الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإذا المنية أنشبت أظفارها
…
ألفيت كل تميمة لا تنفع1
فقالت بغير روية: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين، وقد قال الأول2:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد
…
ذُخْرًا يكون كصالح الأعمال
هذا بعد قول الله عز وجل {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . فأطرق هارون مليًّا، ثم قال: يا أمَّ الرشيد أقول:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد
…
إليه بوجه آخر الدهر تُقْبَل
فقالت: يا أمير المؤمنين وأقول:
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني
…
يمينك فانظر أي كفٍّ تَبَدَّلُ3
قال هارون: رضيت، قالت: فهَبْه لي يا أمير المؤمنين، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"من ترك شيئًا لله، لم يوجده4 الله لِفَقْدِه" فأكبَّ هارون مليًّا، ثم رفع رأسه يقول:{للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْل وَمِنْ بَعْد} قالت: يا أمير المؤمنين {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} واذكر يا أمير المؤمنين ألِيَّتك5 ما استشفعت إلا شفعَّتني. قال: واذكري يا أم الرشيد ألِيَّتك أن لا شفعت لمقترف ذنبًا، فلما رأته صرَّح بمنعها، ولاذ6 عن مطلبها، أخرجت حُقًّا من زُمُرُّدة7 خضراء، فوضعته بين يديه، فقال الرشيد: ما هذا؟ ففتحت عنه قُفلا من ذهب؛ فأخرجت منه خَفْضَته8 وذوائبه وثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك، فقالت: يا أمير المؤمنين، أستشفع إليك، وأستعين بالله عليك،
1 التمائم جمع تميمة: وهي العودة التي تعلق على الصبي دفعًا للعين، أو المرض والبيت لأبي ذؤيب الهذلي.
2 هو الأخطل.
3 هذا البيت والذي قبله من قصيدة لمعن بن أوس المزني مطلعها:
لعمرك ما أدري، وإني لأوجل
…
على أيّنا تعدو المنية أول؟
4 أي يحزنه.
5 الألية: القسم.
6 أي لم يجبه.
7 الزمرد والزمرذ بالدال والذال.
8 خفض الجارية كضرب خفضا، وهو كالختان للغلام، وقيل: خفض الصبي ختنه، فاستعمل في الرجل، والأعرف أن الخفض للمرأة والختان للصبي، ويقال للجارية خفضت، وللغلام ختن.
81-
خطبة يزيد بن مزيد الشيباني:
لما رضى الرشيد عن يزيد بن مَزْيد1 أذن له بالدخول عليه، فلما مَثَل بين يديه قال: "يا أمير المؤمنين، والحمد لله الذي سَهَّل لي سبيل الكرامة بلقائك، وردَّ عليَّ
1 وذلك أن الوليد بن طريف الشاري خرج في عهد الرشيد بالجزيرة، واشتدت شوكته وكثر تبعه سنة 179، فوجه إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني، فجعل يخاتله ويماكره، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد، فأغروا به الرشيد، وقالوا: إنما يتجافى عنه للرحم "لأنه شيباني مثله" وألا فشوكة الوليد يسيرة وهو يواعده، وينتظر ما يكون من أمره، فوجه إليه الرشيد كتاب مغضب، يقول فيه:"لو وجهت بأحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به، ولكنك مداهن متعصب، وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن أخرت مناجزة الوليد، ليوجهن إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين "ثم حمل يزيد على الوليد فقتله وبعث برأسه إلى الرشيد، فلما انصرف يزيد بالظفر، حجب برأي البرامكة، وأظهر الرشيد السخط عليه، فقال: وحق أمير المؤمنين لأصيفن وأشتون على فرسي أو أدخل، فارتفع الخبر بذلك فأذن له فدخل، فلما رآه الرشيد ضحك وسر، وأقبل يصيح مرحبًا بالأعرابي، حتى دخل وأجلس وأكرم وعرف بلاؤه ونقاء صدره.
"راجع أخباره في الأغاني 8: 11، وابن خلكان 2: 283، والطبري 10: 65".