الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد المائتين:
(274)
ألم تسأل الرَّبع القواء فينطق
وتمامه:
وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
على أنَّ الفاء للاستئناف، أي: فهو ينطق، وقول المصنف: ولو كانت للسببية لنصب، غير جيد، فإنَّ السببيَّة مجوزة للنصب لا موجبة، كما حققه الرضيّ وغيره، فإن قلت: ما وجه تقدير المبتدأ عند وقوع الجملة المضارعية مستأنفة؟ قلت: قال الدماميني في "شرح التسهيل": النحويون يقدرون في الاستئناف مبتدأ، وذلك إمّا لقصد إيضاح الاستئناف، وإمّا لأنَّه لا يستأنف إلَاّ على هذا التقدير، وإلَاّ لزم العطف الذي هو مقتضى الظَّاهر. انتهى. ومنهم صاحب "الكشاف" قال عند قوله تعالى:{وهو الله في السَّموات والأرض يعلم سرَّكم وجهركم} [الأنعام/ 3] يعلم: جملة مستأنفة، أي: هو يعلم سرّكم، وقال عند قوله تعالى:{والرَّاسخون في العلم يقولون آمنَّا به} [آل عمران/ 7] أي: يقولون. واعترض عليه في الأول السعد، قال: جرت عادته في مثل هذا بتقدير المبتدأ، ولا يظهر له وجه يعتد به، وعلى الثاني صاحب "التلويح" قال: هكذا قدره في "الكشاف" و"المفصل" وفي جميع ما هو من هذا القبيل، وفيه نظر، لأنَّ الجملة الفعلية صالحة للابتداء من غير احتياج إلى تقدير مبتدأ. انتهى. قال شيخنا الخفاجي: وما قاله النحاة المفسرون حتى حقيق بالقبول، لأنه لو لم يقدر "هو" قبل "يعلم" وابتدئ به؛ لم يقع موقعه، إذ لم يفد فائدة يحسن السكوت
عليها، إذ لم يذكر العالم والمعلوم، وهو عائد على الله قبله، ونظيره النعت المقطوع إذا رفع، فإنه لابدَّ من التقدير قبله، لأنه لو لم يقدر كان مفردًا غير مفيد. وبهذا علم أنَّ الاعتراض غير وارد، بل هو من الغفول عما قصده هؤلاء الفحول، الاستئناف، وكان خبرًا ثانيًا، وكيف يتردد فيه بعد اتفاق النحاة عليه. إلَاّ أنهم لم يبيِّنوا أن هذا الحذف واجب أم لا، وهذا من فرائد الفوائد التي تعلق في لبات الأماجد. انتهى. أقول: حذفه من قبيل الواجب قطعًا.
والبيت مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري، والربع: الدار حيثما كانت، والقواء بالفتح والمد: الخالية من الأنيس الفقر، ومعنى نطق الربع: ما يتبين من آثاره، والعرب تسمي كل دليل نطقًا وقولًا وكلامًا، قال الله تعالى:{هذا كتابنا ينطق عليكم بالحقِّ} [الجاثية/ 29] ومنه قول زهير:
أمين أمِّ أوفى دمنةٌ لم تكلمَّ
أي: لم يكن بها أثر يستبان لقدم عهدها بالنزول فيها، ونحو قال الرّضي. قال سيبويه: المعنى فهو مما ينطق على كل حال، وذلك بناء على توهمات الشعراء وتخيلاتهم، ثم رجع وقال: وهل تخبرنك اليوم
…
الخ، ومثله ما أنشده الأصبهاني في "الأغاني" لمحمّد بن عبد الله مسلم من مخضرمي الدولتين يمدح المهدي:
سلاد دار ليلى هل تبين فتنطق
…
وأنَّى تردُّ القول بيداء سملق
وأنَّ تردُّ القول دارٌ كأنَّها
…
لطول بلاها والتَّقادم مهرق
والبيداء: القفر الذي يبيد من سلكه، أي: يهلكه، والسَّملق: الأرض