الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم إلا هذا المَهَل المبسوط لكم، واحذروا ما حذَّركم الله، واتقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه لوضع موازينكم، ونشر صُحُفِكم الحافظة لأعمالكم، فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقُل به، وما يُمِلُّ1 في صحيفته الحافظة لما عليه وله، فقد حكى الله لكم ما قال المفرِّطون عندها؛ إذ طال إعراضهم عنها، قال:{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} ، وقال:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} 2 ولست أنهاكم عن الدنيا بأعظم مما نهتكم الدنيا عن نفسها، فإن كل ما بها ينهى عنها، وكل ما فيها يدعو إلى غيرها، وأعظم مما رأته أعينكم من عجائبها ذم كتاب الله لها، ونهي الله عنها، فإنه يقول:{فلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ولا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} ، وقال:{إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ولا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} ، فانتفعوا بمعرفتكم بها، وبإخبار الله عنها، واعلموا أن قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذِروا مَصَارِعها، وجَانَبوا خَدَائِعَها، وآثَروا طاعة الله فيها، فأدركوا الجنة بما تركوا منها".
"عيون الأخبار م2: ص255، والعقد الفريد 2: 148".
1 يملي.
2 القسط: العدل: مصدر وصف به للمبالغة أو ذوات القسط.
116-
خطبة ابن طباطبا العلوي:
وخطب محمد1 بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، حين انتهب قائد جيوشه أبو السرايا السَّرِيُّ ابن منصور قصر العباس بن موسى بن عيسى، فقال:
1 خرج بالكوفة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة 199هـ يدعو إلى الرضى من آل محمد، والعمل بالكتاب والسنة، وكان القيم بأمره في تدبير الحرب، وقيادة جيوشه أبا السرايا السري بن منصور وكان سبب خروجه صرف المأمون طاهر بن الحسين عما كان إليه من أعمال البلدان التي افتتحها، وتوجيهه إلى ذلك الحسن =
"أما بعد: فإنه لا يزال يبلغني أن القائل منكم يقول: إن بني العباس فيء لنا، ونخوض في دمائهم، ونَرْتَع في أموالهم، ويُقْبَل قولنا فيهم، وتصدَّق دعوانا عليهم، حُكْم بلا علم، وعزم بلا رويَّة! عجبًا لمن يطلق بذلك لسانه، ويحدِّث به نفسه! أبكتاب الله تعالى حكم، أم لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم اتَّبَع؟ أفي مَيْلِي1 معه طَمِع، أم بسط يدي له بالجود أَمَّلَ؟ هيهات! فاز ذو الحق بما نوى، وأخطأ ذو الباطل بما تمنى، حق كل ذي حق في يده، وكل مدع على حجته، ويل لمن اغتصب حقا، وادعى باطلا، أفلح من رَضِيَ بحكم الله، وخاف من أرغم الحقُّ أنفه، العدل أولى بالأثرة وإن رغم الجاهلون، حق لمن أمر بالمعروف أن يجتنب المنكر، ومن سلك سبيل العدل أن يصبر على مرارة الحق، وكل نفس تسمو إلى هِمَّتها، ونعم الصاحب القناعة.
أيها الناس، إن أكرم العباد الوَرَع، وأفضل الزاد التقوى، واعملوا في دنياكم، وتزوَّدُوا لآخرتكم، واتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون، وإياكم والعصبيَّة وحميَّة الجاهلية، فإنهما يمحقان الدين، ويورثان النفاق، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، يصلح لكم دينكم، وتحسن المقالة فيكم. الحق أبلج، والسبيل منهج، والباطل لَجْلَج2، والناس مختلفون، ولكلًّ في الحق سعة، ومن حاربنا حاربناه،
= ابن سهل، فلما فعل ذلك تحدث الناس بالعراق أن الفضل بن سهل قد غلب على المأمون، وأنه قد أنزله قصرًا حجبه فيه عن أهل بيته، ووجوه قواده من الخاصة والعامة، وأنه يبرم الأمور على هواه، ويستبد بالرأي دونه، فغضب لذلك بالعراق من كان بها من بني هاشم، ووجوه الناس، وأنفوا من غلبة الفضل على المأمون، واجترءوا على الحسن بن سهل بذلك، وهاجت الفتن في الأمصار، فكان أول من خرج بالكوفة ابن طباطبا المذكور، فوجه إليه الحسن بن سهل زهير بن المسيب في عشرة آلاف فواقعهم فهزموه واستباحوا عسكره، فلما كان من غد اليوم الذي كانت فيه الوقعة "وذلك يوم الخميس لليلة خلت من رجب سنة199" مات ابن طباطبا فجأة فذكر أن أبا السرايا سمه، وذلك أن ابن طباطبا لما أحرز ما في عسكر زهير منعه أبا السرايا، وحظره عليه، وكان الناس له مطيعين، فعلم أبو السرايا أنه لا أمر له معه فسمه".
1 في الأصل: "أفي مثلي" وهو تحريف، والصواب ما ذكرته.
2 أبلج: أي واضح بيِّن. والمنهج الطريق الواضح، والباطل لجلج: أي يتردد فيه صاحبه فلا يصيب مخرجا.