الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
276 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أتبعَ أَحَدكمْ عَلَى مَلِي، فَلْيتبَعْ"(1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (2166)، كتاب: الحوالات، باب: في الحوالة، وهل يرجع في الحوالة؟ و (2167)، باب: إذا أحال على مليء، فليس له رد، و (2270)، كتاب: الاستقراض، باب: مطل الغني ظلم، ومسلم (1564)، كتاب: المساقاة، باب: تحريم مطل الغني، وأبو داود (3345)، كتاب: البيوع، باب: في المطل، والنسائي (4691)، كتاب: البيوع، باب: الحوالة، و (4688)، باب: مطل الغني، والترمذي (1308)، كتاب: البيوع، باب: ما جاء في مطل الغني أنه ظلم، وابن ماجه (2403)، كتاب: الصدقات، باب: الحوالة.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (3/ 64)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 491)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (6/ 43)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 233)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 438)، و"شرح مسلم" للنووي (10/ 227)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (3/ 198)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1183)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 249)، و"التوضيح" لابن الملقن (15/ 110)، و"طرح التثريب" للعراقي (6/ 160)، و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 465)، =
* الشرح:
أصلُ المَطْل في اللغة: المَدُّ، تقول العرب: مَطَلْتُ الحديدةَ: إذا ضربتُها ومَدَدْتُها (1)، فمعنى مَطَلَهُ بحقِّه: مَدَّ له في الأَجَل زيادةً على ما اتفقا عليه بشرطٍ أو عادة، وهو -أيضًا-: اللِّيَانُ، قال الشاعر:[الرجز]
قَدْ كُنْتُ دَايَنْتُ بِهَا حَسَّانًا
…
مَخَافَةَ الإِفْلَاسِ واللِّيَانَا (2)
والمرادُ بالغني هنا: القادرُ على وفاء الدين، والظلم: وضعُ الشيء في غير موضعه.
ع (3): وقول عليه الصلاة والسلام: "مطلُ الغنيِّ ظلمٌ" فيه فوائد:
أحدها: أنه لا تجوزُ (4) الإحالةُ إلا مِنْ دينٍ حَلَّ؛ لأن المطلَ والظلَم إنما يصحُّ فيما حلَّ، لا فيما لم يحلَّ.
وفيه: حجةٌ على أنه لا يكون ظالمًا إلا إذا كان غنيًا، وأن تسميته
= و"عمدة القاري" للعيني (12/ 111)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (4/ 144)، و"كشف اللثام" للسفاريني (5/ 15)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 61)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (5/ 355).
(1)
انظر: "الصحاح" للجوهري (5/ 1819)، (مادة: مطل).
(2)
البيت لرؤبة؛ كما أنشده سيبويه في "الكتاب"(1/ 191).
(3)
"ع" ساقط من "ز".
(4)
في "ت": "يجوز".
ظالمًا يوجب إسقاط شهادته، على ما ذهب إليه سحنون وغيرُه من أصحابنا، وقال غيره: لا تُردُ شهادته إلا أن يكون (1) المطلُ له (2) عادةً (3).
قلت: واختلف الشافعية، هل يجب الأداءُ مع القدرة من غير طلبِ صاحبِ الحقِّ؟ على وجهين (4)، وأما مع القدرة والطلب، فلا خلاف فيه، واللَّه أعلم.
والحوالةُ محمولةٌ على الندب عند أكثرِ شيوخنا، وحملَها بعضُهم على الإباحة لما أشبهت الدَّيْنَ بالدَّيْنِ، فرخص (5) عليه الصلاة والسلام في الحوالة، وأباحَها (6)، وهي عند أكثر مشايخنا: عقدُ مبايعةٍ مستثناةٍ بالرخصةِ من الدَّين بالدَّين، ومن بيعِ العين غير يدٍ بيد، فخصَّها الشرعُ (7) من هذين الأصلين، كما خصَّ الشركةَ والتوليةَ والأقالةَ من بيعِ الطعامِ قبل استيفائه، وخَصَّ العَرِيَّةَ من بيعِ المزابنةِ، وبيعِ الطعامِ بالطعام نسيئةً ومتفاضلًا، لما كان سبيلُ هذه التخصيصات سبيلَ
(1) في "ت": "تكون".
(2)
في "ت": "المظالم".
(3)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 233).
(4)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (3/ 198).
(5)
في "ز" و"ت": "ورخص".
(6)
في "ت": "وإباحتها".
(7)
في "ت": "الشارع".
المعروف والرفق.
وقد أشار الباجي إلى أن حكمَها ليس حكمَ البيعِ، ولا يكون من هذا الباب، بل هي عندنا من باب النقد (1)(2).
وقوله عليه الصلاة والسلام: "وإذا (3) أتبعَ أحدُكم على مليءٍ فَلْيَتْبَعْ": صوابُه في التاءين السكونُ، وبعضُ المحدثين والرواة يقولونه بتشديدِهما، يقال: تَبِعْتُ فلانا بحقّي، فأنا أَتْبَعُه -ساكنة التاء-، ولا يقال: أتَّبِعُه -بفتحها، وتشديدها-، إلا من المشي خلفَه، واتباعِ أثرهِ في أمر (4)(5).
وهذا الحديث أصلٌ في الحوالة.
قال الفقهاء: وحقيقتُها: نقلُ الدَّين من ذمةٍ إلى ذمةٍ أخرى (6) تبرأُ بها الأولى (7)، ولها شروطٌ أربعة:
أحدها: رضا المحيلِ والمحالَ دونَ المحالِ عليه؛ لأنه محلُّ (8)
(1) في "ت": "النقل".
(2)
انظر: "المنتقى" للباجي (6/ 452).
(3)
في "ت": "فإذا".
(4)
في "ت": "أثره".
(5)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 233).
(6)
"أخرى" ليست في "خ".
(7)
من قوله: "كما خصَّ الشركة والتولية. . ." إلى هنا سقط من "ز".
(8)
في "ت": "على" بدل "محل".
التصرُّف، لكن بشرط أن يكون على المحال عليه دينٌ، خلافًا لابنِ الماجشون من أصحابنا، فيكون معنى الحوالة عنده: تجويزَ الضمان بشرط براءةِ الأصيل، وألزم رضا المحال عليه في هذه الحوالة، بل لا يتصور إلا كذلك.
وفائدةُ هذا الخلاف تظهر فيما إذا أحاله على مَنْ ليس له عليه دينٌ، فأعدم المحالُ عليه، فإنه يرجعُ على المحيل على قول ابن القاسم، ولا يرجع عليه على قول ابن الماجشون؛ إلا أن يعلم أنه لا شيء له عليه، ويشترط عليه براءته من الدَّين، فيلزمه، ولا رجوعَ له عليه على القولين جميعًا.
الشرط الثاني: أن يكون الدينُ (1) المحالُ به حالًّا، ولا يُشترط حلولُ الدينِ المحالِ عليه، إلا أن ابن القاسم اشترطه في نجوم الكتابة.
(2)
الشرط الثالث: كونُ الدَّينِ المحالِ عليه من نوعِ المحالِ به صفةً وقدرًا، ولا (3) يصحُّ متى اختلفا (4) في صفتِه أو قدرِه، ويدخلُها في ذلك الدَّينُ بالدَّين، والنسيئةُ في الصَّرْف، وبيعُ العينِ بالعين، وفي بيع الطعامِ بالطعامِ التفاضلُ بين (5) الجنسين، والربا فيما لا يجوز، وبيعُ الطعام قبل
(1)"الدين" ليس في "ز".
(2)
في "ت" زيادة: "و".
(3)
في "ز" و"ت": "فلا".
(4)
في "ت": "اختلف".
(5)
في "ت": "من".
قبضه، وغيرُ (1) علة؛ بحسب اختلافه، وتصويرِ مسائله.
الشرط الرابع: أن لا يكون الدَّينان (2) طعامًا من سَلَمٍ، أو أحدُهما، ولم يحلَّا معًا، على خلاف في هذا الأصل عندنا، فأصلُ ابنِ القاسم ما تقدَّمَ، وغيرُه يجيزها لحول (3) المحالِ عليه (4).
فإن قلت: ما وجهُ جعلِه عليه الصلاة والسلام الأمرَ بقبولِ الحوالة على المليء معللًا بكون مطل الغني ظلم؟
قلت: قال ق: لعلَّ السبب فيه: أنه إذا تقرر كونُه ظلمًا، والظاهرُ من حال المسلم الاحترازُ عنه، فيكون ذلك سببًا للأمر بقبول الحوالةِ عليه، لحصول (5) المقصودِ من غير ضررِ المطلِ (6)، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأن المليء لا يتعذَّرُ استيفاءُ الحقِّ معه عندَ الامتناع، بل يأخذه الحاكم قهرًا ويوفيه، ففي قبولِ الحوالةِ عليه يحصل الغرضُ من غير مفسدة بقاءِ الحق.
قال: والمعنى الأولُ أرجحُ، لما فيه من بقاء معنى التعليل بكون
(1) في "ت": "وعبر".
(2)
في "ت": "الدينار".
(3)
في "خ": "لحؤول".
(4)
انظر: "الذخيرة" للقرافي (9/ 243).
(5)
في "ت": "بحصول".
(6)
في "ت": "الملل".
المطلِ ظلمًا، وعلى هذا المعنى الثاني، تكونُ العلةُ عدمَ (1) تركِ الحق، لا الظلم (2)(3).
قلت: وهذا كلام بَيِّنٌ، واللَّه أعلم (4).
* * *
(1) في "ت": "علم" بدل "العلة عدم".
(2)
في "ت": "للظلم".
(3)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (3/ 199).
(4)
من قوله: "الشرط الرابع. . ." إلى هنا سقط من "ز".