الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
60-
كلمات شتى في الشكوى:
قيل لأعرابية أصيبت بابنها: ما أحسن عزاءك! قالت: "إن فقدي إياه أمَّنَنِي كلّ فَقْدٍ سواه، وإن مصيبتي به هَوَّنت عَلَيَّ المصائِبَ بعده"، ثم أنشأت تقول:
من شاء بعدك فَلْيَمُتْ
…
فعليك كنتُ أحاذرُ
ليت المنازل والدِّيا
…
ر حَفَائِر ومقابر
وقيل لأعرابي: كيف حزنك على ولدك؟ قال: "ما ترك هَمُّ الغداء والعشاء لي حُزْنًا".
وقيل لأعرابي: ما أَنْحَل جِسْمَك؟ قال: "سوء الغذاء، وجُدُوبة المَرْعَى، واختلاف الهموم في صدري"، ثم أنشأ يقول:
الهم ما لم تَمْضِهِ لسبيله
…
داءٌ تضمَّنه الضلوعُ عظيم
ولربما استيأستُ ثم أقول: لا
…
إن الذي ضَمِنَ النجاح كريم
وقيل لأعرابي قد أخذ به السِّنُّ: كيف أصبحت؟ قال: "أصبحت تقيِّدني الشَّعْرَة، وأَعْثُر في البَعْرة، قد أقام الدهر صَعَري، بعد أن أقمت صَعَره".
وقال أعرابي: "لقد كنت أُنكر البيضاء، فَصِرْتُ أُنكر السوداء، فيا خير مبدول، ويا شَرَّ بدل! ".
وذكر أعرابي منزلا بَادَ أهله فقال: "منزل والله رحلت عنه ربَّات الخُدُود، وأقامت فيه رَوَاحِل1ُ القُدُر، وقد اكتَسَى بالنَّبات كأنما أُلْبِسَ الحُلَلَ، وكان أهله يَعْفُون2 فيه آثارَ الرياح، وأصبحت الريح تَعْفُو آثارهم، فالعهد القريب، والملتقَى بعيد".
وذكر أعرابي قوما تغيَّرت أحوالهم فقال: "أَعْيُنٌ والله كُحِلَت بالعَبْرَة بعد الحَبْرَة3، وأَنْفُسٌ لَبِسَتِ الحزن بعد السرور".
وذكر أعرابي قوما تغيرت حالهم فقال: "كانوا والله في عيش رقيق الحواشي، فطواه الدهر بعد سَعة، حتى لَبِسُوا أيديهم القُرِّ4، ولم أَرَ صاحبًا أغَرَّ من الدنيا، ولا ظالما أَغْشَمَ5 من الموت، ومن عَصَفَ عليه الليل والنهار أرْدَياه6، ومن وُكِّلَ به الموت أفناه".
ووقف أعرابي على دار قد باد أهلها فقال: "دارٌ والله مُعْتَصِرَةٌ للدموع، حَطَّت بها السحاب أثقالَها، وجَرَّت بها الرِّياح أذيالها".
1الرواحل جمع راحلة: وهي في الأصل: الناقة الصالحة لأن ترحل، والمراد هنا الحوامل التي تحمل القدور، أي الأثافي.
2 عفا المنزل: درس، وعفته الريح، يتعدى ويلزم، وبأيهما عدا، وعفته الريح أيضًا بالتشديد للمبالغة.
3 الحبرة: السرور.
4 القر مثلث القاف: البرد.
5 أظلم.
6 أهلكاه.
وذكر أعرابي رجلًا تغيَّرت حاله فقال: "طويت صحيفتُه، وذهب رزقه، فالبلاء مُسْرِع إليه، والعيش عنه قابض كَفَّيه".
وذكر أعرابي رجلا ضاق عيشه بعد سَعَة فقال: "كان والله في ظلّ عيش ممدود، فَقُدِحَت عليه من الدهر زَنْدٌ غير كابِيَة1".
"العقد الفريد 2: 79 – 80".
وذكر أعرابي مصيبة نالته، فقال:"مصيبة والله تركت سود الرءوس بيضًا، وبيضُ الوجوه سودًا، وهَوَّنت المصائبَ بعدها".
"العقد الفريد 2: 79، وزهر الآداب 2: 5".
وذكر أعرابي قَطِيعة بعض إخوانه فقال: "صَفِرتْ عِيابُ2 الود بيني وبينه بعد امتلائها، وأَقْفَرَتْ وجوه كانت بمائها، فأدبر ما كان مُقْبلا، وأقبل ما كان مُدِبرا".
"العقد الفريد 2: 79، وزهر الآداب 2: 4".
وقيل لأعرابي: ما أذهب شبابك؟ قال: "من طال أَمَدُه، وكثر وَلَدُه، وَدَفّ عَدَدُه، وذهب جَلَدُه ذهب شبابه".
"العقد الفريد 2: 79، والبيان والتبيين 2: 57".
وسئل أعرابي عن سفر أَكْدَى3 فيه، فقال:"ما غَنِمْنَا إلا ما قَصَرنا في صلاتنا، فأما ما أكلته الهواجِر4، ولقِيته منا الأباعز، فأَمْرٌ استخففناه لما أمَّلْناه".
1 الزند: العود الذي يقدح به النار، وكبنا الزند: لم يخرج ناره، وفي الأصل "زند عين كابية" وهو تحريف.
2 صفرت: خلت، وعياب جمع عيبة بالفتح: ما يجعل فيه الثياب.
3 أصله من "حفر فأكدى" أي صادف الكدية -والكدية كفرصة: الأرض الغليظة، والصفاة العظيمة الشديدة.
4 الهواجر جمع هاجرة، وهي شدة الحر.
وقالت امرأة من الأعراب: "أصبحنا ما يرقد لنا فرس، وما ينام لنا حرس".
"البيان والتبيين 2: 82"
وقال أعرابي "مضى لنا سلفٌ أهل تَوَاصُل، اعتقدوا1 مِنَنًا، واتخذوا الأيادي ذخيرةً لمن بعدهم، يَرَون اصطناع المعروف عليهم فرضًا لازمًا، وإظهار البرّ واجبا، ثم جاء الزمان ببنينَ، واتخذوا منهم بضاعة، وبِرَّهم مُرَابَحة2، وأياديَهم تجارة، واصطناع المعروف مُقَارَضَةً، كنقدٍ، خُذْ مِنِّي وهات".
وقيل لأعرابي في مرضه: ما تشتكي؟ قال: "تمام العِدَّة، وانقضاء المدة".
ونظر أعربي إلى رجل يشكو ما هو فيه من الضيق والضرّ فقال: "يا هذا أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ".
"العقد الفريد 2: 85".
ووصف أعرابي الدنيا فقال: "هي رَنْقة3 المشارب، جَمَّة المصائب، لا تُمَتِّعك الدهر بصاحب".
وقال أعرابي: "حسبك من فساد الدنيا أنك ترى أَسْمِنَةً4 تُوضَع، وأخفافًا ترفَع، والخير يُطْلَب عند غير أهله، والفقير قد حلّ غير محلّه".
"العقد الفريد 2: 86".
1 من اعتقد مالا؛ اقتناء.
2 رابحة على السلعة: أعطاه ربحا.
3 كدرة.
4 جمع سنام، والمراد ما كان عاليا.
وقيل لأعرابي: كيف ابنك -وكان به عاقّا- قال: "عذاب لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب فيها الشكر، فليتني قد استودعته القبر".
"العقد الفريد 2: 97".
عن الأصمعي قال: قيل لأعرابي قَدِم الحَضْرة1، ما أقدمك؟ قال:"الحَيْن2، الذي يُغَطِّي العَيْن".
"الأمالي 1: 202".
وأصيب أعرابي بابن له، فقال وقد قيل له اصْبِر:"أعلى الله أتجلَّد، أم في مصيبتي أتبلَّد؟ والله لَلْجَزع من أمره أحبُّ إليّ الآن من الصبر، لأن الجزع استكانة، والصبر قساوة، ولئن لم أّجْزَع من النقص لم أَفْرَح بالمزيد".
"زهر الآداب 3: 164".
وقيل لأعرابي: لِمَ لا تضرب في الأرض؟ فقال: "يمنعني من ذلك، طفل بارك ولِصّ سانِك، ثم إني لست بعد ذلك واثقًا بِنُجْح طَلِبتي، ولا معتقدا قضاء حاجتي، ولا راجيا عطف قرابتي؛ لأني أُقْدَم على قوم أطغاهم الشيطان، واستمالهم السلطان، وساعدهم الزمان، وأسكرهم حَدَاثَة الأسنان".
"زهر الآداب 3: 244".
وقال بعض الأعراب: "نالنا وَسْمِيٌّ3، وخَلَفَه وليُّ، فالأرض كأنها وَشْي4 عَبْقَريُّ ثم أتتنا غيومُ جَرَادٍ، بمناجلِ حَوادّ5، فخرَّبت البلاد، وأهلكت العباد، فسبحان من يُهْلِك القوي الأَكُول، بالضعيف المأكول".
"زهر الآداب 3: 346".
1 الحضرة: خلاف البادية كالحضر بالتحريك.
2 الهلاك.
3 الوسمى: مطر الربيع الأول، والولي: المطر الذي يأتي بعد المطر.
4 الوشي: نقش الثوب، والعبقري: المنقطع النظير، نسبة إلى عبقر، موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن، ثم نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من حذفه، أو جودة صنعته.
5 المناجل جمع منجل كمنبر: حديدة يقضب بها الزرع. وحواد جمع حادة أي قاطعة، وفي الأصل "حراد" وأراه محرفًا.