الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وانصرف عمرٌ بالغريض معه. فلما كان بمكة، قال عمر: يا غريض، إني قد قلت في [هذه] اللّيلة التي كنا فيها شعرًا، فامضِ به إلى النّسوة. فأنشدهنَّ ذلك، فحمل الغريض الشعر ورجع إلى المدينة المنوَّرة، فقصد سكينة، وقال لها: "إنَّ عمر وجَّهني إليك قاصدًا، وحمَّلني شعرًا، وأمرني أن أنشدك إيّاه. قالت: يا ويحه! ما كان عليه أن
لا
يرحل في غده، فوجّهت إلى النّسوة، فجمعتهنَّ، وأنشدهنَّ الشعر. فقالت سكينة: أحسنت وأحسن عمر! يا بنانة، أعطيه بكلّ بيت ألف درهم، فأخرجت إليه أربعة آلاف درهم، وقالت: لو زادنا عمر لزدناك. انتهى.
ثمَّ قال صاحب "الأغاني": ومن النّاس من ينسب هذا إلى معبد، وأوله
يا أمَّ طلحة إنَّ البين قد أفدا
…
قلَّ الثَّواء لئن كان الرَّحيل غدا
أمسى العراقيُّ لا يدري وإن برزت
…
من ذا تطوَّف بالأركان أو سجدا
لعمرها ما أراني إن نوًى نزحت
…
ودام ذا الحبُّ إلَاّ قاتلي كمدا
قد حلفت ليلة الصُّورين واجتهدت
…
إلى آخر البيتين.
لو جمع النّاس ثمَّ اختير صفوتهم
…
شخصًا من النَّاس لم أعدل به أحدا
الشّعر للأحوص، ويقال إنّه لعمر أيضًا، والغناء لمعبد. انتهى.
والمناصف: جمع منصف، بفتح الميم وكسرها؛ الخادم. والأنثى: منصفة، والنّوى: النّية التي ينويها المسافر من قرب أو بعد، ونزحت: بعدت، والغريض، بإعجام الطّرفين كأمير، مغنٍّ مشهور، ومعبد كذلك. وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدَّمت في الإنشاد السّادس من أوَّل الكتاب.
"لا"
أنشد فيه، وهو الإنشاد التّاسع والثمانون بعد الثلاثمائة:
(389)
فلا ثوب مجدٍ غير ثوب ابن أحمدٍ
…
على أحدٍ إلَّا بلؤمٍ مرقَّع
على أنَّ "لا" فيه نافية للجنس، واسمها منصوب، لكونه مضافًا. وروي بالرفع؛ فلا تكون من هذا الباب، كما يأتي. وهذا الفصل لخّصه المصنّف من المجلس السّابع والسّتين من "أمالي ابن الشجري"، كأنه أورد بحث "لا" فقال: فإن وليها المضاف أو الطّويل، وهو الذي يعمل فيما بعده نصبًا أو رفعًا، فالفتحة نصب صريح؛ لأنَّ التركيب لا يكون فيما جاوز جزءين. فمثال المضاف:"لا طالب حق في الدّار".
ومنه قول المتنبي:
فلا ثوب مجدٍ غير ثوب ابن أحمد .. البيت
إلى أن قال: فالفتحة [في قولك]: "لا صاحب حقّ" وفي [قوله]"فلا ثوب مجد" نصب صريح. انتهى.
والبيت من قصيدة للمتنبي، قالها في صباه مدح بها عليّ بن أحمد الطّائي مطلعها:
حشاشة نفسٍ ودَّعت يوم ودَّعوا
…
فلم أدر أيَّ الظَّاعنين أشيِّع
أشاروا بتسليم فجدنا بأنفسٍ
…
تسيل من الآماق والسُّمُّ أدمع
حشاي على جمرٍ ذكيٍّ من الهوى
…
وعيناي في روضٍ من الحسن ترتع
إلى أن قال:
فيا ليلةً ما كان أطول بثَّها وسمُّ الأفاعي عذب ما أتجرَّع
تذلَّل لها واخضع على القرب والنَّوى
…
فما عاشقٌ من لا يذلُّ ويخضع
ولا ثوب مجدٍ غير ثوب ابن أحمد .. البيت.
انتقل من النسيب إلى المدح من غير مناسبة على طريق الاقتضاب، وهي طريقة للعرب قديمة. قال الواحد: يقول: لم يخلص المجد لغيره، وإنما خلص له، ومجد غيره مشوب باللؤم، ومجده خالص من الذم والعيب، ومن روى:"فلا ثوب" بالرَّفع، فلأنه عطف على قوله:"فما عاشق انتهى".
والظّاهر أنها حينئذ تكون عاملة عمل ليس، ويكون خبرها متعلَّقّ "على أحد" تقديره "موجودًا على أحد" و"غير" في الوجهين منصوبة على الاستثناء.