الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العيب لمي كن فيه شيء غريب، ولا معنى بديع أكثر من سلامته، مع قلة معناه وتقارب أمره ومشاكلة طبع المتأخرين [من أهل زماننا]، ومن أول القصيدة لم يمرّ له بيت رائع وكلام رائق. انتهى كلامه. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد الثلاثمائة:
(342)
وأنت الَّذي في رحمة الله أطمع
هذا عجز وصدره:
فيا ربَّ ليلى أنت في كل موطنٍ
على أنه قد وضع الاسم الظاهر موضع ضمير الغيبة لضرورة الشعر، والقياس: وأنت الذي في رحمته. وتجويز الشمني وابن الملا تبعًا للعيني في رحمتك للإخبار بالاسم الظاهر عن أنت غفلة منهم؛ لأنَّ الظاهر هنا موصول يجب أن يكون عائده ضميرًا غائبًا. وفي "تذكرة أبي حيان" كلام يتعلق به يأتي إن شاء الله تعالى في الباب الرابع.
والبيت من شعر لمجنون بني عامر، وتقدمت ترجمته في الإنشاد السابع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد الثلاثمائة:
(343)
إذا قلت قدني قال بالله حلفةً
…
لتغني عني ذا إنائك أجمعا
على أن الأخفش أجاز أن يقع جواب القسم المضارع المقرون بلام كي، فيكون قوله: لتغني جواب القسم، وكذا الآية. قال ابن عصفور في "شرح الإيضاح": زعم أبو الحسن أن العرب قد تتلقى القسم بلام كي، وحمل على ذلك قوله تعالى:{يحلفون بالله لكم ليرضوكم} [التوبة/ 62]، واستدلَّ أبو علي في "العسكريات" على صحة ما ذهب إليه بقوله:
لتغني عني ذا إنائك أجمعا
قال أبو علي: فإن قيل: إن المقسم به إنما يكون جملة، وليس هذا بجملة؛ لأنَّ أن والفعل في تقدير اسم مفرد، قيل: إنَّ ذلك لا يمنع من وقوعه موقع الجملة التي يقسم عليها، وإن كان مفردًا، وذلك أن الفعل والفاعل اللذين جريا في الصلة يسدّان مسد الجملة، لكن رجع أبو علي عن ذلك في "التذكرة" و"البصريات" وقال: إن ذلك لم يرد في كلام العرب. وأمّا قوله تعالى: {يحلفون بالله
…
} الآية، فاللام متعلقة بـ"يحلفون"، وليس القسم بمراد، إنما المراد الإخبار عنهم بأنهم يحلفون أنهم ما فعلوا ذلك ليرضوا بحلفهم المؤمنين، وكذا البيت يحتمل أن يكون لتغني متعلق بآليت على ما رواه أبو علي في "البصريات" ولم يرد القيم، وإنما أراد أن يخبر مخاطبه أنه قد آلى كي يشرب جميع ما في إنائه. ورواه أبو علي:"قلت بالله حلفة" ولا حجة فيه أيضًا؛ لاحتمال أن يكون بالله متعلقًا بفعل مضمر لا يراد به القسم بل الإخبار، ويكون قوله: لتغني عني، متعلقًا به، والتقدير: حلفت بالله حلفة كي تغني عني، ويجوز أيضًا أن يكون المقسم عليه محذوفًا؛ لدلالة الحال عليه، تقديره: لتشربنّ لتغني عني، وعلى هذا حمله أبو علي في "التذكرة" انتهى كلام ابن عصفور. وشذَّ ابن يعيش في رواية هذه الكلمة عن الأخفش بخلاف ما قدمناه، قال في "شرح المفصّل": أنشده أبو الحسن بفتح اللام للقسم، وفتح آخر الفعل على إرادة نون التوكيد، وحذفها ضرورة. انتهى. وتبعه السيد في شرح "المفتاح" فقال: واللام في لتغني جواب القسم، والياء مفتوحة بتقدير النون الخفيفة، وقد يروى بكسر اللام على تقدير "أن" انتهى.
وقول المصنف: ويروون البيت: "لتغننَّ" هذه رواية تعلب، قال في "أماليه" بعد ما روى البيت كما تقدم: ويروى "لتغننَّ" وهذا إنما يكون للمرأة إلًّا أنه في لغة طيّ جائز. انتهى. وهو بفتح اللام وكسر النون الأولى بعدها نون التوكيد الثقيلة، هكذا ضبطه أبو علي في "المسائل البصريات" وفي "كتاب الشعر" والعسكري في كتاب "التصحيف" كلاهما عن ثعلب، والأصل: لتغنينَّ،
حذفت الياء وهي لام الفعل وبقيت الكسرة على حالها، فتكون اللام لام جواب القسم.
والبيت من قصيدة لحريث بن عتّاب الطائي، وقبله:
دفعت إليه رسل كوماء جلدةٍ
…
وأغضيت عنه الطَّرف حتى تضلَّعا
إذا قال قطني قلت آليت حلفةً
…
لتغننَّ عني ذا إنائك أجمعا
هكذا الرواية عند ثعلب وغيره، لا ما رواه المصنف، وضمير إليه راجع إلى الغلام الذي أتاه في الليل ضيفًا، والرسل، بكسر الراء: اللبن، والكوماء، بفتح الكاف والمدّ: الناقة العظيمة السَّنام، والجلدة، بفتح وسكون الَّلام، قال الجوهري: هي أدسم الإبل لبنًا، والجمع الجلاد، بالكسر، وقوله: وأغضيت عنه
…
إلى آخره، يقال: أغضى الرجل عينه، أي: قارب بين جفنيها، يقول: أغمضت عيمي عند شربه؛ لئلا يستحي أن يشرب ريًّا، وهذا من أخلاق الكرام، والطرف: العين، وتضلّع امتلأ ما بين أضلاعه.
وقوله: إذا قال، أي الغلام الضيف، قطني، ويروى:"قدني" وكلاهما بمعنى يكفيني، وفسّره ثعلب أي: حسبي، وقلت بالتكلم، والمتكلّم هو الشاعر، وعكس المصنف تبعًا لغيره: إذا قلت قطني، قال: فيكون الشاعر هو الضيفٍ، وفاعل قال ضمير المضاف. وأورده جماعة:"إذا قال قطني" قال منهم الزمخشري في "المفصّل" وتبعه السيد فقال: أي: إذا قال الضيف: حسبي ما شربت، قال المضيف. انتهى. وعلى هذا يكون الشاعر مخبرًا حاكيًا عن شخصين، فهو لا ضيف ولا مضيف، والصواب ما شرحناه أولًا، كما يدل عليه البيت الذي قبله، وسياق القصيدة أيضًا.
وفي البيت شواهد أخر:
أحدها قوله: قطني، وفي رواية قدني، وبه استشهد ابن الناظم بنون الوقاية
لحفظ السكون عند البصريين ومعناها عندهم: حسب، أو لأنها اسم فعل عند الكوفيين ومعناها يكفي.
ثانيها: أنَّ "ذا" بمعنى صاحب، وبه استشهد صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى:{إنَّه عليم بذات الصُّدور} [الآية/ 38] من سورة الملائكة على أنَّ ذات مؤنث ذو، وهو موضوع لمعنى الصحبة؛ لأنَّ اللبن يصحب الإناء، والمضمرات تصحب الصدور، قال: ذات الصدور: مضمراتها، وهي تأنيث ذو في نحو قول أبى بكر رضي الله عنه:"ذو بطن خارجة جاريةٌ" وقوله:
لتغني عني ذا إنائك أجمعا
المعنى: ما في بطنها من الحبل، وما في إنائك من الشراب؛ لأنَّ الحبل والشراب يصحبان البطن والإناء، ألا ترى إلى قولهم: معها حبلٌ، وكذلك المضمرات تصحب الصدور وهي معها، وذو موضوع لمعنى الصحبة. انتهى.
ثالثها: الإضافة للملابسة، قال الزمخشري في "المفصّل": ويضاف الشيء إلى غيره بأدنى ملابسة بينهما، وأنشد هذا البيت، قال ابن يعيش: الشاهد فيه أنه أضاف الإناء إلى المخاطب لملابسته إيّاه وقت أكله منه. أو شربه ما فيه من اللبن، وذو الإناء: ما فيه من لبن أو مأكول. انتهى. وفيه تقصير حيث قصر الملابسة على إضافة الإناء مع أنها جارية في إضافة ذا أيضًا، وقد نبه عليهما السيّد في "شرح المفتاح" قال: فيه استشهادان، أحدهما: أنَّ الإناء للمضيف، وقد أضافه إلى الضيف لملابسته إيّاه في شربه، وفي جعل هذه الملابسة بمنزلة الاختصاص الملكي مبالغة في إكرام الضيف ولطف. والثاني: أنَّ ذا بمعنى الصّاحب، وأريد به اللبن، وأضيف إلى الإناء لملابسته إيّاه لكونه فيه، فهذه أيضًا إضافة لأدنى ملابسة. انتهى.