الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على أن ابن جني أجاز في بيت المتنبي هذا أن تكون اللام لام المستغاث به، وأن تكون لام المستغاث من أجله، وأوجب ابن عصفور الثاني لئلا يلزم تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل، وحقق بأنَّ هذا لا يلزم إلَاّ على قوله في آخر المعنى الواحد والعشرين للَّام الجارة في التنبيه الأول.
والبيت من قصيدة للمتنبي مدح بها سيف الدولة، قال الواحدي: يقول يا شوقي ما أبقاك فلست تنفد! ويا لي: استغاثة من الفراق، كأنه يقول: يا من لي يمنعني من ظلم الفراق! ويا دمعي ما أجراك! ويا قلبي ما أصباك! وحذف الكاف المنصوبة، وياء المخاطبة التي قبلها بالنداء. انتهى. وهذه الكاف هي المتعجب منه، وقال أبو اليمن الكندي: حذف الياآت من المناديات، وذلك أحسن من إثباتها، والكافات مرادة في أفعال التعجب. وقوله: يا لي، استغاثة بنفسه، وحق اللام أن تكون مفتوحة لولا الياء، ويجوز أن تكون للتعجب، تقديره: يا قوم اعجبوا لي من النوى. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الثلاثمائة:
(341)
ويوم عقرت للعذارى مطيَّتي
هو صدر وعجزه:
فيا عجبًا من رحلها المتحمَّل
على أنَّ اللاّم للتعليل. والبيت من معلقة امرئ القيس، ويوم: معطوف على يوم في بيت قبله، وهو:
ألا ربَّ يومٍ صالحٍ لك منهما
…
ولا سيَّما يوم بدارة جلجل
وتقدَّم شرحه في الإنشاد الثامن عشر بعد المائتين، وتقدَّم أنَّ يومًا في قوله:
ولا سيما يوم، روي بالرفع والجرّ، ويوم المعطوف مبني على الفتح، اكتسب البناء من إضافته إلى المبني، وهو: عقرت، فيكون في محل رفع إن روي المعطوف عليه بالرفع، وفي محل جر إن روي المعطوف عليه بالجرّ، والعقر: ضرب قوائم البعير بالسيف، وربما قيل: عقره إذا نحره، والعذارى: جمع عذراء وهي البنت البكر، والرحل: كل شيء يعدّ للرحيل من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، وحلسٍ ورسنٍ. والمتحمل: اسم مفعول بمعنى المحمول، فإنه لمّا عقر بعيره وشواه للعذارى، فرَّق رحله على رواحلهنَّ، فحملنه، وركب هو مع بنت عمه فاطمة على بعيرها كما تقدَّم. قوله: فيا عجبًا، الألف: بدل من ياء المتكلم، فإن قيل: كيف نادى العجب، والنداء إنما يكون لم يعقل؟ أجيب بأنَّ العرب إذا أرادت أن تعظّم أمر الخبر جعلته نداء، قال سيبويه: إذا قلت: يا عجبًا، كأنك قلت: تعالى يا عجب، فإنَّ هذا من إبّانك، فهذا أبلغ من قولك: تعجبت، والمعنى: انتبهوا. وقال الزوزني: المنادى محذوف، والتقدير: يا هؤلاء، أو يا قوم احضروا عجبي من رحلها المتحملّ، فتعجبوا منه، وقيل: نادى العجب اتساعًا ومجازًا، فكأنه [قال: ] يا عجبي احضر فإنَّ هذا أوانك، فضّل يوم دارة جلجل ويوم عقر مطيته للعذارى على سائر الأيام الصالحة التي فان بها من حبائبه، ثمَّ تعجب من حملهن رحل مطيته، وأداته بعد عقرها واقتسامهنَّ متاعه بعد ذلك. انتهى كلامه.
وقال الإمام الباقلاني في كتاب "إعجاز القرآن": قال بعض الأدباء: قوله يا عجبًا، يعجبهم من سفهه في شبابه من نحره ناقته لهن، وإنما أراد أن لا يكون الكلام من هذا المصراع منقطعًا عن الأول، وأراد أن يكون الكلام ملائمًا له، وهذا الذي ذكره بعيد، وهو منقطع عن الأول، وظاهر أنه يتعجب من تحمل العذارى رحله، وليس في هذا تعجب كبير، ولا في نحر الناقة لهن تعجب، وإن كان يعني به أنهن حملن رحله، وأن بعضهن حملنه، فعبّر عن نفسه برحله، فهذا قيلًا يشبه أن يكون عجبًا، لكن الكلام لا يدل عليه [ويجافى عنه]، ولو سلم البيت من