الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسواء عليه أعاقبني على علمي وحلمي، أم عاقبني على نسبي وسني، وسواء عليه عاقبني على جَمَالي، أم عاقبني على محبة الناس لي، ولو أردتها لأعْجَلْته عن التفكير، وشَغَلْته عن التدبير، ولما كان فيها من الخطب إلا اليسير".
"العقد الفريد 1: 143".
86-
وصية عبد الملك بن صالح لابنه:
أوصى عبد المللك بن صالح ابنا له فقال:
"أي بني احْلُم، فإن من حَلُم ساد، ومن تفهَّم ازداد، والقَ أهل الخير فإن لقاءهم عمارةٌ للقلوب، ولا تَجْمَح بك مَطِيَّة اللِّجَاجِ، وفيك من أعتبك1، والصاحب المناسب لك، والصبر على المكروه يعصم القلب، المُِزاح يورث الضغائن، وحسن التدبير مع الكَفاف خيرٌ من الكثير مع الإسراف، والاقتصاد يُثَمِّر2 القليل، والإسراف يُبِير3 الكثير، ونِعْمَ الحظ القناعة، وشر ما صحِب المرء الحسد، وما كل عَوْرَة تصاب، وربما أبصر العميُّ رُشْدَه، وأخطأ البصير قَصْدَه، واليأس خير من الطلب إلى الناس، والعفَّة مع الحرفة4 خير من الغنى مع الفجور، ارْفُق في الطلب وأَجْمِل في المكسب، فإنه رب طلب، قد جرَّ إلى حَرَب5، ليس كل طالب بمُنْجِح6، ولا كل مُلِحٍّ بمحتاج، والمغبون من غُبِنَ نصيبه من الله، عاتب من رجوت عتباه، وفاكِهْ من أمنت بلواه، لا تكن مِضْحَاكًا من غير عجب، ولا مَشَّاء إلى غير أَرَب، ومن نأى عن الحق أضاق مذهبه، ومن اقتصر على حاله كان أنعم لباله، لا يكبُرَن عليك ظُلْمُ من ظلمك، فإنه إنما سعى في مضرته ونفعك، وعَوِّد نفسك السماح، وتخيَّر لها من كل خلق أحسنه، فإن الخير عادة، والشر لَجَاجة، والصُّدود آية المقت، والتعلل آية البخل، ومن الفقه كتمان السر، ولِقَاحُ المعرفة
1 أعتبه: أعطاه العتبى أي الرضا.
2 ينمى ويكثر.
3 يهلك.
4 الحرمان.
5 حربه حربًا كطلبه: سلب ماله.
6 أنجح: صار ذا نجح.
دراسة العلم، وطول التجارب زيادة في العقل، والقناعة راحة الأبدان، والشرف التقوى، والبلاغة معرفة رَتْق الكلام وفَتْقِه، بالعقل تستخرج الحكمة، وبالحلم يستخرج غَوْر العقل، ومن شَمَّر في الأمور، ركب البحور، شر القول ما نقض بعضُه بعضًا، ومن سعى بالنميمة حَذِره البعيد، ومَقَتَه القريب. ومن أطال النظر بإرادةٍ تامة أدرك الغاية، ومن توانى في نفسه ضاع. من أسرف في الأمور انتشرت عليه، ومن اقتصد اجتمعت له، واللَّجَاجة تورث الضَّيَاع للأمور، غِبُّ الأدب أحمد من ابتدائه، مبادرة الفهم تورث النسيان، سوء الاستماع يُعْقِب العِيّ، لا تُحْدِّث من لا يقبل بوجهه عليك، ولا تُنْصِت لمن لا يَنْمِى1 بحديثه إليك. البلادة للرجل هُجْنَة، قل مالك إلا استأثر، وقلَّ عاجز إلا تأخر، الإحجام عن الأمور يورث العجز، والإقدام عليها يورث اجتلاب الحظ، سوء الطُّعمة2 يفسد العِرْضَ، ويُخْلِق الوجه، ويمحق الدين، والهيبة قرين الحرمان، والجسارة قرين الظفر، وَفِيُّك من أنصفك، وأخواك من عاتَبَك، وشريكك من وَفَى لك، وصَفِيُّك من آثرك، أعدى الأعداء العقوقُ، اتباع الشهوة يورث الندامة، وفوت الفرصة يورث الحسرة جميع أركان الأدب التأنِّي للرِّفق، أكْرِم نفسك عن كل دنيَّة، وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لا تجد بما تبذل من دينك ونفسك عوضًا، لا تساعد3 النساء فَيَمْلَلْنك، واستبقِ من نفسك بقيَّة، فإنهن أن يرين أنك ذو اقتدار، خير من أن يطَّلعن منك على انكسار، لا تملِّك المرأة الشفاعة لغيرها، فتميل من شفعت لها عليك معها، أي بني، إني قد اخترت لك الوصية، ومَحضتك النصيحة، وأديت الحق إلى الله في تأديبك، فلا تُغْفِلَنَّ الأخذ بأحسنها، والعمل بها، والله موفقك".
"البيان والتبيين 3: 232".
1 نمى الحديث ونماه بالتشديد: رفعه.
2 الطعمة: وجه المكسب.
3 لعلها "لا تقاعد".