الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وضمير تهديها راجع إلى "لسان" المراد به كلمة السّوء، وفي غطلاق الهدية عليها تمليح، وحسبتك بضمّ تاء المتكلم، ويجوز أن يكون بفتح تاء المخاطب، وحسبتك: ظننتك، وتحين وحنت كلاهما من الحين وهو الهلاك، وصحفه بعضهم:
وجئت وما حسبتك أن تجينا
كلاهما من المجئ، والأوَّل مهموز والثاني أبدلت همزته ياء.
"
كي
"
أنشد فيه، وهو الإنشاد الموفي الثلاثمائة:
(300)
كي تجنحون إلى سلمٍ وما ثئرت
…
قتلاكم ولظى الهيجاء تضطرم
على أن كي أصلها: كيف، فحذف فاؤها كما حذف من سوف، فقيل: سو، وكلاهما ضرورة، ومثل ابن عصفور في كتاب "الضرائر" للأول بقول الشاعر:
أو راعيان لبعرانٍ شردن لنا
…
كي لا يحسّن من بعراننا خبرا
قال: يريد كيف لا يحسّان، ومثل للثاني بقول عديّ بن زيد:
فإن أهلك فسو تجدون فقدي
…
وإن أسلم يطب لكم المعاش
قال: يريد: فسوف، قال ابن مالك في "شرح الكافية": وإن ولي كي اسم أو فعل ماض أو مضارع مرفوع؛ علم أنّ أصلها "كيف" حذفت فاؤها، ومنه قول الشاعر: كي تجنحون إلى سلم .. البيت. انتهى.
وظاهره أنه ليس بضرورة، وليس كذلك. وهذا البيت أعني قوله:
أو راعيان لبعرانٍ شردن لنا ..
…
البيت،
أنشده الفراء في "تفسيره" عند قوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال: قرأه عبد الله: {ولسيعطيك ربك فترضى} قال: والمعنى واحد، إلا أن سوف كثرت في الكلام وعرف موضعها، فترك منها الفاء والواو، والحرف إذا كثر فربما فعل به ذلك، كما قيل: أيشٍ تقول، وكما قيل: قم لاباك، وقم لا بشانئك، يريدون: لا أبا لك، ولا أبا لشانئك. وقد سمعت بيتًا حذفت الفاء فيه من كيف، قال الشاعر:
من طالبين لبعران لنا رفضت
…
كي لا يحسّون من بعثراننا أثرا
أراد: كيف لا يحسُّون، وهذا كذلك. انتهى.
وأنكر أبو علي في "البغداديات" حذف الفاء من كيف، وحتم أن تكون كي فيه بمعنى اللّام، قال: أنشد أبو بكر عن ابن الجهم في الفرّاء:
من طالبين لبعران لهم شردت
…
كيما يحسون من بعرانهم خبرا
قال الفراء: أراد كيف، فرخم. قال أبو بكر: وهذا خطأ، وهو كما قال، وبسطه: أنّ كيف اسم يمتنع ترخيمه من غير وجه: أحدها أنه اسم ثلاثي، والثلاثي لم يجئ مرخمًا إلَّا ما كان ثالثه تاء تأنيث. والآخر: أنه منكور، والمنكور لا يرخم كما لا يبني، والترخيم أبعد من البناء، فإذا امتنع بناؤه كان ترخيمه أشدّ امتناعًا أيضًا، فإن كيف اسم مبني مشابه للحروف والحذف إنما يكون في الأسماء المتمكنة والأفعال المأخوذ منها، ولا يكون في الحروف، كذلك ينبغي أن لا يكون فيما غلب شبهها، وصار بذلك في حيزها. فإن أراد بالترخيم ما يستعمله النحويون في هذا النوع من المنادى، فهو غير منادى، وإن أراد به الحذف، فهو غير سائغ. فإن قلت: فقد قالوا: لد ولدن، فحذفوا منه وهو غير متمكن، فكذلك يسوغ الحذف من كيف. فالجواب: أنه لا يسوغ الحذف من حيث حذف من لدن، وذلك أنّ "لدن" لما فتح ما قبل النون منها وضم، ونصب الاسم بعدها في قولهم: لدن غدوة، ضارع
التنوين الزائد في الاسم، لاختلاف الحركة قبلها، وانتصاب الاسم بعدها، فحسن لذلك حذفها كما يحذف الزائد. وأيضًا فإنَّ هذا الاسم يضاف في قولهم: لد الصلاة، ويدخل عليه حرف الجر، ويضاف إلى المضمر والمظهر، وكلّ ذلك توسع فيها، ليس في كيف مثله، فيسوغ فيه في دخول ذلك ما لا يسوغ في كيف. وأيضًا فإنَّ النّون شببهة بحروف اللّين، ألا تراها تزاد في مواضع زيادتها، وتلحق علامة الإعراب كما يُزاد ما هو منها. وحذفوها فاء في قوله:
وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وفي نحو:
عموا ظلامًا
فحذفه أسهل لذلك من حذف غيره، ولو لم يمكن في النون من هذه الكلمة ذكرناه، لما كان لحمل كيف عليه مساغ ما وجد لغيره مجاز. فإن قلت: فكيف وجه البيت عندك؟ فالقول: إنَّ كي على ضربين تكون مرة بمعنى اللام. وذلك في قولهم: كيمه، وتكون في معنى "أن" في نحو {لكيلا تأسوا} [الحديد/ 23] فنقول: إن كي في البيت هي التي بمعنى اللَّام فيمن قال: كيمه، دخلتها "ما" كافة فمنعتها العمل الَّذي تعمله، فارتفع الفعل بعدها، كما كفَّت رُبَّ ومن في قولهم: مما أفعل، وربّما يقوم. ونظير هذا ما أنشدناه عن أبي الحسن من قوله:
إذا أنت لم تنفع فضرَّ فإنَّما
…
يرجَّى الفتى كيما يضرُّ وينفع
فعلى هذا يحمل هذا البيت. انتهى كلامه. وهذا كلّه تطويل بلا طائل، فإنَّ رواية الفرّاء "كيلا" بلا النافية لا بما، والتصرف في الحرف بالحذف وغيره ثابت مع أنه خلاف الأصل، فكونه في الاسم أولى وأحقّ، والمراد بالترخيم في نحو هذا التخفيف بالحذف، وهو شائع في كلامهم، فلا وجه للتردد بين ترخيم المنادى وغيره، على أنّ الفراء إنما عبّر بالحذف، ومحل كلامه إنكار مجيء كي مخفَّفة من كيف، وحمل كي في البيت على معنى اللَّام بمعونة "ما" الكافة على تقدير وجودها، فما يصنع بقول الآخر: كي تجنضحون إلى سلم .. البيت؟ وليس بعدها "ما" والمعنى على الاستفهام، ولعلّه يقول: إنَّ كي موضوعة للاستفهام عن حال الشيء بمعنى كيف، لا أنها مخففة منها كما هو مذهب جماعة، وحكاه الرّضي في "شرح الكافية" عن الأندسي.
وقال ابن يعيش في "شرح المفصّل": وفي كيف لغتان، قالوا: كيف، وكي. قال الشاعر: أو راعيان لبعران .. البيت، قالوا: كي هنا بمعنى "كيف" استفهام، وقال قوم: أراد: كيف، وإنما حذف الفاء تخفيفًا، كمات قالوا: سو أفعل، والمراد: سوف أفعل. انتهى. والظاهر أنه من ضرورة الشعر، كما قال ابن عصفور؛ إذ لو كانت كي موضوعة للاستفهام لوردت في الكلام، ولدوّنت في كتب اللغة كسائر الكلمات.
والبيتان مجهول قائلهما ولا يعرف تتمتهما. والبعران: جمع بعير، وهو في الإبل بمنزلة الرجل في الإنسان، ويحسّان: مضارع أحسّ الرجل الشيء إحساسًا: علم به، وأثرًا مفعوله، ورفضت، في رواية الفراء، من رفضت الإبل من باب ضرب: تفرقت في المرعى. ومعنى البيت غير واضح.
وأمّا قوله: كي تجنحون .. البيت، فقد زعم العيني أنه من شواهد سيبويه، وتبعه خدمة هذا الكتاب، هو غير موجود في "كتاب سيبويه" فإنَّ شواهده