الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
296 -
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (1) سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَبَلغَ ذَلِكَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (2)، فَحَمِدَ اللَّه، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَ قَالَ:"مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا: كَذَا؟! لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي"(3).
(1)"من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" ليس في "ت".
(2)
"فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم" ليس في "خ".
(3)
* تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (4776)، كتاب: النكاح، باب: الترغيب في النكاح، ومسلم (1401)، كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، ووجد مؤنه، واللفظ له، والنسائي (3217)، كتاب: النكاح، باب: النهي عن التبتل.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 528)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 85)، و"شرح مسلم" للنووي (9/ 176)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 25)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1254)، و"التوضيح" لابن الملقن (24/ 182)، =
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: النَّفَر: -بفتح الفاء-، والنَّفِيرُ، وَالنَّفْرُ وَالنَّفْرَةُ -بالإسكان فيهما-: عدةُ رجال من الثلاثة إلى العشرة، وأما يومُ النَّفْر، وليلة النفْر، لليوم الذي ينفِرُ الناسُ فيه من مِنىً، ففيه إسكان الفاء وفتحها (1). قال يعقوب: ويقال فيه -أيضًا-: النَّفَر، والنَّفير.
الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: "ما بالُ أقوامٍ قالوا كذا؟! ": هو على عادته عليه الصلاة والسلام في خُطَبه في مثل هذا، إذا رأى شيئًا يكرهه، فخطبَ له، لم يُعَيِّنْ فاعليه (2) ولم يواجِههم بما يكرهون، ولم يُسَمِّهِمْ بأسمائهم على رؤوس الملأ؛ فإن المقصودَ من فاعل ذلك المكروه، وغيرِه من الحاضرين، ومن يبلغْه من غيرِهم، يحصُل من غير حصولِ توبيخِ صاحبِه في الملأ، وهذا من مكارم أخلاقه، وفصلِ خطابه، وحسنِ آدابه، وجميلِ عشرته، وعظيمِ جَنابه صلى الله عليه وسلم (3) قال سبحانه وتعالى (4) {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقد تقدم نحو
= و"فتح الباري" لابن حجر (9/ 104)، و"عمدة القاري" للعيني (20/ 65)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (8/ 3)، و"كشف اللثام" للسفاريني (5/ 252)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 110)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (6/ 225).
(1)
انظر: "لصحاح" للجوهري (2/ 833)، (مادة: نفر).
(2)
في"ز": "فاعله".
(3)
في "ز": "وعظم حياه"، وفي "ت":"وعظم حيائه".
(4)
"قال سبحانه وتعالى" زيادة من "ز".
هذا في حديثِ بَريرة.
الثالث: قوله عليه الصلاة والسلام: "فمن رَغِبَ عن سُنّتي، فليسَ مِنِّي"؛ أي: من رغب عن سنتي إعراضًا عنها، وغيرَ معتقدٍ لها على ما هي عليه.
وهذا قد يحتجُّ به مَنْ يقول بوجوب النكاح على الإطلاق؛ كما تقدم.
ع: ولا حجَّةَ فيه، إذ (1) ذكر في أول الحديث أن بعضهم قال: لا آكل اللحمَ، وقال بعضهم: لا أنامُ على فراش، ثم قرن عليه الصلاة والسلام ذِكْرَ النكاح بالأكل والنوم، وعلى جميعه رَدَّ (2) قولَه:"فمن رغبَ عن سنتي"، لا على النكاح وحدَه، ولا قائلَ يقول بوجوب النوم على الفرشِ، وأكلِ اللحم، فردُّ (3) الكلام على النكاح وحدَه دونَ قرينة ولا دليل عليه، إلا (4) دعوى لا يُلتفت إليها، فلم يبقَ إلا أن معناه ما تقدَّم (5).
قلت: وقد يستدل (6) به -أيضًا- (7) من رجَّحَ النكاحَ (8) على التخلِّي
(1) في "ز": "إذا".
(2)
في "خ": "ورد".
(3)
في "خ": "يرد".
(4)
"إلّا" ليس في "ت".
(5)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 528).
(6)
في "ز": "استدل".
(7)
في "ت" زيادة: "على".
(8)
"النكاح" ليس في "ت".
للعبادة؛ لرده صلى الله عليه وسلم ذلك على هؤلاء، وجعل خلافه رغبةً عن السنّة، وهو قولُ أبي حنيفة؛ كما (1) تقدم.
والأمثلُ عندي في هذه المسألة: أن ذلك يختلف فيه (2) بحسب اختلاف حالِ الشَّخص -على ما تقرر تمهيده-، واللَّه أعلم.
قال الطبري: وفيه: ردُّ على مَنْ منعَ من استعمالِ الحلالِ والمباحاتِ من الأطعمةِ الطيبةِ، والملابسِ اللينة، وآثرَ عليها غليظَ الطعام، وخشنَ الثياب من الصوفِ وغيره، وإن كان صرف فضلها في وجوه البر؛ لأن حياطةَ جسم (3) الإنسان، وصيانةَ صحته (4) بذلك آكَدُ وأَوْلى، واحتج بقوله -تعالى-:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]، وقوله -تعالى-:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87].
ع: وهذا البابُ قد اختلفَ فيه السلف كثيرًا، منهم مَنْ آثر ما قال الطبري، ومنهم من آثر ما (5) أنكره، واحتجَّ هؤلاء بقوله -تعالى- في ذم أقوام:{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: 20]،
(1) في "ز": "على ما" مكان "كما".
(2)
"فيه" زيادة من "ت".
(3)
في "ت": "بدن".
(4)
في "ت": "حجته" والصواب المثبت.
(5)
"آثر ما" ساقط من "ت".
وقد احتج عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه بذلك، وحجةُ الآخر (1) عليهم: أن الآيةَ نزلتْ في الكفار؛ بدليل أولِ الآية وآخرها، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم قد أخذ بالأمرين، وشارك في الوجهين، فلبس مرةً الصوفَ، والشملةَ الخشنةَ، ومرةً البردةَ والرداءَ الحضرميَّ، وتارةً أكل القثاء بالرُّطَب، وطيبَ الطعام إذا وجدَه، ومرة لزمَ أكلَ الحُوَّارَى، ومختلِفَ الطعام، كل ذلك ليدلَّ على الرخصة بالجواز مرةً، والفضل والزهد في الدنيا وملاذها أخرى، وكان يحبُّ الحلوى والعسلَ، ويقول صلى الله عليه وسلم:"حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلَاةِ"(2).
قلت: فلا عتبَ إذًا على من احتذى أحدَ الطريقين (3)؛ إذ كلاهما سنّة، والمعتبر في ذلك: القصدُ الصحيح، أعاننا اللَّه عليه بمنِّه وكرمه، آمين.
* * *
(1) في "ت": "الآخرين".
(2)
رواه النسائي (3940)، كتاب: عشرة النساء، باب: حب النساء، وأبو يعلى في "مسنده"(3482)، والطبراني في "المعجم الأوسط"(5772)، والحاكم في "المستدرك"(2686)، وغيرهم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وانظر:"إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 528).
(3)
في "خ": "الطرفين".