الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} ، فليكن الصبر مَعْقِلَكم الذي إليه تلجئون1، وعُدَّتكم التي بها تستظهرون، فإنه الوَزَر المنيع، الذي دلكم الله عليه، والجنة2 الحصينة التي أمركم الله بلباسها. غُضُّو أبصاركم، واخفتوا أصواتكم في مصافكم، وامضوا قُدُمًا على بصائركم، فارغين إلى ذكر الله، والاستعانة به كما أمركم الله، فإنه يقول:{إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أيدكم الله بعز الصبر، ووليكم بالحياطة والنصر".
"العقد الفريد 2: 155".
1 الملجأ والمعتصم؛ وكذا الوزر.
2 كل ما بقي.
133-
العباس بن المأمون والمعتصم
"المتوفى سنة 227هـ":
قال العباس بن المأمون: لما أفضت الخلافة إلى المعتصم دخلت، فقال: هذا مجلس كنت أكره الناس لجلوسي فيه، فقلت:"يا أمير المؤمنين، أنت تعفو عما تيقنتَه، فكيف تعاقب على ما توهمته؟ "، فقال:"لو أردت عقابك، لتركت عتابك".
"زهر الآداب 3: 91".
134-
استعطاف تميم بن جميل للمعتصم:
كان تميم بن جميل السَّدُوسي قد خرج بشاطئ الفرات، واجتمع إليه كثير من الأعراب، فَعَظُم أمره، وبعد ذكره، فكتب المعتصم إلى مالك بن طَوْق في النهوض إليه، فبدد جمعه، فظَفَِر به، فحمله موثَقًا إلى المعتصم، قال أحمد بن أبي دُواد: ما رأينا رجلًا عاين الموت، فمَا هَالَه، ولا أذهله عما كان يجب عليه أن يفعله إلا تميم بن جميل، فإنه أوفى به الرسول باب أمير المؤمنين المعتصم، في يوم الموكب، حين يجلس العامة، ودخل عليه فما مَثَل بين يديه، دعا بالنطع1 والسيف فَأُحضرا، فجعل تميم بن جميل ينظر إليهما ولا يقول شيئًا، وجعل المعتصم يصعِّد النظر فيه ويصوِّبه، وكان جسيمًا
1 النطع كحمل وشمس وسبب وعنب: بساط من الأديم.
وسيما1، ورأى أن يستنطقه لينظر أين جَنَاحه ولسانه من منظره، فقال: يا تميم إن كان لك عذر فأْتِ به، أو حجة فأَدْلِ بها، فقال: أما إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإني أقول:
"الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين" جَبَر بك سبل الحق، وأخمد بك شهاب الباطل، يا أمير المؤمنين إن الذنوب تُخْرِس الألسنة الفصيحة، وتُعْيِي الأفئدة الصحيحة، ولقد عظمت الجزيرة، وانقطعت الحجة، وكبر الذنب، وساء الظن، ولم يبقَ إلا عفوك أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما مني، وأسرعهما إليَّ، أَوْلَاهما بامتنانك، وأشبههما بخلافتك، ثم أنشأ يقول:
أرى الموت بين السيوف والنِّطع كامنا
…
يلاحظني من حيثما أتلفَّت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي
…
وأي امرئ مما قضى الله يُفْلِت؟
ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة
…
وسيف المنايا بين عينيه مُصْلَتُ؟ 2
يعز على الأوس بن تغلب موقف
…
يُسَلّ على السيف فيه وأسكت
وما جَزَعي من أن أموت وإنني
…
لأعلم أن الموت شيء موَقَّت
ولكنَّ خلفي صبية قد تركتهم
…
وأكبادهم من حسرة تتفتَّت
كأني أراهم حين أُنْعَى إليهم
…
وقد خمَشُوا تلك الوجوه وصوَّتوا3
فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة
…
أذُودُ الرَّدَى عنهم وإن مت مَوَّتوا4
فكم قائل لا يبعد الله روحه
…
وآخر جذلان يُسَرُّ ويَشْمَتُ
1 جميلا.
2 مسلول.
3 خمش وجهه كنصر وضرب: خدشه ولطمه وضربه.
4 كثر فيهم الموت.