الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
89 -
باب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم والقميص في الحرب
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما خالد فقد احتبس أدراعه في سبيل الله» .
[حديث اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم]
81 -
[2915] حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا عبد الوهاب: حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس (1). رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم ". فأخذ أبو بكر (2). بيده فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك. وهو في الدرع، فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ - بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 45 - 46]» (3).
وقال وهيب: حدثنا خالد " يوم بدر "(4).
وفي رواية: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: " اللهم. . . " الحديث (5).
* شرح غريب الحديث: * " قبة " القبة من الخيام بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب، والمقصود بالقبة هنا: العريش الذي كان فيه صلى الله عليه وسلم يوم بدر (6).
* " أنشدك ": أسألك (7).
* " حسبك ": كافيك (8).
(1) تقدمت ترجمته في الحديث رقم 5.
(2)
ترجم له في الحديث رقم 147.
(3)
سورة القمر، الآية: 45 - 46.
(4)
[الحديث 2915] أطرافه في: كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم [الأنفال: 9]، 5/ 6، برقم 3953. وكتاب تفسير القرآن، 54 سورة اقتربت الساعة، باب قوله: سيهزم الجمع ويولون الدبر [القمر: 45]، 6/ 63، برقم 4875. وكتاب تفسير القرآن، 54 سورة اقتربت الساعة، باب قوله: بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر [القمر: 46]، 6/ 4 6، برقم 4877.
(5)
الطرف رقم: 3953.
(6)
انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب القاف مع الباء، مادة:" قبب " 4/ 3، والمصباح المنير، للفيومي مادة:" القبة " 2/ 487، وفتح الباري، لابن حجر 7/ 289.
(7)
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، باب النون مع الشين، مادة " نشد " 5/ 53.
(8)
تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي ص 147.
* " ألححت ": يقال: ألح على الشيء: إذا لزمه وأصر عليه (1).
* " الدرع ": الزردية، وهي قميص من حلقات من الحديد متشابكة، يلبس وقاية من السلاح (2).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من موضوعات الدعوة: الحث على الالتجاء إلى الله عز وجل والإلحاح في الدعاء.
2 -
من صفات الداعية: الشجاعة.
3 -
من صفات الداعية: قوة اليقين والثقة بالله تعالى.
4 -
الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من موضوعات الدعوة: الحث كل الالتجاء إلى الله عز وجل والإلحاح في الدعاء: إن الالتجاء إلى الله عز وجل والإلحاح في الدعاء من أهم الموضوعات التي ينبغي أن لا يغفلها الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، وقد ظهر ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:«اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك» . . ". فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الدعاء والإلحاح فيه؛ حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: " حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك ".
وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالدعاء ووعد بالإجابة فقال: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ - وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 55 - 56](3) وقال عز وجل:
(1) انظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير باب اللام مع الحاء، مادة:" لحح " 4/ 236، والمصباح المنير، للفيومي مادة:" ألح " 2/ 550.
(2)
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الدال مع العين، مادة:" درع " 2/ 114، والمعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، مادة:" درع " 1/ 280.
(3)
سورة الأعراف، الآيتان: 55 - 56.
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186](1). فينبغي للدعاة إلى الله أن يحثوا المدعوين على الدعاء والضراعة إلى الله عز وجل في الرخاء والشدة؛ لأن ذلك من أسباب السعادة والتوفيق (2).
ثانيا: من صفات الداعية: الشجاعة: ظهر في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من قبة العريش إلى المعركة وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] وهذا يدل على شجاعته وقوة قلبه؛ ولهذا اشترك في المعركة، وكان أقرب المقاتلين المجاهدين إلى العدو، وكان الشجاع من أصحاب النبي يتقي به أثناء القتال، كما قال على بن أبي طالب، والبراء رضي الله عنهما (3).
ثالثا: من صفات الداعية: قوة اليقين والثقة بالله تعالى: إن قوة اليقين والثقة بالله تعالى من أبرز الصفات التي يلزم الداعية إلى الله عز وجل الاتصاف بها، وقد ظهرت هذه الصفة الحميدة في هذا الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم:«اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك» ، فإن الله عز وجل قد أخبر أنه ينصر رسله والذين آمنوا فقال:{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173](4) وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ - يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 51 - 52](5) وقد وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين: إما عير قريش وما عليها من التجارة، وإما هزيمة قريش، فقال عز وجل:{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7](6)
(1) سورة البقرة، الآية:186.
(2)
انظر: الحديث رقم 22، الدرس السابع.
(3)
انظر: الحديث رقم 35، الدرس الخامس، ورقم 61، الدرس الثاني، وبلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، لأحمد البنا، 1/ 35.
(4)
سورة الصافات، الآيات: 171 - 173.
(5)
سورة غافر، الآيتان: 51 - 52.
(6)
سورة الأنفال، الآية:7.
وقد حصل للنبي اليقين بذلك كله؛ ولهذا خرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] ومما يدل على اليقين أيضا ما قاله أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك "، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس يقينا وأقواهم ثقة بالله تعالى (1). ولا يشك في ذلك مسلم والحمد لله (2).
رابعا: الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل: دل هذا الحديث على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين، وقد أخذ بالأسباب: من دخوله في قبة العريش، ودعائه العظيم الذي هو من أعظم أسباب النصر، ولبسه للدرع، وقتاله مع المجاهدين، وغير ذلك. ولا شك أن التوكل يقوم على ركنين: اعتماد القلب على الله عز وجل والأخذ بالأسباب المشروعة أو المباحة (3).
(1) انظر: أعلام الحديث للخطابي، 2/ 51403.
(2)
انظر: الحديث رقم 28، الدرس الرابع.
(3)
انظر: الحديث رقم 30، الدرس الخامس.