الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بذكر المصراع الثاني وأنشده ابن الأنباري في كتاب "الأضداد" بتمامه كالفراء، وهو قوله: ولا حبال محبّ الخ. وأراد بالحبال هنا: العهود وعلائق المودَّة بين الطرفين، وهو مفعول مقدم لتصل والأصل: ولا تصل حبال محبّ واصل والمعنى: إنَّ جميع ما فيك حسن إلا قطع من يريد وصلك. وقد جاء المصراع الأول في أشعار كثيرة، لكن برواية "من" موضع "ما" منها في قصيدة لقيس بن ذريح بعد أن طلَّق لبنى بإكراه من والده وتزوَّجت بغيره، منها:
يا أحسن النَّاس من قرنٍ إلى قدمٍ
…
وأحسن النَّاس ذا ثوبٍ وعريانا
نعم الضَّجيج بعيد النَّوم يجلبه
…
إليك ممتلئًا نومًا ويقظانا
وجاء أيضًا في شعر العباس بن الأحنف، وهو:
يا أحسن النَّاس من قرنٍ إلى قدمٍ
…
وأكمل النَّاس أردافًا ومنعطفا
ما ذقت بعدكم عيشًا سررت به
…
ولا رأيت لكم عدلًا ولا خلفا
وهما بيتان لا غير، وجاء في أول مقطوعة لأبي نواس أيضًا، وهي:
يا أحسن النَّاس من قرنٍ إلى قدمٍ
…
هل في اشتكاي إليك الحبَّ من باس
ماذا من أجلك بي أفديك يا سكني
…
من التَّبرم بالدُّنيا وبالنَّاس
لو كان شيءٌ يسلِّي النَّفس من حزنٍ
…
إذًا لسلَّت فؤادي لذَّة الكاس
وبعد هذا بيتان.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد المائتين:
وأنت الَّتي حبَّبت شغبًا إلى بدا
…
إليَّ وأوطاني بلادٌ سواهما
حللت بهذا حلَّةً ثمَّ حلَّةً
…
بهذا فطاب الواديان كلاهما
على أنَّ "إلى" الأولى تدلّ على الترتيب بمنزلة الفاء، وردَّ الدّماميني فقال من حق النحاة أن لا يذكروه مستندين إلى هذا الدليل، فإنَّا لا نسلم إرادة الترتيب في
البيت الأول، لاحتمال أن تكون "إلى" فيه للمعية، كما قاله جماعة كثيرة، أو متعلقة بمحذوف إن لم نقل بذلك، أي: مع بدا، أو مضمومًا إلى بدا. والبيت الثاني لا يدل على إرادة الترتيب في الأول إذ حلولها بأحد المكانين بعد حلولها بالآخر، لا يقتضي أنَّ المكان الأوَّل حبَّب إليه أولًا بسبب حلولها فيه، وأنَّ الثاني حبّب إليه بعد ذلك لحلولها فيه، إذ من الجائز أن يكون حبّ المكانين حصل له في آن واحد بعد حلولها فيهما على الترتيب، ثمَّ ولو سلّم دلالة البيت الثاني على الترتيب في الأول، لم يدل على دعواه؛ لأنَّ الترتيب الواقع في الثاني إنما هو بـ"ثمَّ" لا بالفاء. وفي بعض النسخ:"حلّة بعد حلّة" انتهى.
ويؤيّده صنيع المحقق الرّضي قال في "إلى" التي بمعنى "مع": التحقيق أنها بمعنى الانتهاء، أي: مضافًا إلى بدا، وذكر المتعلق لإفادة أنّ إلى مع مجرورها واقعة موقع الحال من شغب، ولإفادة أنَّ الغاية داخلة في المغيا. انتهى. وزعم الكوفيون أنَّ "إلى" هنا بمعنى مع، وأما إلى الثانية فهي متعلقة بحببت، قال الرّضي قيل: أنها بمعنى "عند" والأولى بقاؤها على أصلها، والبيتان لكثير عزة، أوردهما أبو تمام في "الحماسة" مع بيت بينهما، وهو:
إذا زرفت عيناي أعتل بالقذى
…
وعزَّة لو يدري الطبيب قذاهما
وفي بعض النسخ:
وحلَّت بهذا حلَّةً ثمَّ أصبحت
…
بهذا فطاب الخ
…
قال الإمام المرزوقي: خاطبها في البيت معتدًّا عليها بأنه كما آثرها على أهله وعشيرته، آثر بلادها على بلاده، فذكر طرفي محالِّها فقال: أحبُّ لك وفيك شغبًا إلى بدا، وبلادي بلاد غيرهما. ثمَّ أخبر عنها في البيت الثاني فقال: نزلت بهذا- يشير إلى شغب- نزلةً ثم أصبحت ببدا، ففاح الواديان وتضوَّعا بريّاها.