الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفاوتت في مقادير المدّ والإشباع وشبه ذلك.
وما زاد على تلك المراتب في أداء اللّفظ فهو خروج عن صفة التّلاوة المشروعة، ودخول في جملة التّكلّف المذموم.
وكان الإمام حمزة بن حبيب الزّيّات أحد أئمّة القراءة السّبعة وهو ممّن اشتهرت قراءته بالتّحقيق في الأداء، يقول:«إنّ لهذا التّحقيق منتهى ينتهي إليه، ثمّ يكون قبيحا، مثل البياض له منتهى ينتهي إليه، وإذا زاد صار برصا، ومثل الجعودة لها منتهى تنتهي إليه، فإذا زادت صارت قططا» (2).
المبحث الخامس: الوقف والابتداء
هذا العلم آلة المتدبّرين لكلام ربّ العالمين، ومعرفته على وجهه تكشف للتّالي من أسرار القرآن شيئا عجبا، فتبرز له من جلاله وجماله ومعانيه
(1) النّشر (1/ 213).
(2)
السّبعة، لابن مجاهد (ص: 77).
وبيانه ما لا يدرك له حدّا ولا يحصي له عددا.
والمراد ب (الوقف) قطع الآية بالصّمت الّذي يرجع معه إليك النّفس، و (الابتداء) استئناف القراءة بعد ذلك القطع.
و (الوقف) يقع من التّالي اختيارا، كما يقع منه اضطرارا.
و (الوقف الاضطراريّ) ليس مرادا هنا، لعدم دخوله تحت إرادة التّالي، كالوقف لانقطاع النّفس.
وأصل تشريع الوقف والابتداء سنّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقد دلّ عليه حديثان:
الأوّل: عن أبيّ بن كعب، رضي الله عنه، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال:
«يا أبيّ بن كعب، إنّي أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو على حرفين؟ قال: فقال الملك الّذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقال: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الّذي معي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، حتّى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلّا شاف كاف، إن قلت:(غفورا رحيما) أو قلت: (سميعا عليما) أو قلت:
(عليما سميعا) فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب» (1).
هذا الحديث وإن كان مورده في أمر آخر، لكنّه دلّ على أنّ ما أفسد المعنى من التّلاوة فصيّر آية الرّحمة آية عذاب، وآية العذاب آية رحمة، فليس بشاف ولا كاف، وخروج بالقرآن عمّا أنزل عليه.
(1) حديث صحيح، تقدّم تخريجه في المقدّمة الأولى (ص: 79).
ومثال هذا في باب الوقف والابتداء: أن يقرأ قوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [فاطر: 7] ويقف، أو يقرأ: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ [الرّعد: 18] ويقف.
فمن فعل ذلك فقد واقع المحذور المذكور في الحديث؛ لما أفسد بوقفه من المعنى.
وأولى من هذا بالإنكار الوقف على مثل قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا ثمّ البدء بقوله: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ [آل عمران: 181].
والحديث الثّاني: عن أمّ سلمة، رضي الله عنها، قالت:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطّع قراءته، يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 2* ثمّ يقف، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* ثمّ يقف (1).
وهذا الحديث نصّ في الوقوف على رءوس الآي، وهو اختيار طائفة من أئمّة القراءة يستحبّون الوقف عليها؛ لمجيء الفاصلة القرآنيّة في موضع تمام المعنى.
قال الإمام أبو عمرو الدّانيّ: «وممّا ينبغي له أن يقطع عليه رءوس الآي، لأنّهنّ في أنفسهنّ مقاطع، وأكثر ما يوجد التّامّ فيهنّ؛ لاقتضائهنّ تمام الجمل، واستيفاء أكثرهنّ انقضاء القصص، وقد كان جماعة من الأئمّة
(1) تقدّم تخريجه (ص: 140).