الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما المزني فلقوله:
دعوت بني قحافة فاستجابوا
…
فقلت ردوا فقد طابّ الورود
انتهى. وفي كتاب يتعلق بنقد الشعر ولا أعرف مؤلفه: ومن خبيث الهجاء وممضه قول عمرو بن معدي كرب: وجاشت إلى النفس .. البيت، لو أنَّ شاعرًا أراد هجاءه بأقبح من هذا البيت لما قدر عليه؛ لأنه ذكر أنَّ نفسه حسنت له الفرار، وجاشت من الخوف، فردَّها على المكروه قاستقرت، إلَاّ أنَّ جماعة من الشعراء الفرسان قد أتوا بهذا المعنى، واستحسنوا القبيح منه، وهم فرسان العرب، ومنهم ابن الإطنابة في قوله:
وقولى كلّما جشأت وجاشت
…
البيت
وأخذه قّطّري بن الفجاءة فقال:
أقول لها وقد طارت شعاعًا .. من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنَّك لو سألت بقاء يوم
…
على إلَاّجل الَّذي لك لم تطاعي
ومثله لدريد:
جاشت إلى النفس في يوم الفزع
وهذا كثير جدا وإذا كان عمرو بن معدي كرب، وابن الإطنابة، وأمثالها من فرسإنَّ الجاهلية، ومن شهرت له المقامات في الحرّوب، يذكرون في أشعارهم أنَّ أنفسهم همّت بالفرار، فعذر الله الغمر والطبري وأشباهه في ذكرهم الفرار ما استحسنه وأجازه غيرهم من الفرسان المعدودين.
"
كلّا وكلّتا
"
أنشد فيهما، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الثلاثمَّائة:
(333)
إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مُدَىٌ
…
وَكَلَا ذَلِكَ وَجُهَ وَقَبْلَ
على أنَّ ((كلّا)) لا تضاف إلَاّ إلى ما يدل على اثنين، وهنا أضيفت إلى ((ذلك))، وهو أسم الإشارة يشار به إلى الواحد، وأجاب بأنّه أشير به إلى المثنى على معنى: وكلّا ما ذكر، كقوله تعالى:{عوان بين ذلك} [البقرة/68] أي: بين الفارض والبكر، وهذا تأويل صاحب ((الكشاف)) في الأية. قال: فإنَّ قلت: ((بني)) يقتضي شيئين فصاعدًا، فمن أين جاز دخوله على ((ذلك))؟ قلت: لانه في معنى شيئين حيّث وقع مشارًا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر، فإن قلت: كيف جاز أنَّ يشار به إلى مؤنثين، وإنَّما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟ قلت: جاز ذلك على تأويل ما ذكر، وما تقدَّم، للاختصار في الكلّام. انتهى. وهذا غير جيد؛ فإنَّ اسم الإشارة يؤول به الضمير المفرد إذا كان مرجعه متعددًا، كقول صاحب ((الكشاف)) في سورة الأنعام عند قوله تعالى:{قل أرأيتم إنَّ أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به} [الأنعام/46] أي: يأتيكم بذاك، إجراء للضمير مجرى اسم الإشارة، أو بما أخذا وختم عليه. انتهى. فأول الضمير المخالف لمرجعه باسم الإشارة وبالوصول، وهما تأويلان معروفان للضمير المخالف، والأول أجود؛ لأنَّ التأويل بالموصول يستدعي زيادة تقدير، ولأنَّ التأويل باسم الإشارة تأويل للراجع، وبالموصول تأويل للمرجع، وتغيير التابع أهون من تغيير المتبوع، ولذا قدمه في تأويل آية الأنعام، وبعضهم يعبر عند التأويل بالموصول بقول المذكور، بناء على أنَّ ((أل)) في الوصف موصولة وإنَّ أريد الثبوت، وفي كلّام صاحب ((الكشاف)) تصريح بأنَّ اسم الإشارة نفسه إذا خالف المشار إليه إفرادًا وضدية وتذكيرًا وضده، لا يحتاج إلى التأويل فيترك على حاله، لأنَّ تلك الَاّحوال ليست ثابتة على الحقيقة، كما أنَّ الموصول كذلك، وهو واضح. كيف! ولو احتاج ما به التأويل إلى التأويل بشيء آخر لزم التسلسل، وكان ينبغي له أنَّ يترك تأويل اسم الإشارة بما ذكر في آية البقرة، ويقول: جاز ذلك لأنَّ أسماء الإشارة، تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليس على الحقيقة، وقد اعترف
به بعد سطرين فقال: وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا، قال أبو عبيدة قلت لرؤية في قوله:
فيها خطوط من سواد وبلق
…
كأنه في الجلد توليع البهق
إنَّ أردت الخطوط فقل: كأنها، وإنَّ أردت السواد والبلق فقل: كأنهما، فقال: أردت كأنَّ ذاك ويلك! والَّذي حسّن منه أنَّ أسماء الإشارة، تثنيتها وجمعها، وتأنيثها، ليست على الحقيقة، وكذلك الموصولات، ولذلك جاء الَّذي بمعنى الجمع. انتهى كلّامه.
فهذا اعتراف منه ببطلان أول كلّامه؛ لأنَّ مقتضاه جواز الإشارة إلى المؤنثين به بشرط أنَّ يكون المشار إليه مؤولًا بالموصول، كما أنَّ الضمير كذلك، ومقتضى آخره جواز الإشارة إليهما به، فأفسد ذلك الشرط، ولم يتنبه أحد من شراحه لهذا التدافع.
واعلم أنَّ السر في كون التثنية والجمع والتأنيث في أسماء الإشارة، والموصولات ليست على الحقيقة بخلاف الضمائر، أنَّ تخصيص ما يعبّر به عن المذكر والمؤنث والمثنى والمجموع بصيغة مخصوصة، ليتميز كلّ عن إلَاّخر لدى المخاطب، حتى يفهم مراد المتكلّم، والحاجة إلى ذلك التمييز إنَّما تتحقق إذا صارت ذات كلّ غائبة عن الحس الظاهر أو الباطن، فلا تتحقق تلك الحاجة كلّ التحقيق في الإشارة والموصول، لتولي الحسّ الظاهر على التمييز في الأول، والباطن في الثاني، إذ لا تستعمل الموصولات ما لم تكن الذات معلومة بين المتكلّم والمخاطب؛ لأنَّ تعريفها بالعهد الَّذي في الصلة، بخلاف الضمير، فإنه قد يكون للغائب عن الحس، فتتحقق
الحاجة إليه كلّ التحقيق، فلا يتوصل إلى التمييز فيه إلَاّ بالصيغ المخصومة، ولذا وضعوا ((إنَّا)) و ((نحن)) للمتكلّم مذكرًا أو مؤنثًا، ووضعوا الموصولات المشتركة وتعدد صيغ الموصولات لنصه، وأسماء الإشارة للتوسع في الألفاظ، كوضع الألفاظ المترادفة، والله أعلم.
والبت من قصيدة لعبد الله بن الزَّبعرى، قالها يوم أحد وهو مشترك يفتخر بها، أوردها أصحاب السيَّر، منهم ابن هشام وابن سيد النّاس، وأولها:
يا غرابّ البّين أسمّعتّ فقل
…
إنَّما تنطق شيئًا قد فعل
إنَّ للخير وللشَّرَّ مدَّى
…
وكلّا ذلك وجه وقبل
كلّ عيش ونعيم زائل
…
وبنات الدَّهر يلعبن بكلّ
أبلغا حسّان عني آية
…
فّقّريض الشَّعر يشفي ذا العلل
كم قتلنا من كريم سيدِ
…
ماجد الجدَّين مقدام بطّل
صادق الَّنجدة قرم بارع
…
غير ملتاث لدّىّ وقع إلَاّسل
ليت أشياخي ببدر شهدوا .. جزع الحزرج من وقع إلَاّسل
حيّن حلت بقباء بركها .. واستحرَّ القتل في عبد إلَاّشل
فقتلنا الضعف من أشرافهم
…
وعدّلنا ميل بدر فاعتدل
وفي رواية ابن هشام من هذا وأجابه حسإنَّ بن ثابت بقصيدة مطلعها:
ذّهبّت بابن الزّبعّري وقّعة .. كان مناَّ الفضل فيها لو عدّلّ
ولقد نلتم ونلنا منكم
…
وكذلك الحرّب أحيّانا دوّل
نضع الأسياف في أكتافكم
…
حيّث تهّوى عللًا بعدّ نهلّ
وقوله: يا غراب البين، هو كلّ غراب يتشاءم به، وإنَّما لزمه هذا الإسم؛ لأنَّ الغرابّ إذا بان أهل الدار وقع في مواضع بيوتهم يتلمس شيئًا، فتشاءموا به وتطيروا منه، إذ كان لا يعتري منازلهم إلَاّ إذا بانوا، فسموه غراب البين، ولا شيء عند العرب مما يتشاءم به إلَاّ والغراب أنكد منه، وقد جرت العادة بالتشاءم بصوته.
وقوله: إنَّما تنطق شيئًا، أي: بشيء، وسمي صوته نطقًا مجازًا، وفعل: بالبناء للمفعول، يريد: إنَّما تؤذن بأمر وقع، قال السهيلي: قوله: قد فعل، أي: قد فرغ منه وقدر، وكانوا في الجاهلية يقرون بالقدر، قال لبيد في الجاهلية:
إنَّ تقوى رّبنّا خير نفل .. وبإذن الله ريثي وعجل
مّن هدّاهّ سبل الخير اهتدى
…
ناعم البال ومن شاء أضّل
وقال راجزهم:
يا أيّها اللائم لمني أو فذر .. إنَّ كنت أخطأت فما أخطأ القدر
انتهى. وقوله: ((إنَّ للخير وللشر مدى)). المدى: الغاية، يقول: إنَّ لكلّ من الخير والشر غاية، وكلّاهما مما يتوجه إليه الإنسان ويستقبله. وقوله: وكلّا ذلك، أي: كلّا الأمرين من الخير والشر؛ ولا يؤول ((ذلك)) بما ذكر؛ لأنَّ اسم الإشارة صالح للواحد والَاّثنين وغيرهما، وبه يؤول الضمير إذا كان مخالفًا لمرجعه، فلا يؤوَّل ما يؤوَّل به كما حققناه إنَّفًا. وكلّا: مبتدأ، ووجه: خبره، وقد روعي هنا لفظها، لهذا أخبر عنها بمفرد، وروي:((لكلّا ذينك وقت وأجل)) وهذا هو الأصل، والوجه: ما يتوجه إليه إلإنسان من عمل وغيره، وقبل بفتحتين: ما يقبل عليه، والقبل: الَاّقبال على الشيء من غير تهيؤ، بقال: تكلّم فلانَّ قبلا فأجاد، وهو: إنَّ يتكلّم ولم يستعد له، وقال إلَاّصمعي: رجزته قبلًا: إذا أنشدته رجزًا لم تكن أعددته، وقال أبو عمرو: القبل: المحجة الواضحة، وبنات الدهر: حوادثه،
والأية: العلامة، والقريض: الشعر، والغلل: جمع غلّة، بضم أولهما، وهي حرّارة الجوف. والقرم، بفتح القاف: السيد، والبارع: الفاضل، والملثات أصله: ملتوث، اسم فاعل من التاث، مأخوذ من اللوثه، بالضم وهي: الإسترخاء والبطء، والحمق والضعف، وكثرة اللحم والشحم. وإلَاّسل: الرماح، واحدة أسّلة، بتحرّيكهما. وقباء، بالضمّ والمدّ: قرية قرب المدينة المنوَّرة. والبرك، بالفتح: الصدر، قال ابن سيد الناس: عبد الأشل يريد عبد الأشهل. انتهى قال صاحب ((القاموس)):
قال ابن الكلّبي: الأشهل: صنم، ومنه بنو عبد الأشهل لحيّ من العرب، وكذا في ((القاموس)). استحرّ: اشتدَّ من الحرّارة، والميل: الانحطاط.
وابن الزَّبعرى هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي بن سهم القرشي السهمي الشاعر، كان من أشدَّ الناس على النبيّ، صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه بلسانه ونفسه، وكان من أشعر الناس وأطبعهم، يقولون انه أشعر قريش قاطبة، وكان يهاجي حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، ثمَّ أسلم عام الفتح بعد أنَّ هرب يوم الفتح إلى نجران، فرماه حسّان ببيت واحد وما زاد عليه.
لا تعد من رجلًا أحلَّك بغضه
…
نجرإنَّ في عيش أحذَّ لئيم
فلما بلغ ذلك ابن الزبعري، قدم إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلم وحسن إسلامه، واعتذر إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقبل عذره، ثمَّ شهد ما بعد الفتح من المشاهد، ومن قوله بعد إسلامه:
يا رسول المليك إنَّ لساني
…
رائق ما فتقت إذ إنَّا بور
إذ أجاري الشيَّطان في سنن الغي
…
وفي ذلك خاسر مثبور
يشهد السَّمع والفؤاد بما قلت
…
ونفسي الشهيد وهي الخبير