الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي رواية: «وَلقاب قوْسِ أحدِكمْ فِي الجَنّةِ خَيْر مِمَّا طَلعَتْ عَليْهِ الشّمْس أوْ تغرب» (1).
[حديث الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها]
25 -
[2794] حَدَّثَنَا قَبيْصَة: حَدَّثَنَا سفيان، عَنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بن سعد (2) رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:«الرَّوْحَة وَالغَدْوَة فِي سَبيل اللهِ أَفْضَل مِنَ الدنيا وَمَا فِيْهَا» (3).
* شرح غريب الأحاديث: * " لغدوة ": المرة من الغدو: وهو سير أول النهار، نقيض الرواح، يقال: غدا يغدو غدوا، والغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس (5).
* " روحة ": الروحة: الفعلة الواحدة: والرواح: رواح العشيّ: وهو من زوال الشمس إلى الليل (6).
(1) الطرف رقم 3253.
(2)
سهل بن سعد بن مالك، الساعدي أبو العباس، الصحابي الجليل رضي الله عنه، كان اسمه حزنا فسماه النبي صلى الله عليه وسلم سهلا، كان له يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة، روى له عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة وثمانية وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر، بلغ عن النبي صلى الله عليه وسلم علما كثيرا، توفي سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين بالمدينة، وقد قيل: بأنه آخر من مات من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1/ 238، وسير أعلام النبلاء للذهبي 3/ 422، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 2/ 88.
(3)
[الحديث 2794] أطرافه في: كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل الله، وقول الله تعالى يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوا اصْبِروا وَصَابِروا وَرَابِطوا وَاتَّقوا اللَّهَ لَعَلَّكمْ تفْلِحونَ، 3/ 295، برقم 2892. وكتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة 4/ 104، برقم 3250. وكتاب الرقاق، باب مثل الدنيا والآخرة 7/ 219، برقم 6451. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله 3/ 1500، برقم 1881.
(4)
الطرف رقم 2892.
(5)
النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الغين مع الدال، مادة " غدا " 3/ 346، وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي، ص 346.
(6)
تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي، ص 346 وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الواو، مادة " روح " 2/ 273.
* " لقَاب قَوْسِ ": القاب القَدْر: أي موضِع قدْره، وقيل: القاب من القوس ما بين المقبض والسِّيَةِ، ولكل قوس قابان، وسية القوس: طرفها، وقيل: قاب قوس: أي قدر ذراع، ويقال: بيني وبينه قاب رمحٍ، وقَاد رمْحٍ، وقيد رمْحٍ: أي قَدر رمْحٍ في المساحة (1).
* " رباط يوم في سبيل الله " الرباط في الأصل: الإِقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها، والرباط: ملازمة ثغر العدوِّ، يقال: رابطت إذا لازمت الثَّغرَ والعدوَّ، ويقال: لما يربط به الشيء ويلازم حِفظه: رِبَاط. وقيل: المرابطة أن يربط هؤلاء خيلهم، وهؤلاء خيلهم في الثغر كلّ معِدّ لصاحبه، فَسمِّيَ المقام في الثغور، رباطا لذلك (2).
* الدراسة الدعوية للأحاديث: في هذه الأحاديث الثلاثة دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من أساليب الدعوة: الترغيب.
2 -
من أساليب الدعوة: التشبيه.
3 -
من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من أساليب الدعوة: الترغيب: الترغيب أسلوب عظيم من أساليب الدعوة إلى الله تعالى، وفي هذه الأحاديث ترغيب عظيم في الجهاد في سبيل الله تعالى، وأن المشاركة في الجهاد بغدوة أو روحة، أو رباط يوم في سبيل الله عز وجل يحصل بها الفوز العظيم والثواب الكبير وذلك خير من الدنيا وما فيها وما عليها؛ ولهذا بيّن النبي صلى الله عليه وسلم: أن
(1) تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص 346، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الواو، مادة " قوب " 4/ 118.
(2)
انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي ص 370، 391، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الراء مع الباء، مادة " ربط " 2/ 185.
موضع قدم، أو موضع سوطٍ، أو خمار امرأة من أهل الجنة على رأسها، خير من الدنيا وما فيها، وهذا وصف لا يدور بالخيال؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (1)؛ ولأهمية الترغيب قال الله عز وجل: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17](2). وهذا يوضح للداعية عظم أمر الترغيب وعلوَّ شأنه، وأن له التأثير العظيم في النفوس، فينبغي أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوة الناس وتوجيههم إلى الخير (3).
ثانيا: من أساليب الدعوة: التشبيه. دلت هذه الأحاديث على أن أسلوب التشبيه من أساليب الدعوة إلى الله تعالى؛ قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: (وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «خير من الدنيا وما فيها» وجهان:
أحدهما: أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس، تحقيقا له وتثبيتا في النفوس؛ فإن ملك الدنيا، ونعيمها، ولذاتها محسوسة مستعظمة في طباع النفوس، فحقَق عندها أن ثواب اليوم الواحد في الرباط - وهو من المغيبات - خير من المحسوسات التي عهدتموها من لذات الدنيا.
الثاني: أنه قد استبعد بعضهم أن يوازن شيء من نعيم الآخرة بالدنيا كلها، فحمل الحديث، أو ما هو معناه: على أن هذا الذي رتِّب عليه الثواب خير من الدنيا كلها، لو أنفقت في طاعة الله - تعالى - ثم قال رحمه الله: " والأول عندي أوجه وأظهر) (4).
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، 4/ 103، برقم 3244 وصحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، 4/ 2174، برقم 2824.
(2)
سورة السجدة، الآية:(17).
(3)
انظر: فتح الباري لابن حجر 6/ 14، وشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد بن حنبل، للعلامة محمد السفاريني 2/ 346، ومنار القاري في شرح مختصر صحيح البخاري، لحمزة بن محمد بن قاسم 4/ 87، وانظر: الحديث رقم 7، الدرس الرابع عشر، ورقم 21، الدرس السابع.
(4)
إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، 2/ 301 - 302، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي 3/ 709 - 710، وشرح النووي على صحيح مسلم 13/ 31، وشرح الكرماني على صحيح البخاري 12/ 100.
فينبغي للداعية أن يستخدم أسلوب التشبيه في دعوته إلى الله (1).
ثالثا: من موضوعات الدعوة: الحث على الجهاد إن مفهوم هذه الأحاديث تضمن الحث على الجهاد والمشاركة فيه، ولو برباط يوم في سبيل الله تعالى، أو غدوة، أو روحة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«رباط يوم وليلة خير من صيام شهِر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وَأجرِيَ عليه رزقه، وأمِنَ الفَتان» (2). " (3).
وفي بيان دلالة هذه الأحاديث على الحث على الجهاد يقول ابن حجر، رحمه الله:" والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد، وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر أعظم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حَصَّل منها أعلى الدرجات، والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد: الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فَنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا "(4).
وهذا يحث الداعية على أن يبين للناس فضل الجهاد، ويحثهم عليه، ويبيِّن حدوده، وضوابطه من الكتاب والسنة (5).
(1) انظر: الحديث رقم 18، الدرس الرابع، ورقم 19، الدرس الخامس.
(2)
الفتان: قال الأكثر من الرواة: بضم الفاء، جمع فاتن للجنس، أي يؤمَن من كل ذي فتنة، وروى الطبري بفتح الفاء: يعني به فتان القبر، وكذلك رواه أبو داود مفسرا بالإِضافة إلى القبر. انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي 3/ 756، وشرح النووي على صحيح مسلم 13/ 65.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإِمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله، عز وجل، 3/ 1520، برقم 1913.
(4)
فتح الباري 6/ 14.
(5)
انظر: الحديث رقم 2، الدرس الثالث، ورقم 18، الدرس الثاني.