الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتموا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سألهم وأجابوه بغيره معجبين بما صنعوا، مظهرين للنّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهم أعطوه ما أراد، يرجون بذلك ثناءه عليهم ومدحه لهم.
ولم يرد ابن عبّاس أن يجعل الآية مقصورة عليهم، فإنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب، وإنّما بيّن لمروان غلطه باستعماله عموم اللّفظ دون مراعاة سبب النّزول في فهم ذلك العموم، فالآية عامّة فيمن صنع صنيع أولئك اليهود، والله إنّما ذكر نبأهم للاعتبار، لكن ذلك الاعتبار يجب أن يراعى فيه مورد الآية، اتّقاء لتنزيل النصّ في غير محلّه.
المبحث السادس: وجوب التحقق من صحة السبب
لما تقدّم بيانه من أثر معرفة أسباب نزول القرآن على فهمه على أفضل وجه وأتمّه، فإنّه يجب التّحرّي في ثبوت ذلك، واعلم أنّ الغلط يرد في هذا من جهة تحديث الإنسان بكلّ ما يبلغه، وكفى بالمرء إثما أن يحدّث بكلّ ما سمع دون أن يتحقّق من صحّة ذلك.
مثل ما حدّث به يوسف بن ماهك، قال: كان مروان على
الحجاز استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرّحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا، فقال مروان: إنّ هذا الّذي أنزل الله فيه: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي [الأحقاف: 17]، فقالت عائشة من وراء
الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلّا أنّ الله أنزل عذري (1).
فجائز أن يكون مروان بلغه مثل ذلك عن عبد الرّحمن بن أبي بكر أنّ هذه الآية نزلت فيه، وجائز أن يكون قاله من قبل نفسه، فأنكرت ذلك أمّ المؤمنين عائشة رضي الله
عنها، تقول: نحن ذرّيّة أبي بكر ما أنزل الله في أحد منّا ذمّا، وقولها قول من عايش التّنزيل وعلم مواقعه، بخلاف قول مروان الّذي غاية أمره أن يكون بلغه ذلك فحدّث به، إذ لم يشهد التّنزيل، مع ما انضمّ إليه من العصبيّة.
والأشدّ من هذا الأخذ مما يرى في الكتب كتب التّفسير وغيرها من ذكر أسباب النّزول، دون تمييز للثّابت منها من غيره، بل ربّما من المؤلفين والكتّاب والوعّاظ من يذكر الشّيء من ذلك ويؤصّل على وفقه ويفصّل، ثمّ يتبيّن مجيئه من رواية كذّاب أو متروك.
ومن الأمثلة الشّائعة لذلك ما تتناقله كتب التّفسير في سبب نزول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَ
وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ 77 [التّوبة: 75 - 77] أنّها نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاريّ،
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاريّ (رقم: 4550).
وهي قصّة كذب، وثعلبة هذا مبرّأ من النّفاق، وهو من البدريّين، وقد غفر الله تعالى لأهل بدر (1).
(1) قصّة ثعلبة هذه أوردتها أكثر كتب التّفسير وأسباب النّزول، ويتداولها الخطباء والوعّاظ، وقلّ جدّا من نبّه على بطلانها، مع وهاء إسنادها، ونكارة متنها من وجوه عديدة، ورأيت بعض أهل العلم الفضلاء المعاصرين قد تنبّهوا لذلك فنبّهوا عليه، وكتب بعضهم أبحاثا نافعة، من أجودها، ما كتبه الشّيخ الفاضل عداب محمود الحمش في رسالته:«ثعلبة بن حاطب المفترى عليه» .
وأبيّن علّة النّقل فأقول:
أخرجها ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (رقم: 2253) والطّبرانيّ في «المعجم الكبير» (8/ 260) وابن أبي حاتم الرّازيّ في «تفسيره» (رقم: 10406، 10408) وابن جرير (10/ 189) وأبو نعيم الأصبهانيّ في «معرفة الصّحابة» (رقم: 1375) والبيهقيّ في «دلائل النّبوة» (5/ 289 - 292) وابن عبد البرّ في «الاستيعاب» (2/ 91 - هامش: الإصابة) والواحديّ في «الوسيط» (2/ 513) و «أسباب النّزول» (ص: 252 - 254) وعزّ الدّين ابن الأثير في «أسد الغابة» (1/ 272 - 273) من طرق عن معان بن رفاعة، عن عليّ بن يزيد الألهانيّ، عن القاسم أبي عبد الرّحمن، عن أبي أمامة:
أنّ ثعلبة بن حاطب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، قال:«ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدّي شكره، خير من كثير لا تطيقه» ، وذكر قصّة طويلة بعضهم يختصرها، وفيها أنّ الآيات: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ .. وما بعدها نزلت فيه.
قلت: معان هذا شاميّ ليس بالقويّ في الحديث، وشيخه عليّ بن يزيد الألهانيّ منكر الحديث متروك، حدّث بعجائب، وعليه الحمل في هذه القصّة.
وقال الذّهبيّ في حديثه هذا: «حديث منكر بمرّة» (تجريد أسماء الصّحابة:
1/ 66).