبل، وأبو الدّرداء،
(1) حديث صحيح. تقدّم ذكره بتمامه وتخريجه (ص: 299).
(2)
حيث قال عديّ: لمّا نزلت (وذكر الآية)، عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في اللّيل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال:«إنّما ذلك سواد اللّيل، وبياض النّهار» . متّفق عليه: أخرجه البخاريّ (رقم: 1817، 4239، 4240) ومسلم (رقم: 1090).
وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأمّ سلمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهم.
وسيّد المفسّرين لمن بعده من هؤلاء الأئمّة: حبر الأمّة وترجمان القرآن ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، رضي الله عنه، فإنّه لم ينقل عن أحد من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم في التّفسير أكثر ممّا نقل عنه.
وما آتاه الله من العلم بالقرآن إنّما حصل له ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له، فقد صحّ عنه أنّه قال:«اللهمّ فقّهه في الدّين، وعلّمه التّأويل» (1).
وقد كان مقدّما على أقرانه عند أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، حتّى كان يجعله في العلم في مصافّ البدريّين مع صغر سنّه (2).
وكان فقيه الصّحابة عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، يقول:
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (رقم: 2397، 2879، 3032، 3102) وابن سعد (2/ 365) وابن حبّان (رقم: 7055) والحاكم (رقم: 6280) وغيرهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، به.
تابعه داود بن أبي هند عن سعيد بن جبير، عند الطّبرانيّ (رقم: 10614).
وأصله في «الصّحيحين» ، وقد فصّلت القول في طرقه في «علل الحديث» .
(2)
تقدّم حديث ابن عبّاس في ذلك (ص: 74 - 75).
(3)
أثر صحيح. أخرجه ابن سعد (2/ 366) وابن أبي شيبة (12/ 111) وأحمد في «الفضائل» (رقم: 1562، 1863) وابن جرير (1/ 40) وغيرهم بإسناد صحيح.
وقال الإمام مجاهد المكّيّ تلميذ ابن عبّاس وخرّيجه: «كان ابن عبّاس إذا فسّر الشّيء رأيت عليه نورا» (1).
كذلك فيمن تقدّم ذكره من الصّحابة إمامان يعرف لهما الرّسوخ في فهم القرآن وتفسيره، هما:
أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، فإنّ بعض العلماء قدّمه في التّفسير على ابن عبّاس، وقال: ابن عبّاس إنّما أخذ عن عليّ (2)، ولهذا احترزت بقولي آنفا في
ابن عبّاس: (سيّد المفسّرين لمن بعده) أن يكون سيّد المفسّرين من الصّحابة مطلقا، وإنّما العبرة بحسب ما ورثه المسلمون من تفسير ابن عبّاس وما ورثوه من تفسير عليّ في القلّة والكثرة.
وكان عليّ يقول: «سلوني عن كتاب الله، فإنّه ليس من آية إلّا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل» (3).
(1) أثر صحيح. أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد الفضائل» (رقم: 1935) بإسناد صحيح.
(2)
انظر: «البرهان» للزّركشيّ (2/ 157). وما صحّ عن عكرمة مولى ابن عبّاس، قال:«كان ابن عبّاس أعلم بالقرآن من عليّ، وكان عليّ أعلم بالمبهمات من ابن عبّاس» . أخرجه ابن سعد (2/ 367) ويعقوب بن سفيان (1/ 495، 527). فإنّ عكرمة صحب ابن عبّاس، ولم يدرك عليّا، وإنّما بلغه الشّيء عنه.
(3)
أثر صحيح. أخرجه ابن سعد (2/ 338) من طريق معمر، عن وهب بن أبي دبّيّ، عن أبي الطّفيل، عن عليّ. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات جميعا.