الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ألا أبلغا صخرًا فإني لم أكن
…
لأقذف صخرًا بالنِّفاق ولا الكفر
ولكن في صخر عيوبًا كثيرة
…
إذا ذكرت نقبن من حيث لا يدري
عيوبًا وفحشًا للصّديق وغفلة
…
وغشًا وشعر أمثل شعر أبي الجبر
وأبو الجبر: مجنون من بني ربيعة بن حنظلة، كان يقول شعرًا مخلطًا محالًا.
وقال أيضًا:
أبوك أبي وأنت أخي ولكن
…
تفاصلت الصَّنائع والظّروف
وأمُّك حين تنسب أمُّ صدق
…
ولكنَّ ابنها طبع سخيف
قال صاحب "الأغاني": وحبناء: لقب على أمّه غلب على أبيه، واسمه حبين، هاجي زياد الأعجم، وحبناء: بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدّة بعدها نون فألف ممدودة، وحبين: بضمّ المهملة وفتح الموحدة: مصغر أحين.
حرف الكاف
أنشد فيه، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد المائتين:
(291)
وطرفك إما جئتنا فاحبسنَّه
…
كما يحسبوا أنَّ الهوى حيث تنظر
على أنَّ الأصل عند الفارسي: كيما .. إلى آخره. قال ابن مالك في "شرح
التسهيل": وإذا حدث فيها، أي: في "كما" معنى التعليل، ووليها مضارع نصبته، لشبهها بـ "كي" كقول الشاعر: وطرفك إمّا جئتنا .. البيت. وزعم الفارسي أن الأصل: كيما، فحذفت الياء، وهذا تكلّف لا دليل عليه ولا حاجة إليه. انتهى. قال أبو حيّان في "شرحه" بعد أن نقله: كان ينبغي أن يقول: ووليها مضارع نصبته على قلة، كما قال في المتن: "وربّما" وكأنه اكتفى بتقييده في المتن. وقوله: "زعم الفارسي": هذا الذي ذهب إليه الفارسي مذهب الكوفيين، زعموا أنَّ "كما تغدِّي" من قوله:
كما تغدِّي القوم من شوائه
في موضع بـ "كيما"، وكما محذوفة من كيما، وسكّنوا ياء تغدي ضرورة، واستدلوا بقوله: كما يحسبوا، يريد: كيما يحسبوا، ولذلك حذف النون. وقوله: وهذا تكلف .. الخ، ليس كما ذكر، بل هو تأويل عليه دليل، وإليه حاجة، وذلك أنّه لم يثبت النصب بكما في موضع خلاف هذا المختلف فيه، فيحمل هذا عليه، والنّصب ثابت بكيما، والعلّة في كيما أصل، وفي كاف التشبيه المكفوفة بـ "ما" ليس أصلًا، ولذلك وقع الخلاف في:"انتظر كما آتيك" بين الخليل والقرّاء، فالأولى أن يعتقد أصلها كيما، لظهور التعليل فيها، ولثبوت النصب بكيما. انتهى.
وجزم ابن عصفور في كتاب "الضرائر" أنَّ أصلها كيما، قال: فحذفت الياء من كي ضرورة، ونسب ابن جنّي هذا التخريج في "إعراب الحماسة" للكسائي لا لشيخه أبي علي، قال في آخر "الحماسة" عند قول الشاعر:
أنخ فاصطبغ قرصًا إذا اعتادك الهوى
…
بزيت كما يكفيك فقد الحبائب
يحكي الكوفيون أنَّ كما من حروف النصب للفعل، وينشدون:
إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا
…
كما يحسبوا أنَّ الهوى حيث تنظر
وهذا شيء لا يثبته أصحابنا. وقال الكسائي فيما أظنّ: إنَّ أصله: كيما، فحذفت الياء. انتهى. أقول: وكذا نسبه ثعلب للكسائي قال في "أماليه":
وطرفك إما جئتنا فاحفظنَّه
…
كما يحسبوا أنَّ الهوى حيث تصرف
زعم أصحابنا أنَّ كما تنصب، فإذا حيل بينهما رفعت، كقوله:
اسمع حديثًا كما يومًا تحدِّثه
…
عن ظهر غيبٍ إذا ما سائلٌ سألا
وغيرهم يقول: "كما" ترفع، قال هشام: أفعل كما يفعلون، قال: يزعم البصريون أنها لا تعمل كما تعمل كي، قال: وأصحابنا يقولون: كما كـ "كي"، قال الكسائي: مثل ذلك: أتينك كي فينا ترغب، وأنشد:
قلت لشيبان ادن من لقائه
…
كما تغدِّي القوم من شوائه
قال: إذا لم تكن بمعنى كي، تكون بمعنى الجزاء، كما قمت قمت. وقال: "كما تكون تشبيهًا، وتكون جزاء، كما قمت قعدت، والتشبيه: قمت كما قمت، وتكون بمعنى كيما وكيلا. انتهى.
فعلم أنَّ ما نسب إلىلفارسي هو مذهب الكسائي، وأنَّ شرط نصب المضارع عندهم أن تتصل به، فلو فصلت عنه لم تنصبه، بل يكون مرفوعًا.
وتكلّم على هذه المسألة أبو البركات عبد الرّحمن بن الأنباري في كتابه "الإنصاف في مسائل الخلاف" قال: ذهب الكوفيون إلى أنَّ "كما" تأتي بمعنى "كيما" وينصبون بها ما بعدها، ولا يمنعون جواز الرفع، واستحسنه أبو العباس المبرد من
البصريين. وذهب البصريون إلى أنَّ "كما" لا تأتي بمعنى كيما، ولا يجوز نصب ما بعدها بها.
أمّا الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن كما تكون بمعنى كيما وأن الفعل ينصب بها أن قد جاء ذلك كثيرًا في كلامهم، قال صخر الغيّ:
جاءت كبيرٌ كما أخفرِّها
…
والقوم صيدٌ كأَّنهم رمدوا
أراد: كيما أخفّرها، ولهذا المعنى انتصب أخفِّرها. وقال الآخر:
وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنَّه
…
كما يحسبوا أنَّ الهوى حيث تنظر
أراد: كيما يحسبوا، وقال رؤبة:
لا تظلموا النَّاس كما لا تظلموا
أراد: كيما لا تظلموا. وقال عدي بن زيد العبادي:
اسمع حديثًا كما يومًا تحدثه
…
. . . . . البيت
وقال آخر:
يقلِّب عينيه كما لأخافه
…
تشاوس رويدًا إنّني من تأمَّل
أراد: كيما أخافه، إلَّا أنّه أدخل اللَّام توكيدًا، ولهذا المعنى كان الفعل منصوبًا، فهذه الأبيات تدل على صحة ما ذهبنا إليه.
وأمّا البصريّون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه لا يجوز النّصب بها؛ لأنَّ الكاف في "كما" كاف التشبيه أدخلت عليها ما، وجعلا بمنزلة حرف واحد، كما أدخلت "ما" على ربّ، وجعلا بمنزلة حرف واحد، ويليها الفعل كرّبما. وكما أنهم لا ينصبون الفعل بعد رَّبما، فكذلك ههنا.
وأمّا الجواب عن كلمات الكوفيين: أمّا البيت الأوَّل فلا حجة لهم فيه؛ لأنه روي: "كما أخفّرها" بالرفع، لأن المعنى: جاءت كما أجيئها، وكذلك رواه القرّاء من أصحابكم، واختار الرّفع، وهي الرواية الصحيحة. وأمّا البيت الثاني فلا حجّة فيه أيضًا؛ لأنَّ الرواية:"لكي يحسبوا" وأمّا البيت الثالث فلا حُجّة لهم فيه أيضًا؛ لأنَّ الرواية فيه بالتوحيد:
لا تظلم الناس كما لا تظلم
كالرواية الأخرى:
لا تشتم النّاس كما لا تشتم
وأما البيت الرّابع فليس فيه أيضًا حجّة؛ لأنَّ الرواة اتفقوا على أنَّا الرواية: "كما يومًا تحدثه" بالرّلإع، كقول أبي النّجم:
قلت لشيبان ادن من لقائه
…
كما تغدي القوم من شوائه
وكقول الآخر: أنخ فاصطبغ قرصًا .. البيت. ولم يروه أحد: "كما يومًا تحدثه" بالنّصب إلَّا المفضل الضبي وحده، فإنه كان يرويه منصوبًا، وإجماع الرواة من نحاة البصرة والكوفة على خلافة، والمخالف له أقوم منه بعلم العربية.
وأما البيت الخامس ففيه تكلف، والأظهر فيه:
يقلِّب عينيه لكيما أخافه
على أنه لو صح ما رووه من هذه الأبيات على مقتضى مذهبهم؛ فلا يخرج ذلك عن حدّ الشّذوذ والقلة، فلا يكون فيه حجّة، والله أعلم. هذا آخر كلام ابن الأنباري.
بقي وجه ذكره المصنف في التقارض من آخر الكتاب، وهو أن تكون "ما" في "كما" ناصبة، كما قيل في حديث:"كما تكونوا يولَّىعليكم" أعطى "ما حكم أن المصدريّة فعملت، كما أعطى أنَّ حكم ما المصدرية فأهملت في قوله:
أن تقرآن على أسماء ويحكما
…
.. البيت.
وما نقله المصنّف عن أبي محمّد الأسود من أنّ أبا علي حرَّف هذا البيت لغو لا يلتفت إليه، فإنَّ البيت من أدلّة الكوفيّين قبل أن يخلق أبو علي الفارسي، فما كان ينبغي للمصنّف أن ينقله ويسلّمه. وكان هذا الأسود –واسمه الحسن بن أحمد الأعرابي المعروف بالغندجاني، وغندجان: بلدة قليلة الماء والنّبات بفارس- متهوّسًا متشدّقًا، له إقدام وجرأة في الردّ على العلماء المتقدّمين، ومستنده فيما يرويه أبو النّدى محمّد بن أحمد، وهذا رجل مجهول، وكان الشريف ابن الهباريّة الشاعر يقول: ليت شعري، من هذا الأسود الذي قد نصب نفسه للردّ على العلماء، وتصدّى للأخذ على الأئمة القدماء! بماذا نصحح قوله، ونبطل قول الأوائل، ولا تعويل له فيما يرويه إلَّا على أبي النَّدى، ومن أبو النّدى في العالم؟ ! لا شيخ مشهور، ولا ذو علم مذكور! قال ياقوت الحموي بعد ما تقدَّم: ولعمري إنَّ الأمر كما قال، فإن هذا يقول: أخطأ ابن الأعرابي في أنَّ هذا الشعر لفلان، إنما هو لفلان بغير حجّة واضحة، وكان لا يقنعه أن يرد على أهل العلم ردًا جميلًا، إنما يجعله من باب السخريّة والتهكم، وضرب الأمثال، وكان يتعاطى تسويد لونه، ويدّهن بالقطران، ويقعد في الشمس ليحقق لنفسه التلقيب بالأعرابي، ورزق سعادة وثروة، رأيت بعض تصانيفه، وقد قرئ عليه سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. انتهى.
و"نزهة الأديب" هي الردود الَّتي ردَّ بها على أبي علي الفارسي في "التذكرة" ولم أرها إلى الآن، وإنَّما عندي من تصانيفه الردّ على النمري في "شرح مشكل أبيات الحماسة"، و"فرحة الأديب" في الرّدّ على يوسف بن السيرافي في شرح أبيات سيبويه و"ضالّة الأديب" في الرّدّ على نوادر ابن الأعرابي.
والبيت الشاهد من قصيدة طويلة لعمر ابن أبي ربيعة، تقدَّم بعض منها في الإنشاد الثامن والسبعين، وقد أوردها المبارك في "منتهى الطلب" في جملة ما انتقاه من شعره، وقبله:
فلمّا أجزنا ساحة الحيِّ قلن لي
…
أما تتّقي الأعداء والليَّيل مقمر
وقلن أهذا دأبك الدَّهر سادرًا
…
أما تستحي أو ترعوي أو تفكر
إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا
…
لكي يحسبوا أنَّ الهوى حيث تبصر
هكذا رواه، وقد أخذ هذا البيت جميل بن معمر العذري صاحب بثينة، وجعله بيتين متباعدين في قصيدة نظمها على أسلوب قصيدة عمر، قال:
وآخر عهد لي بها يوم ودَّعت
…
ولاح لها خدُّ مليح ومحجر
عشيَّة قالت لا تضيعنَّ سرَّنا
…
إذا غبت عنَّا وارعه حين تدبر
وطرفك غمّا جئتنا فاحفظنَّه
…
فزيغ الهوى بادٍ لمن يتبصر
أي: إذا زاغ بصرك نحو تهوى عرف ذلك فيك.
وأعرض إذا لاقيت عينًا تخافها
…
وظاهر ببغض إنَّ ذلك أستر
فإنَّك إن عرَّضت فيَّ مقالةً
…
يزد في الذي قد قلت واشٍ مكثر
وما زلت في إعمال طرفك نحونا
…
إذا جئت حتى كاد حبُّك يظهر
إلى أن قال بعد عشرة أبيات حكى فيها ما قالته:
سأمنح طرفي حين ألقاك غيركم
…
لكيما يروا أن الهوى حيث أنظر
وأكني بأسماءٍ سواك وأتَّقي
…
زيارتكم والحبُّ لا يتغيَّر
فكم قد رأينا واجدًا بحبيبه
…
إذا خاف يبدي بغضةً حين يظهر
وهذا آخر القصيدة. والواجد: المحب، والوجد: الحبّ. ووقع في "شواهد العيني" أنّ البيت الشاهد قائله لبيد بن معمر العُذري، وساق أبياتًا من أوَّل قصيدة جميل بن معمر. وهذا إمّا من سهو الناسخ، وإمّا من سهوه، والصواب جميل بن معمر. واغتر به ابن وحيي حتى قال: والبيت على ما رواه ابن هشام ههنا عزاه العيني إلى لبيد العامري، بلا تغيير ولا تحريف أصلًا، سوى أنّه وقع "فاصرفنه" موقع فاحبسنَّه. انتهى. وقد تقدم ترجمة كلّ من عمر ابن أبي ربيعة ومن جميل بن معمر العذري.
والطرفُ: العين وهو في الأصل مصدر بمعنى تحريك الحدقة للنظر، ومنه قول جميل السابق:
إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا
وإمّا: أصله: إن ما، وهي "عن" الشرطية و"ما" الزائدة. والجملة الشرطيَّة: خبر لقوله "طرفك". والهوى: الميل والمحبة، ويجوز أن يكون مصدرًا بمعنى اسم المفعول.
وأنشد بعده:
وننصر مولانا ونعلم أنَّه
…
كما الناس مجرومٌ عليه وجارم
وتقدم شرحه في الإنشاد الرابع والتسعين.