الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأنشد بعده وهو الإنشاد الواحد والستون بعد المائتين:
(261)
غير مأسوفٍ على زمنٍ
…
ينقضي بالهمِّ والحزن
على أن فيه أعاريب ثلاثة، والوجه الأول أورده ابن الشجري في المجلس الخامس من "أماليه" قال: سئلت عنه فقيل: بم يرتفع غير؟ فأقول: إنَّ قوله: مأسوفٍ، مفعول من الأسف، وهو الحزن، وعلى متعلقة به كقولك: أسفت على كذا أسفًا، وموضع قوله: بالهم، نصب على الحال، والتقدير: ينقضي مشًا بالهم، و"غير" رفع بالابتداء، ولما أضفيت إلى اسم المفعول، وهو مسند إلى الجار والمجرور، استغنى المبتدأ عن خبر، كما استغنى "قائم" و"مضروب" في قولك: أقائم أخواك؟ وما مضروب غلاماك، عن خبر من حيث سد الاسم المرفوع بهما مسدّ الخبر، لأنَّ قائم ومضروب قاما مقام: يقوم ويضرب، فتنزل كل واحد منهما مع المرفوع به منزلة الجملة، وكذلك إذا أسندت اسم المفعول إلى الجار والمجرور سدَّ الجار والمجرور مسدَّ الاسم الذي يرتفع به، كقولك: أمحزون على زيد؟ وما يؤسف على بكر، فلما كانت غير للمخالفة في الوصف، فجرت لذلك مجرى حرف النفي، وأضيفت إلى اسم المفعول وهو مسند إلى الجار والمجرور، والمتضايفان بمنزلة الاسم الواحد، سدَّ ذلك مسدَّ الجملة حيث أفاد قولك: غير مأسوف على زيد، ما يفيده قولك: ما يؤسف على زيد انتهى. وزعم ملك النحاة الحسن ابن أبي نزار في "المسائل العشر المنبوذة بإتعاب
الفكر إلى الحشر" أنه هو الذي أجاب بهذا الجواب، قال فيها: سئل في بغداد عن قول الشاعر: غير مأسوف على زمن البيت، فلم يعرف وجه رفع غير، وأول من أخطأ فيه شيخنا الفصيحي، فعرَّفته ذلك، والذي ثبت الرأي عليه أن المعنى لا يؤسف على زمن، فغير مرفوع بالابتداء، وقد تمَ الكلام بمعنى الفعل، فسدَّ تمام الكلام وحصول الفائدة مسدّ الخبر، كما قالوا: أقائم أخواك؟ والمعنى: أيقوم أخواك؟ فقائم مبتدأ، وسد تمام الكلام مسدَّ الخبر ولا خبر في اللفظ. انتهى. وهو ممَّن جهَّله أهل بغداد، وردّوا عليه في أشياء ارتكب فيها خلاف الصَّواب، منهم ابن الشجري والجواليقي وغيرهما.
وقال أبو حيّان في "تذكرته": لم أر لهذا البيت نظيرًا في الإعراب إلَّا بيتًا في قصيدة للمتنبي، وهو:
ليس بالمنكر أن برَّزت سبقًا
…
غير مدفوعٍ عن السَّبق العراب
فالعراب مرفوع بمدفوع، ومن جعل العراب مبتدأ فقد أخطأ، لأنه يصير التقدير: العراب غير مدفوع عن السبق، والعراب: جمع، فلا أقل من أن يقول: غير مدفوعة، لأن خبر المبتدأ لا يتغير تذكيره وتأنيثه بتقديمه وتأخيره، تقول: الشمس طالعة، وطالعة الشمس، ولا يجوز: طالع الشمس، لأن التقدير: الشمس طالع، وذلك لا يجوز. انتهى.
وقد تبع ابن مالك ابن الشجري، قال في باب المبتدأ من "شرح التسهيل": إذا قصد النفي بغير يضاف إلى الوصف، ويجعل غير مبتدأ، ويرفع ما بعد الوصف به، كما لو كان بعد نفي صريح، ويسد مسد خبر المبتدأ، وعلى ذلك وجه ابن الشجري
قول الشاعر: "غير مأسوف على زمن" ومثله قول الآخر:
غير لاهٍ عداك فاطَّرح اللَّهو
…
ولا تغترر بعارض سلم
انتهى. وهذا التخريج مأخوذ من كلام ابن جني الآتي، وتبعه ابن الحاجب أيضًا، وقد تبعه أيضًا ابن النحاس وابن مكتوم نقل كلامهما السيوطي في "الأشباه والنظائر" وقد تبعه الرضي أيضًا في باب المبتدأ في "شرح الكافية" وقول المصنف: إن التخريج الثاني لابن جني ولابن الحاجب.
أما الأول؛ فقد نقله أبو حيان في "شرح التسهيل" قال: سأل عالٍ ابن أبي الفتح أباه أبا الفتح ابن جني عن قوله:
غير مأسوفٍ على زمنٍ .. البيت،
فأجابه بأن المقصود ذم الزمان الذي هذه حاله، فكأنه قال: زمان ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه، فزمان: مبتدأ، وينقضي: صفته، وغير: خبره، ثم حذف المبتدأ، وجعل إظهار الهاء مؤذنًا بالمحذوف، لأنك إنما جئت بالهاء لمَّا تقدمها ذكر ما يرجع إليه، فصار اللفظ بعد الحذف والإظهار: غير مأسوف على زمن ينقضي .. الخ. وهذا التخريج بعيد جدًا متكلف، وهي عادة ابن جني وشيخه في مجيئهما بالتخريجات المتكلفة التي لا يكاد يلحظها العرب. قال أبو الفتح: وإن شئت قلت: هو محمول على المعنى، كما حملت: أقلُّ امرئ يقول ذاك، على المعنى، فلم تذكر في اللفظ خبرًا لأقل، مع أنه مبتدأ. وقد أضفت أقل إلى امرئٍ، ووصفت المرء بـ"يقول ذاك"