الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمعنى: إن يلق إنسان الرشا فهو عند إلقائها، يريد: إن سراقة درس القرآن فتقدم، والمرء متأخر عند اشتغاله بما لا يهم، كمن امتهن نفسه في السقي وإلقاء الأرشية في الآبار. هذا كلامه، والتحريف الأول: الرشا جعله بالكسر، وتكلف له تكلفين، والثاني: في (إن يلقها) جعله من الإلقاء، والثالث: ذنب، جعله بالذال والنون.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والستون بعد الثلاثمائة:
(362)
أحجَّاج لا تعطي العصاة مناهم
…
ولا الله يعطي للعصاة مناها
على أن اللام زيدت شذوذًا مع أحد المفعولين المتأخرين عن الفعل المتعدي، والبيت لليلى الأخيلية وقد رواها الجاحظ في كتاب (المحاسن والمساوئ) والمرزباني في كتاب (أشعار النساء" والقالي في (أماليه) والحصري في (زهر الآداب) وغيرهم، والجميع متفقون على روايته كذا:
ولا الله لا يعطي العصاة مناها
ولم أر رواية المصنف لأحد من الرواة، ولا من استشهد به من النحويين كما استشهد به المصنف. وأتم من روى هذه الأبيات القالي، ولهذا اخترنا روايته، قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: حدثني أبي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد عن أبي الحسن المدائني عمن حدثه، عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاص قال: كنت أدخل مع عنبسة على الحجاج إذا دخل، فلما رآها طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض، فجاءت حتى قعدت بين يديه، فإذا امرأة قد أسنت، حسنة الخلق، ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى ما رماني بك؟ ! فقالت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدَّة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرفد. فقال لها: صفي الفجاج، فقالت: الفجاج مغبرَّة، والأرض مقشعرة، والمبرك معتل، وذو العيال مختل،
والهالك للقلّ، والناس مسنتون، ورحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون مجحفة مبطلة، لم تدع لنا هبعًا ولا ربعًا، ولا عافطة ولا نافطة، أذهبت الأموال، ومزقت الرجال، وأهلكت العيال. ثمَّ قالت: إني قد قلت في الأمير قولاً، قال: هاتي، فأنشأت تقول:
أحجّاج لا يفلل سلاحك إنما المنايا بكفَّ الله حيث تراها
أحجّاج لا تعطي العصاة مناهم
…
ولا الله لا يعطي العصاة مناها
إذا هبط الحجّاج أرضًا مريضةً
…
تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الدَّاء العضال الذي بها
…
علام إذا هزَّ القناة سقاها
سقاها فروَّاها بشربٍ سجاله
…
دماء رجال حيث نال حشاها
إذا سمع الحجّاج صوت كتيبةٍ
…
أعدَّ لها قبل النُّزول قراها
أعدَّ لها مسمومةً فارسيَّةً
…
بأيدي رجال يحلبون صراها
فما ولد الأبكار والعون مثله
…
ببحرٍ ولا أرضٍ يجفُّ ثراها
قال: فلما قالت هذا البيت قال الحجّاج: قاتلها الله ما أصاب صفتي شاعر مذ دخلت العراق غيرها! ثمَّ التفت إلى عنبسة فقال: والله إني لأعدّ للأمر عسى أن لا يكون أبدًا، ثمَّ التفت إليها فقال: حسبك، ثمَّ قال: يا غلام اذهب إلى فلان فقل له: اقطع لسانها، فذهب بها فقال: يقول لك الأمير اقطع لسانها، فأمر بإحضار الحجّام، فالتفتت إليه فقالت: ثكلتك أمّك، إنما أمرك أن تقطع لساني بالصِّلة، فبعث إليه يستثنيه، فاستشاط الحجّاج غضبًا، وهمَّ بقطع لسانه، وقال: ارددها، فلما دخلت عليه قالت: كاد والله يقطع مقولي. ثمَّ أنشأت تقول:
حجّاج أنت الذي ما فوقه أحد
…
إلا الخليفة والمستغفر الصَّمد
حجّاج أنت شهاب الحرب إن لفحت
…
وأنت للناس نور في الدُّجى تقد
ثم أقبل الحجّاج على جلسائه، فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله، إلَاّ أنّا لم نر قط أفصح لسانًا، ولا أحسن محاورةً، ولا أملح وجهًا، ولا أرصن
شعرًا منها! قال: هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها، قم التفت إليها وقال: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة، فقالت: نعم أيها الأمير:
وهل تبكتن ليلى إذا متُّ قبلها
…
وقام على قبري النساء النوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها
…
وجاد لها دمع من العين سافح
وأغبط من ليلى بما لا أناله
…
بلى كلُّ ما قرَّت به العين صالح
فقال لها: زيدينا من شعره، فقالت هو الذي يقول:
حمامة بطن الواديين ترنَّمي
…
سقاك من الغرِّ الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشط ناعمًا
…
ولا زلت في خضراء غضٍ نضيرها
وأشرف بالقور البقاع لعلَّني
…
أرى نار ليلى أو يراني بصيرها
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت
…
لقد رابني منها الغداة سفورها
يقول رجال لا يضرُّك نأيها
…
بلى كل ما شفتَّ النفوس يضيرها
بلى قد يضرُّ العين أن تكثر البكا
…
ويمنع منها نومها وسرورها
وقد زعمت ليلى بأني فاجر
…
لنفسي تقاها أو عليها فجورها
فقال لها الحجاج: يا ليلى ما الذي رابه من سفورك؟ قالت: أيها الأمير إنه كان يلمّ بي كثيرًا، فأرسل إليَّ يومًا إني آتيك، وفطن الحي فأرصدوا له، فلما أتاني سفرت، فعلم أن ذلك لشرّ، فلم يزد على التسليم والرجوع، فقال: لله درك! فهل رأيت منه شيئًا تكرهينه؟ قالت: لا والذي أسأله أن يصلحك، إلا أنه قال مرة قولاً ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر، فأنشأت أقول:
وذي حاجةٍ له لا تبح بها
…
فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه
…
وأنت لأخرى صاحب وخليل
فلا والله ما رأيت منه شيئًا، حتى فرَّق الموت بيني وبينه (قال ثم مه! قالت: )
ثمَّ لم ألبث أن خرج في غزاةٍ له، فأوصى ابن عمه إذا أتيت الحاضرين من بني عبادة فناد بأعلى صوتك:
عفا الله عنك هل أبيتنَّ ليلةً
…
من الدَّهر لا يسري إليَّ خيالها
وأنا أقول:
وعنه عفا ربّي وأحسن حاله
…
فعزَّ علينا حاجة لا ينالها
[قال ثم مه! قالت: ] ثم لم يلبث أن مات فأنا أبكيه، قال: أنشديني بعض مراثيك فيه، فأنشدته:
لتبك العذارى من خفاجة نسوة
…
بماء شؤون العبرة المتحدر
فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسي، وكان من جلساء الحجاج: من الذي تقول هذه هذا فيه؟ ! فو الله إني لأظنها كاذبة، فنظرت إليه ثمَّ قالت: أيها الأمير إن هذا القائل لو رأى توبة لسرَّه أن لا تكون في داره عذراء إلَاّ وهي حامل منه، قال الحجّاج: هذا وأبيك الجواب، وقد كنت عنه غنيًا! ثمَّ قال لها: سلي يا ليلى تعطي، قالت: أعط فمثلك أعطى وأحسن، قال: لك عشرون، قالت: زد فمثلك زاد فأجمل، قال: لك أربعون، قالت: زد فمثلك زاد فأفضل، قال: ستون، قالت: زد فمثلك زاد فأكمل، قال: لك ثمانون، قالت: زد فمثلك زاد فتمم، قال: لك مائة واعلمي أنها غنم، قالت: معاذ الله أيها الأمير! أنت أجود جودًا، وأورى زندًا من أن تجعلها غنمًا! قال: فما هي ويحك؟ ! قالت: مائة من الإبل برعاتها، فأمر لها بها، ثمَّ قال لها: ألك حاجة؟ قالت: تدفع إليَّ النابغة الجعدي، قال: قد فعلت، وكانت تهجوه ويهجوها، فبلغ النابغة ذلك، فخرج هاربًا عائذًا بعبد الملك، فأتبعته إلى الشام، فخرج إلى قتيبة بن مسلم بخراسان، فخرجت على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة، فماتت بقومس، ويقال بحلوان.