الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
110 -
باب البيعة في الحرب أن لا يفروا
وقال بعضهم: على الموت لقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18](1).
[حديث سألنا نافعا على أي شيء بايعهم على الموت قال لا بل بايعهم على الصبر]
97 -
[2958] حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا جويرية، عن نافع قال: قال ابن عمر (2). رضي الله عنهما: «رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله. فسألنا نافعا: على أي شيء بايعهم، على الموت؛ قال: لا، بل بايعهم على الصبر» . * الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من وسائل الدعوة: إزالة الأماكن التي يفتن بها الناس.
2 -
من صفات الداعية: الثبات والصبر.
3 -
محبة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
4 -
من وسائل الدعوة؛ مبايعة إمام المسلمين.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من وسائل الدعوة: إزالة الأماكن التي يفتن بها الناس: ظهر في هذا الحديث أن إزالة أو إخفاء الأماكن التي يفتتن بها الناس من وسائل الدعوة إلى الله عز وجل؛ ولهذا قال ابن عمر رضي الله عنهما: «رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها كانت رحمة من الله» قال الإمام النووي رحمه الله: " قال العلماء: سبب خفائها أن لا يفتتن الناس
(1) سورة الفتح، الآية:18.
(2)
تقدمت ترجمته في الحديث رقم 1.
بها؛ لما جرى تحتها من الخير، ونزول الرضوان، والسكينة، وغير ذلك، فلو بقيت ظاهرة معلومة لخيف تعظيم الأعراب إياها وعبادتهم لها، فكان خفاؤها رحمة من الله تعالى " (1) وقال ابن حجر رحمه الله:" كانت رحمة من الله: أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى، ويحتمل أن يكون معنى قوله " رحمة من الله " أي كانت الشجرة، موضع رحمة الله ومحل رضوانه؛ لنزول الرضا عن المؤمنين عندها "(2) وحديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم قد أنسوا مكان الشجرة، وقد وافق ابن عمر رضي الله عنهما على أن الشجرة خفي عليهم مكانها من العام الذي بعد صلح الحديبية، المسيب والد سعيد، قال سعيد رحمه الله: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها " (3) وقال ابن حجر رحمه الله: " لكن إنكار سعيد بن المسيب على من زعم أنه عرفها معتمدا على قول أبيه أنهم لم يعرفوها في العام المقبل لا يدل على رفع معرفتها أصلا " (4) وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي قطعها، فعن نافع قال: " بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، قال: فأمر بها فقطعت " (5).
وسمعت سماحة العلامة ابن باز حفظه الله يقول: " أنسيها المسيب رحمه الله ولكن عمر رضي الله عنه علمها وقطعها "(6).
وهذا يبين أهمية إزالة المواضع التي يخشى على الناس من الافتتان بها، وأن ذلك من وسائل الدعوة إلى الله عز وجل.
(1) شرح النووي على صحيح مسلم 13/ 9.
(2)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 6/ 118.
(3)
متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، وقول الله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة. [الفتح 18] 5/ 77 برقم 4163، 4164، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، 3/ 1485 برقم 1859.
(4)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 7/ 448.
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الصلوات، 2/ 375، وابن سعد في الطبقات الكبرى 2/ 375، وقال ابن حجر في فتح الباري 7/ 448: إسناده صحيح.
(6)
سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم 4164 من صحيح البخاري.
ثانيا: من صفات الداعية: الثبات والصبر: ظهر في هذا الحديث أن الصبر والثبات صفة حميدة من صفات الدعاة إلى الله عز وجل، ولهذا جاء في هذا الحديث:«فسألنا نافعا على أي شيء بايعهم، على الموت؟ قال: لا، بايعهم على الصبر» ، وقد ثبت في غير هذا الحديث أن الصحابة بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية على الموت، فعن مولى سلمة بن الأكوع قال:«سألت سلمة على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت» (1) قال ابن حجر رحمه الله على حديث سلمة هذا: " فدل ذلك على أنه لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت، وعلى عدم الفرار؛ لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولابد، وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله: " بل بايعهم على الصبر " أي على الثبات وعدم الفرار، سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا، والله أعلم "(2).
فينبغي للداعية أن يتحلى بالصبر والثبات في جميع المواطن (3).
ثالثا: محبة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دل هذا الحديث على محبة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم له، محبة عظيمة فاقت محبة النفس، والولد، والوالد، والناس أجمعين؛ ولهذا بايعوه صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية على الثبات وعدم الفرار، ولو وصل بهم هذا الثبات إلى الموت رضي الله عنهم، ولهذا فازوا برضوان الله. قال الله عز وجل:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18](4).
وهذا كله يدل على المحبة العظيمة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم وأرضاهم وحشرنا جميعا في زمرتهم (5).
(1) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، 5/ 78، برقم 4169، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الجيش عند إرادة القتال وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، 3/ 1486 برقم 1860.
(2)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 6/ 118.
(3)
انظر: الحديث رقم 27، الدرس الأول، ورقم 28، الدرس السادس.
(4)
سورة الفتح، الآية:18.
(5)
انظر: الحديث رقم 62، الدرس الثامن، ورقم 63، الدرس الثامن أيضا.
رابعا: من وسائل الدعوة: مبايعة إمام المسلمين: مبايعة إمام المسلمين من أهم وسائل الدعوة إلى الله عز وجل؛ ولهذا ظهر في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع الصحابة يوم الحديبية على الصبر، ولا شك أن المبايعة معاقدة ومعاهدة على القيام والالتزام بما حصلت البيعة عليه؛ لأن البيعة عبارة عن المعاقدة والمعاهدة: كأن كل واحد من المبايعين باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودخيلة أمره (1) ولا ريب أن التعاهد والتعاضد يعطي بإذن الله عز وجل العزيمة القوية على الثبات في الدعوة إلى الله عز وجل، وفي الجهاد، وفي كل أمور الإسلام؛ ليكون ذلك وسيلة إلى الجهاد والدعوة ومن ذلك: البيعة على السمع والطاعة، وعلى أن لا ينازع الأمر أهله، وعلى القول بالحق، وبالعدل، وعلى النصح لكل مسلم، والثبات في القتال، والبيعة على الجهاد، وعلى الهجرة، وأعظم ذلك البيعة على الإيمان والإسلام، والنصرة وغير ذلك (2).
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (3).
وهذا يبين أهمية مبايعة إمام المسلمين، وخطر الخروج عليه، وأن المبايعة من أعظم وسائل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
(1) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الباء مع الياء، مادة:" بيع " 1/ 174.
(2)
انظر: تراجم النسائي رحمه الله في كتاب البيعة من سننه، 7/ 137 - 162.
(3)
مسلم، كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة، 3/ 1478، برقم 1851.