الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
79 -
باب اللَّهوِ بالحِرَابِ وَنَحوِهَا
[حديث بينا الحبشة يلعبون عند النبي]
76 -
[2901] حَدَّثَنَا إِبْراهِيم بْن موسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَام، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المسيِّبِ، عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ (1) رضي الله عنه، قَالَ:«بَيْنَا الحَبَشَة يَلْعَبونَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، دَخَلَ عمَر فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاء فَحَصَبَهمْ بِهَا، فَقَالَ: " دَعْهمْ يَا عمَر» . وَزَادَ عَليّ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاقِ: أَخبرنا معْمر «في المسجدِ» (2).
* شرح غريب الحديث: * " الحصباء ": الحصى الصغار (3).
* " فحصبهم ": رماهم بالحصباء (4).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من موضوعات الدعوة: تدريب المجاهدين والإِعداد للجهاد في سبيل الله عز وجل.
2 -
من ميادين الدعوة: المسجد.
3 -
من صفات الداعية: الرفق.
4 -
من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والاستقامة.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من موضوعات الدعوة: تدريب المجاهدين والإعداد للجهاد في سبيل الله عز وجل: دل هذا الحديث على أن الإِعداد للجهاد والتحريض عليه من الأمور المهمة؛ ولهذا لم ينكر صلى الله عليه وسلم على الحبشة حينما لعبوا في المسجد بالحراب؛ لأن ذلك من باب التدريب على الجهاد، والإِعداد له؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " واللعب
(1) تقدمت ترجمته في الحديث رقم 7.
(2)
وأخرجه مسلم في كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه، في أيام العيد، 2/ 610، برقم 893.
(3)
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، حرف الحاء مع الصاد، مادة:" حصب " 1/ 393.
(4)
المرجع السابق، حرف الحاء مع الصاد، مادة:" حصب " 1/ 394.
بالحراب ليس لعبا مجردا، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدوِّ " (1) وقال رحمه الله:" واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب والتنشيط عليه، واستنبط منه جواز المثاقفة؛ (2) لما فيها من تمرين الأيدي على آلات الحرب "(3). فينبغي إعداد العدَد، والعدد، والتدريب على أمور الجهاد، وأخذ الأهبة والحذر، والله الموفق (4).
ثانيا: من ميادين الدعوة: المسجد: دل هذا الحديث على أن المسجد ميدان من ميادين الدعوة إلى الله عز وجل، ولهذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم الحبشة على التدرب على الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، وأنكر صلى الله عليه وسلم على عمر رضي الله عنه حصبهم بالحصباء؛ لأن اللعب بالحراب من أجل الجهاد عبادة لله عز وجل؛ وقد ذكر الإِمام السيوطي رحمه الله:" أن لعب الحبشة كان بالسلاح واللعب بالسلاح مندوب إليه للقوة على الجهاد، فصار ذلك من القرب، كإقراء علم، وتسبيح، وغير ذلك "(5) وهذا ظاهر واضح؛ لأن كل فعل مباح قصِدَ به وجه الله والدار الآخرة يكون طاعة لله عز وجل، (6) ورجَّح الإِمام عبد الله بن أبي جمرة أن لعب الحبشة في المسجد كان " للضرورة لضيق المدينة وضيق البيوت، ولعب الثقاف لا بد منه في وقتهم ذلك؛ لضرورة التدريب للقتال، فإذا كانت ضرورة مثل هذه جاز وإلا فلا "(7) وهذا هو الأولى، أن يكون التدريب على السلاح والرمي والكر والفر في ميادين خاصة، تعدَّ لتدريب المجاهدين إلا إذا اضطر الناس إلى تدريب المجاهدين في المسجد. والله الموفق للصواب.
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 1/ 549.
(2)
المثاقفة: يقال: ثاقفه فثقفه، كنصره: غالبه فغلبه في الحذق، ويقال: ثاقفه مثاقفة وثِقافا: خاصمه وجالده بالسلاح، ولاعبه إظهارا للمهارة والحذق، انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الفاء فصل الثاء، 9/ 19، والقاموس المحيط للفبروز آبادي، باب الفاء فصل الثاء، ص 1027، والمعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية، باب الثاء، مادة:" ثقف " 1/ 98.
(3)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 2/ 445.
(4)
انظر: الحديث رقم 18، الدرس الثاني.
(5)
شرح جلال الدين السيوطي على سنن النسائي 3/ 196.
(6)
انظر: بهجة النفوس، لعبد الله بن أبي جمرة 3/ 127.
(7)
انظر: المرجع السابق، 3/ 125.
ولا شك أن المسجد ميدان عظيم من ميادين الدعوة إلى الله عز وجل، فينبغي للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى أن يجعلوه ميدانا: للمحاضرات العلمية، والندوات، والخطب، والكلمات الوعظية، وإقامة الدروس، وتعليم الناس أمور دينهم، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل وصحابته من بعده، ومن سار على نهجهم واقتدى بهديهم (1).
ثالثا: من صفات الداعية: الرفق: دل هذا الحديث على صفة الرفق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفق في نهيه لعمر رضي الله عنه حينما حصب الحبشة بالحصباء، فقال صلى الله عليه وسلم له:«دعهم يا عمر» وهذا يدل على رفق النبي صلى الله عليه وسلم ولينه الحكيم؛ قال الله عز وجل: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159](2) فظهر من هذه الآية أن حقيقة الرفق: لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل والأيسر، وحسن الخلق، وكثرة الاحتمال، وعدم الإِسراع بالغضب والعنف (3) وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (4).
وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (5) وعنها رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يحرم الرفق يحرم الخير» (6) وعنها رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «إنه من أعطي
(1) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 6/ 433 - 437، وبهجة النفوس لابن أبي جمرة، 3/ 224 - 226، " وإكمال إكمال المعلم، شرح صحيح مسلم، للأبي 3/ 271 - 273، وفتح الباري لابن حجر، 1/ 156، 186، 187، 192، 230.
(2)
سورة آل عمران، الآية:159.
(3)
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب الراء مع الفاء، مادة:" رفق " 2/ 246، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، 10/ 449.
(4)
مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق، 4/ 2004، برقم 2593 عن عائشة رضي الله عنها.
(5)
المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما، 4/ 2004، برقم 2593.
(6)
المرجع السابق في الكتاب والباب المشار إليهما 4/ 4003، برقم 2592.
حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق وحسن الجوار: يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (1).
فينبغي للداعية إلى الله عز وجل أن يكون رفيقا في دعوته وفي جميع أموره.
رابعا: من أصناف المدعوين: أهل الصلاح والاستقامة: دل الحديث على أن من أصناف المدعوين أهل الصلاح والاستقامة والتقوى؛ لأن المعصوم من عصمه الله عز وجل؛ ولهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعله مع الحبشة في المسجد فقال له: " دعهم يا عمر " ويحتمل أن عمر رضي الله عنه لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلم أنه رآهم، أو ظن أنه رآهم واستحيا أن يمنعهم (2) وهذا أولى؛ لقوله في الحديث " وهم يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال ابن حجر رحمه الله:" وهذا لا يمنع الاحتمال المذكور أولا، ويحتمل أن يكون إنكاره لهذا شبيه إنكاره على المغنيتين، وكان من شدته في الدين ينكر خلاف الأولى والجد في الجملة أولى من اللعب المباح "(3).
ولا شك ولا ريب أن الداعية العظيم - غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - قد يحتاج إلى التوجيه ممن هو فوقه من الدعاة والعلماء، وقد ينكِر عليه أيضا من هو دونه في العلم فلا حرج في ذلك وينبغي للدعاة أن ينصح بعضهم بعضا، ويقبلوا النصيحة والتوجيه والحق ممن جاء به؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:«المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته (4) ويحوطه من ورائه» (5) والله عز وجل المستعان (6).
(1) أخرجه أحمد في المسند، 6/ 159، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:" رجاله ثقات " 10/ 415، وصحح إسناده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 519.
(2)
انظر: فتح الباري لابن حجر، 6/ 93.
(3)
المرجع السابق، 6/ 93.
(4)
الضيعة: الحرفة، وكفها جمعها عليه وردّها إليه، ومعنى " يحوطه " أي يحفظه، ويصونه من ورائه، من حيث لا يعلم، وفيما يغيب عنه من أموره، جامع الأصول، لابن الأثير 6/ 563 غريب الحديث رقم 4794.
(5)
أخرجه أبو داود، في كتاب الأدب، باب النصيحة والحياطة، 4/ 280 برقم 4918 عن أبي هريرة رضي الله عنه، والبخاري في الأدب المفرد ص 93 برقم 239. وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 926.
(6)
انظر: الحديث رقم 71، الدرس السابع.