الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
292 -
عَنْ أُسَامَةُ بْنِ زيدٍ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَنْزِلُ غَدًا فِي دارِكَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: "وَهلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ؟! "، ثم قَالَ:"لَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَلَا المُسْلِمُ الكَافِرَ"(1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (1511)، كتاب: الحج، باب: توريث دور مكة وبعها وشرائها، و (2893)، كتاب: الجهاد، باب: إذا أسلم قوم في دار الحرب، ولهم مال وأرضون، فهي لهم، و (4032)، كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح، ومسلم (1351)، كتاب: الحج، باب: النزول بمكة للحاج وتوريث دورها، و (1614)، كتاب: الفرائض.
قلت: قال ابن الملقن في "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام"(8/ 63): هذا الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" في مواضع مفرقًا ومجموعًا -ثم بعد ذكرِها- قال (8/ 66): إذا عرفت ذلك، فلفظ المصنف بسياقه ليس واحد منهما، وأقربها إلى روايته سياقة البخاري له في باب المغازي، انتهى.
قلت: لفظ البخاري في المغازي برقم (4032) -كما تقدم-: أن زيدًا رضي الله عنه قال: زمن الفتح: أين تنزل غدًا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وهل ترك لنا عقيل من منزل" ثم قال: "لا يرث المؤمن الكافر، ولا يرث الكافر المؤمن". =
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: في الحديث: دليلٌ على استخبارِ (1) الإمامِ بعضَ رعاياه
= قلت: ولعل المصنف رحمه الله قد جمع بين سياقي حديث أسامة رضي الله عنه، فالأول وهو قوله:(قلت: يا رسول اللَّه! أتنزل غدًا في دارك بمكة؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع") رواه البخاري (1511)، ومسلم برقم (1351) -كما تقدم تخريجه عندهما-.
والثاني: وهو قوله: "لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر" رواه البخاري (6383) كتاب: الفرائض، باب: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، ومسلم (1614)، في أولى كتاب الفرائض.
وقد جمعها ابن ماجه (2730)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك.
ورواه أبو داود (2010)، كتاب: المناسك، باب: التحصيب، و (2909 - 2910)، كتاب: الفرائض، باب: هل يرث المسلم الكافر، والترمذي (2107)، كتاب: الفرائض، باب: ما جاء في إبطال الميراث بين المسلم والكافر، وابن ماجه (2729)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (4/ 100)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (8/ 257)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 324)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 567)، و"شرح مسلم" للنووي (9/ 120)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 17)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1243)، و"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" لابن الملقن (8/ 63)، و"فتح الباري" لابن حجر (3/ 451)، و"عمدة القاري" للعيني (9/ 226)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 153)، و"كشف اللثام" للسفاريني (5/ 202)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (6/ 192).
(1)
في "ز": "استحباب".
عن أمر يقعُ (1) في المستقبل، و (هل) (2) هنا بمعنى النفي (3)؛ أي: ما تركَ لنا عقيلٌ من دار.
قال أهل العربية: إن لها أقسامًا أربعة:
استفهامية: وهو (4) أصلُ وضعها.
وبمعنى قد: مثل قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} [الإنسان: 1].
ويمعنى النهي (5): نحو قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91]؛ أي: انتهوا.
وبمعنى النفي: كما هو في الحديث، كما تقدم.
الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: "هل تركَ لنا عقيلٌ من رباع؟ "، سببه: أن أبا طالب لما تُوفي لم يرثه عليٌّ، ولا جعفرٌ، وورثه عقيلٌ، وطالبٌ؛ لأن عليًا وجعفرًا كانا مسلمين حينئذ، فلم يرثا أبا طالبٍ.
وقد تعلق بهذا الحديث في مسألة دور مكة، هل يجوزُ بيعُها أم لا؟
(1) في "ت": "يكون".
(2)
في "ت": "وهو".
(3)
في "ز": "أبقى".
(4)
في "ت": "وهي".
(5)
في "ت": "النفي".
الثالث: قوله عليه الصلاة والسلام: "لا يرثُ الكافرُ المسلمَ، ولا المسلمُ الكافرَ": اتفق المسلمون على أن معناه: لا يتوارثون ميراثَ أهلِ الإسلام بعضِهم من بعض (1)، وأما لو مات عبدُ المسلمِ الكافرُ، لكان مالُه لسيدِه المسلمِ، لا بالميراث، بل لأنه مالُه؛ لأن مالَ عبده مالُه، إن شاء تركَه بيدِ عبده (2)، وإن شاء انتزعَه، فإذا مات العبدُ، بقي المالُ للسيدِ، وكذا لو أعتقه، ثم مات على كفره، لم يرثْه؛ لأن ميراثَه لجماعةِ المسلمين.
ولا خلافَ في هذه الجملة، إلا ما أجازه بعضُ السلفِ من ميراث المسلم الكافرَ، بخلاف العكس، وكأن هذا الحديث لم يبلغهم (3)، وجاء -أيضًا- في "الصحيح":"لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى"(4)(5).
وممن قال بتوريث المسلمِ من الكافرِ: معاذٌ، ومعاويةُ، وابنُ المسيب، ومسروقٌ، وغيرُهم.
(1) في "ت": "بعضًا".
(2)
"بيد عبده" ليس في "ت".
(3)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 324).
(4)
في "ت": "شيئًا".
(5)
رواه أبو داود (2911)، كتاب: الفرائض، باب: هل يرث المسلم الكافر، وابن ماجه (2731)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك، من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (3/ 84): ووهم عبد الحق فعزاه لمسلم.
وروي عن أبي الدرداء، والشعبي، والزهري، والنخعي، نحوُه، على اختلاف عنهم في ذلك.
قال الإمام: والصحيحُ عن هؤلاء خلافُه.
وحجةُ هؤلاء: أن أخوين اختصما إلى يحيى بن معمر؛ مسلمًا ويهوديًا في ميراث أخ لهما يهوديٍّ، فورَّث المسلمَ، وذكر أن معاذَ بنَ جبل قال: سمعتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "الإسلام يزيد ولا ينقص"(1)، واحتجوا -أيضا- بقوله عليه السلام:(2)"الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ"(3)، وهذا لا حجةَ فيه؛ لأن المراد به (4): فضلُ الإسلام على غيره، ولم يصرح في
(1) رواه أبو داود (2912)، كتاب: الفرائض، باب: هل يرث المسلم الكافر، والإمام أحمد في "المسند"(5/ 230)، والحاكم في "المستدرك"(8006)، وغيرهم، من طريق يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدؤلي، به وقد أعل بالانقطاع بين أبي الأسود ومعاذ، ولكن سماعه منه ممكن، وقد زعم الجوزقاني أنه باطل، وهي مجازفة. انظر:"الفتح" للحافظ ابن حجر (12/ 50).
(2)
قوله: "الإسلام يزيد ولا ينقص" واحتجوا أيضًا بقوله عليه الصلاة والسلام" ليس في "خ".
(3)
رواه الروياني في "مسنده"(7836)، والدارقطني في "سننه"(3/ 252)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 205)، والديلمي في "مسند الفردوس"(395)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة"(8/ 240)، عن عائذِ بنِ عمرو المزني رضي الله عنه.
(4)
"به" ليس في "خ".
هذا (1) بإثبات التوريث، ولا يصح أن يُرَدَّ النصّ من قوله عليه الصلاة والسلام:"لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ" بمثل هذه الاحتمالات (2).
قال السهيلي: ومن جهة المعنى: إنَّ الكافر قطعَ ما بينه وبينَ اللَّه -تعالى- بكفره، فقُطع ما بينه وبين أوليائه، وهم المؤمنون (3)، ولأن الميراث أصلُه المعاضدةُ والمناصرة، ولا مناصرةَ بين الكفار والمسلمين، بل هم أشدُّ الأعداء لهم (4).
قلت: لا سيما اليهود (5)، {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82]، فاستحال من حيث المعنى توارثُهم بعضِهم من بعض.
ولتعلمْ: أن مذهب مالك رحمه الله: أن أهلَ الكفر أصحابُ مللٍ مختلفة، فلا يرث عنده اليهوديُّ من النصراني، ولا العكسُ، وكذلك المجوسيُّ لا يرثُ هذين، ولا يرثانه.
وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وداود: الكفرُ كلُّه ملةٌ واحدة، وإن الكفار يتوارثون، فالكافر يرثُ عندَهم الكافرَ (6)، على (7) أيِّ كفرٍ كان.
(1) في "ت": "بهذا".
(2)
انظر: "المعلم" للمازري (2/ 333).
(3)
انظر: "الفرائض وشرح آيات الوصية" للسهيلي (ص: 139).
(4)
"لهم" ليست في "خ".
(5)
في "خ": "اليهودي".
(6)
في "ت": "فالكافر عندهم يرث الكافر".
(7)
"على" ليست في "خ".
وكأن منشأ الخلاف بين العلماء (1): قولُه عليه الصلاة والسلام: "لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى (2) "(3)، فلما اعتقدَ مالكٌ أن مللَ الكفر مختلفةٌ، منع التوارثَ من اليهودي والنصراني، وقال تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا نرثُ (4) أهلَ الملل، ولا يرثونا (5)، فسمّاهم مللًا.
ولما اعتقد الشافعيُّ ومن ذُكر معه: أن أنواع الكفر ملةٌ واحدة، وَرَّثَ اليهوديَّ من النصراني، والعكس، وقد قال تعالى:{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، فوحّد الملةَ، وقال تعالى:{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6]، فوحَّد الدين، ولم يقل: أديانكم.
وقالوا: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتوارثُ أهلُ مِلَّتينِ شتَّى (6) " هو كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يرثُ الكافرُ المسلم، ولا المسلمُ الكافرَ".
ع: وقد قال بعض مَنْ رأى أَنَّ الكفر مللٌ مختلفة: إن السامرة من اليهود أهلُ (7) ملة واحدة، والصابئين مع النصارى أهلُ ملة ثانية،
(1)"بين العلماء" ليست في "ت".
(2)
في "ت": "شيئًا".
(3)
تقدم تخريجه قريبًا.
(4)
في "ت": "يورث".
(5)
في "ت": "ولا يورثون".
(6)
في "ت": "شيئًا".
(7)
"أهل" ليس في "ت".
والمجوس ومَنْ لا كتابَ لهم (1) ملةٌ ثالثة (2)، وتكون هذه عندهم ثلاث ملل، سوى ملة الإسلام، يُحكى هذا المذهب عن شريح، وشريك، وابن أبي ليلى (3).
ع: وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يرثُ المسلمُ الكافرَ" عمومٌ يدخل تحته الكافرُ الأصلي، والمرتدُّ، وهو قول مالكٍ، وربيعةَ، وابنِ أبي ليلى.
وقال الشافعي: إن ميراثَ المرتدِّ لجماعةِ المسلمين.
وذهب الكوفيون، والأوزاعي، وإسحاقُ (4): إلى أن ورثته المسلمين يرثونه، وروي عن علي، وابنِ مسعود، وجماعة من السلف، إلا أن الثوري، وأبا حنيفة، قالا: ما اكتسبَ في رِدَّتِه، فهو فيءٌ للمسلمين، والآخرون يورثون الجميعَ لورثتِه المسلمين (5).
قلت: قول ع عن الشافعي: إن ميراث المرتدِّ لجماعة المسلمين، وتسميته ذلك ميراثًا؛ إما توسُّع، وإما وهمٌ، بل (6) مذهبُ الشافعي في
(1) في "ت" زيادة: "أهل".
(2)
"ثالثة" ليس في "خ".
(3)
انظر: "المعلم" للمازري (2/ 334)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 325).
(4)
"إسحاق" ليس في "ت".
(5)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 326).
(6)
في "ت": "ولا مكان "بل".
هذه المسألة موافقٌ لمذهبنا في أنَّ مالَ المرتد فيءٌ، وفي "الوسيط" للغزالي رحمه الله: المرتدُّ لا يرثُ، ولا يرثُه (1) لا قريبُه الكافرُ، ولا قريبُه المسلمُ، ولا قريبُه المرتدُّ، بل مالُه فيء، ولا فرقَ بين ما اكتسبَ بعد الردَّة، وبين ما اكتسب قبلَها، هذا نصُّ كلامه في "الوسيط"(2).
وقال ابنُ هبيرة في كتابه "إجماع الأئمة": الأئمةُ اختلفوا -يعني: الأربعة- في مال المرتد أين يُصرف، وهل يورث؟ بعد اتفاقهم على أنه لا يرثُ.
فقال مالك، والشافعي، وأحمدُ في أظهر الروايات عنه: إذا قُتل المرتد، أو مات على رِدَّته، يُجعل ماله في بيت مال المسلمين (3)، ولا يرثه ورثتُه، وسواء في ذلك ما اكتسبه في حالةِ إباحةِ دمه، أو حقنِه.
وعن أحمد رواية أخرى (4) ثانية: يكون مالُه لورثته من المسلمين.
وعنه رواية أخرى: إن ميراثه يكون لورثته من أهل دينه (5) الذين اختارهم، إذا لم يكونوا مرتدين.
وقال أبو حنيفة: ما كسبه المرتدُّ في حال إسلامه يكون لورثته
(1) في "ت": "ولا يورث".
(2)
انظر: "الوسيط" للغزالى (4/ 361).
(3)
في "ت": "المال" مكان "مال المسلمين".
(4)
"أخرى" ليس في "ت".
(5)
في "ت": "الدين".
المسلمين، وما كسبه (1) في حال ردته يكون فيئًا، واللَّه أعلم (2).
فقد علمتَ من مجموع هذا؛ أنه لا خلافَ بيننا وبين الشافعي في مسألة المرتد، واللَّه الموفق.
* * *
(1) في "ت": "ما اكتسبه".
(2)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 93).