الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الفرائض
الحديث الأول
291 -
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَباسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ، فَهُوَ لأِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"(1).
وَفي رِوَايَةٍ: "اقْسِمُوا المَالَ بَيْنَ أَهْلِ الفَرائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا تَرَكَتِ الفَرَائِضُ، فَلأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"(2).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (6351)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث الولد من أبيه وأمه و (6354)، باب: ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن، و (6356)، باب: ميراث الجد مع الأب والإخوة، و (6365)، باب: ابني عم أحدهما أخ للأم والآخر زوج، ومسلم (1615/ 2، 3)، كتاب: الفرائض، باب: ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر، والترمذي (2098)، كتاب: الفرائض، باب: في ميراث العصبة.
(2)
رواه مسلم (1615/ 4)، كتاب: الفرائض، باب؛ ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر، وأبو داود (2898)، كتاب: الفرائض، باب: في ميراث العصبة، وابن ماجه (2740)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث العصبة. =
* الشرح:
قال ابنُ فارس: أصلُ الفرائض: الحدودُ، وهو من فَرَضْتُ الخشبةَ: إذا حززت فيها حَزًّا يؤثِّر فيها، وكذلك الفرائضُ (1): حدودٌ وأحكامٌ مبينةٌ، وهي عبارة عن تقدير الشيء، قال اللَّه تعالى:{سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1]؛ أي: قدرناها (2).
والفرائضُ جمعُ فَرِيضةَ، وكأنها فَعِيلةَ (3)، بمعنى مفعولة؛ لأنَّ اللَّه -تعالى- فَرَضَها حكمًا، والفَرَضِيُّ يفرضُها عملًا، فهي كقَتِيلَة، وكَحِيلَة من حيث إنها فَعِيلةٌ بمعنى مفعولةَ.
ومعنى "ألحقوا الفرائض بأهلها": أعطُوا كلَّ ذي فرضٍ فرضَهُ المسمَّى له (4) في (5) كتابِ اللَّهِ -تعالى-، أو سنةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أو
= * مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (4/ 97)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 327)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 564)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 53)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 15)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1239)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 265)، و"فتح الباري" لابن حجر (12/ 11)، و"عمدة القاري" للعيني (23/ 241)، و"كشف اللثام" للسفاريني (5/ 187)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 98)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (6/ 170).
(1)
في "ت": "للفرائض".
(2)
انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 82)، وعنه نقل المؤلف رحمه الله.
(3)
في "ت": "فعولة".
(4)
"له" ليس في "ز".
(5)
"في" ليس في "ت".
ما أجمع عليه، ونحو ذلك. (1)
ع (2): ووقع عندَ ابنِ (3) الحذَّاءِ عن ابنِ ماهانَ: "فلأَدْنىَ رَجُلٍ ذَكَرٍ"، وهو تفسيرُ أَوْلى، أي: أقرب، وأقعد (4) بالميت (5).
قلت: وقد اشتُهر استشكالُ قولِه عليه الصلاة والسلام: "فلأَوْلى رجلٍ ذكرٍ"؛ إذ الرجلُ لا يكونُ إلا ذكرًا، فما فائدةُ ذكرِه، والتوكيدُ إنما يحسُنُ إذا كان يفيدُ؟
وقد اختلفت (6) أجوبةُ الناسِ عن هذا الإشكالِ، فقالَ بعضُهُم: تحرز به عن الخنثى، واستُضْعف.
وقال آخرون: لما علم أن الرجالَ هم أربابُ القيام بالأمور، وفيهم معنى التعصيب، وكانت العرب ترى لهم (7) القيامَ بأمور لا تراها للنساء، ذكر عليه الصلاة والسلام الذكوريةَ؛ ليجعلها كالعلَّة التي لأجلها خص بذلك، تنبيهًا على فضيلتها.
(1) قوله: "وكأن استعمال الأهل هنا مجاز" ليس في "خ".
(2)
"ع" ليس في "ز".
(3)
في "ت": "لابن".
(4)
في "ز": "وأقصد".
(5)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 327).
(6)
في "ز": "اختلف".
(7)
في "خ": "لهما".
قلت: وهذا كلُّه على أن (1)(ذَكَرٍ) نعتٌ لرجلٍ، وهو المتبادَرُ إلى الذهن، وأَبى (2) ذلك السُّهيليُّ رحمه اللَّه تعالى، وقال: لا يصحُّ ذلك لثلاثة أوجه:
أحدها: عدمُ الفائدة، ويجلُّ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عن أن يتكلَّمَ بما هو حشوٌ في الكلام، ليس فيه فائدةٌ، ولا تحته فقهٌ، ولا يتعلَّق به حُكمٌ.
والوجه الثاني: أنه لو كان كما تأولوه، لنقصَ فقهُ الحديث، ولم يكن فيه بيان لحكم الطفلِ الرضيعِ الذي ليسَ برجُل، وقد (3) عُلم أن الميراثَ يجبُ (4) للأقعد (5)، كان كان ابنَ ساعةٍ، ولا يقال في عُرف (6) اللغة رجلٌ إلا للبالغ، فما فائدةُ تخصيصِه بالبالغِ دونَ الصغير؟
و (7) الوجْهُ الثالث: أن الحديث إنما ورد لبيان من (8) يجبُ له الميراثُ من القرابة بعدَ أصحاب السِّهام، فلو كان كما تأولوه، لم يكن فيه بيانٌ لقرابة الأم، والتفرقةُ بينهم وبين قرابة الأب، فبقي (9) الحديثُ
(1)"أن" ليس في "ت".
(2)
في "ز": "ومال إلى".
(3)
في "ز": "فقد".
(4)
"يجب" ليس في "ز".
(5)
في "ز": "الأقعد".
(6)
"عرف" ليس في "ز".
(7)
الواو ليست في "خ" و"ز".
(8)
في "ز": "لمن" مكان "لبيان من".
(9)
في "خ" و"ز": "فيبقى".
مجمَلًا، لا يفيد (1) بيانًا، وإنما بعث عليه السلام ليبين للناس ما نزل إليهم.
قال: فإذا ثبت هذا (2) فلنذكر معنى الحديث، ولنعطفْ على موضع الإشكال منه، ومنشأ الغلط فيه، بعون اللَّه تعالى، فنقول:
قوله عليه الصلاة والسلام: "أَوْلى رجلٍ ذكرٍ" يريدُ: القريبَ الذي قرابتُه من قِبَلِ رجلٍ (3) وصُلبٍ، لا من قِبَل (4) بطنٍ ورحم، فـ (أولى) بها (5) هنا هو أولى الميت، فهو مضافٌ إليه في المعنى دونَ اللفظ؛ إضافةً النسَب (6)، وهو في اللفظ مضافٌ إلى النسب، وهو الصُّلب، وعبّر عن الصلب بقوله:"أَوْلَى رجلٍ ذكرٍ"؛ لأن الصُّلب لا يكون ولدًا (7)، ولا سببًا (8) حتى يكون رجلًا.
وأفاد (9) قوله: "لأولى رجل" نفي الميراث عن الأولى الذي هو من قِبَلِ الأُم؛ كالخالِ ونحوِه؛ لأنَّ الخالَ أولى الميت، ولاية (10) بطن،
(1) في "ز": "لا يفضل".
(2)
قوله: "وإنما بعث عليه السلام ليبين للناس ما نزل إليهم. قال فإذا ثبت هذا" ليس في "خ" و"ت".
(3)
في "ت" زيادة: "ذكر".
(4)
في "ت": "قرابة".
(5)
"ها" ليست في "خ".
(6)
في "خ": "النسبة".
(7)
في "خ" و"ت": "والدًا".
(8)
في "ز" و"ت": "نسبًا".
(9)
"أفاد" ليست في "خ" و"ت".
(10)
في "خ": "ولأنه".
لا ولايةُ صُلب، وأفاد بقوله:"ذكرٍ" نفيَ الميراث عن النساء، وإن كان من الأولَيْنَ بالميت من قِبَلِ صُلب؛ لأنهنَّ إناثٌ، فـ (ذكرٍ) نعتٌ لأوْلَى (1)، وإن كان مخفوضًا في اللفظ يحسب أنه نعتٌ لرجلٍ.
ولو قلت: من يرثُ هذا الميتَ بعدَ ذوي السهام؟ لوجبَ أن يُقال لك (2): يرثُه أولى (3) رجلٍ ذكرٌ -بالرفع-، لأنه نعت لفاعل، ولو قلت: من يُعطى المالَ؟ لقيلَ لك: أعطِه أَوْلى رجلٍ ذَكَرًا -بالنصب-؛ لأنه نعت لأَوْلى، فمن هاهنا دخلَ الإشكال. ثم بسطَ الكلامَ بعدَ ذلك بعضَ بسْط (4)، أضربْنا عن ذكره خشيةَ الإطالة، وقد استوفيته في "الكوكب الوهّاج في شرح المنهاج" في علم الفرائض، واللَّه الموفق.
والحديثُ نصٌّ في تبديةِ أهلِ السهامِ على العَصَبَة، والحكمةُ في ذلك (5): أنه لو ابتُدىءَ بالعصبةِ، لاستغرقوا المالَ، وسقطَ ذَوو الفروض (6).
فإن قلتَ: الحديثُ يقتضي اشتراطَ الذكورةِ في العُصوبة
(1) في "ت": "الأَوْلى".
(2)
في "ت": "لقيل لك".
(3)
في "ت": "أولى من يرثه".
(4)
انظر: "الفرائض وشرح آيات الوصية" للسهيلي (ص: 84) وما بعدها.
(5)
"في ذلك" ليس في "ت".
(6)
في "ت": "ذو الفرض".
المستحقة للباقي بعدَ ذوي الفروض، (1) وقد ثبت في حديث أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه ما يدلُّ على أن الأخواتِ عصبةُ البنات؛ حيث حكى عنه عليه الصلاة والسلام: أنه أعطى البنتَ النصفَ، وبنتَ الابنِ السدسَ، والأختَ (2) ما بقي (3).
قلتُ: أُجيب عن ذلك بأن هذا من طريق المفهوم، وأقصى درجاته أن يكون له عمومٌ فيخصُّ (4) بالحديثِ الدالِّ على ذلك الحكم -أعني: حديثَ أبي موسى المتقدم-، قاله في (5)، واللَّه أعلم (6).
* * *
(1) من قوله: "فـ "ذكر" نعت لأولى. . . " إلى هنا ليس في "ز".
(2)
في ز": "وللأخت".
(3)
رواه البخاري (6355)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث ابنة ابن مع ابنة.
(4)
في "خ": "مختص"، وفي "ت":"فخص".
(5)
"ق" ليس في "ز".
(6)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 16).