الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
بَاب الدّعَاءِ بِالجِهَادِ والشَّهَادةِ للرِّجَالِ والنِّساءِ
وَقَالَ عمَر: اللَّهمَّ ارْزقْنِي شَهادَة فِي بَلدِ رَسولِكَ.
[حديث ناس من أمتي يركبون ثبج البحر ملوكا على الأسرة]
20 -
21 - [2788، 2789]- حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن يوسفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنهما:(1) أنه سَمعَه يقول: «كَانَ رَسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدْخل عَلَى أمِّ حَرَامٍ بنتِ مِلْحانَ (2). فَتطْعِمه، وَكَانَتْ أمّ حَرَامٍ تَحْتَ عبَادَةَ بْنِ الصامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فأَطْعَمَتْه وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَه، فَنَامَ رَسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ثمَّ اسْتَيْقَظَ وَهوَ يَضْحَك. قَالَتْ: فَقلْت: وَمَا يضْحِككَ يَا رَسولَ اللهِ؟ قَالَ: " نَاس مِن أمَّتِي عرِضوا علي غزاة فِي سَبيل اللهِ، يركَبونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ ملوكا عَلَى الأَسِرَّةِ- أَوْ مِثلَ الملوكِ عَلَى الأَسِرَّة " شَكَّ إِسْحَاق - قَالَتْ: فَقلْت: يَا رَسولَ اللهِ، ادْع اللهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فدَعَاَ لَهَا رَسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ وَضَعَ رَأْسَه، ثم اسْتَيْقَظَ وَهوَ يَضحَك. فقلْت: وَمَا يضْحِككَ يَا رَسولَ اللهِ؟ قَالَ: " نَاس مِنْ أمَّتِي عرِضوا عَليَّ غزاة فِي سَبيل الله " - كما قال في الأَوَّل- قَالَتْ: فَقلْت: يَا رَسولَ اللهِ، ادْع اللهَ أَنْ يَجعَلنِي مِنْهم، قَالَ: " أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِين ". فرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمِن معَاوِيَةَ بْن أَبِي سفْيَانَ، فصرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِيْنَ خَرَجَتْ مِنَ البَحرِ فَهَلَكَتْ» (3).
(1) أنس بن مالك رضي الله عنه، تقدمت ترجمته في الحديث رقم 14.
(2)
أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، الأنصارية، النجارية، رضي الله عنها، قيل: كانت خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، وقيل: من النسب، وهي أخت أم سليم، وخالة أنس بن مالك، تزوجت عبادة بن الصامت رضي الله عنه، فغزا بها معه في البحر مع معاوية، زمن عثمان رضي الله عنه، فلما رجعوا من غزوتهم قرّبت لها بغلة؛ لتركبها فصرعتها فماتت شهيدة في سبيل الله عز وجل، وكانت هذه الغزوة في قبرس، وهي جزيرة من جزائر الروم، وذلك سنة سبع وعشرين. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، 2/ 316، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 4/ 441، وتهذيب التهذيب له، 12/ 489، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال، للحافظ أحمد بن عبد الله الخزرجي، ص 497.
(3)
[الحديث 2788] أطرافه: في كتاب الجهاد، باب فضل من يصرع في سبيل الله فمات فهو منهم، 3/ 268، برقم 2799، وفي باب غزوِ المرأة في البحر، 3/ 291، برقم 2877، وباب ركوب البحر، 3/ 296، برقم 2894، وفي كتاب الاستئذان، باب من زار قوما فقال عندهم، 7/ 181، برقم 6282، وكتاب التعبير، باب الرؤيا بالنهار، 8/ 93، برقم 7001. وأخرجه مسلم، في كتاب الإِمارة، باب فضل الغزو في البحر، 3/ 1518، برقم 1912.
و [الحديث 2789] أطرافه: في كتاب الجهاد، باب فضل من يصرع في سبيل الله فمات فهو منهم، 3/ 368، برقم 2800، وباب غزو المرأة في البحر، 3/ 1 29، برقم 2878، وباب ركوب البحر، 3/ 296، برقم 2895، وباب ما قيل في قتال الروم، 3/ 305، برقم 2924، وفي كتاب الاستئذان، باب من زار قوما فقال عندهم، 7/ 181، برقم 6283، وكتاب التعبير، باب الرؤيا بالنهار، 8/ 93، برقم 7002، وأخرجه مسلم، في كتاب الإِمارة، باب فضل الغزو في البحر، 3/ 1518، برقم 1912.
وفي رواية: «يَرْكَبونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْر الأَخْضَر كَالْملوكِ عَلَى الأَسرَّةِ» (1).
وفي رواية: «اللَّهمَّ اجْعَلْهَا مِنْهمْ» (3).
وفي رواية: «كَانَ رَسول اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَهَبَ إِلَى قبَاءٍ يَدْخل عَلَى أمِّ حَرَامٍ» . . . " (4).
* شرح غريب الحديثين: * قوله: " تَفْلِي رأْسه ": تفتش القمل من رأسه، وتقتله؛ لأنه قيل إنها كانت خالته من الرضاعة، والخلاصة أنها محرم له (6).
* قوله: " ثَبَج هذا البحر ": أي وسطه، والثبج ظهر الشيء: أي ظهر البحر ومتنه (7).
(1) من الطرف رقم 2799.
(2)
من الطرف رقم 2800.
(3)
من الطرف رقم 2877.
(4)
من الطرف رقم 6282.
(5)
من الطرف رقم 2924.
(6)
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب الفاء مع اللام، مادة:" فلى "، 3/ 474، وعارضة الأحوذي لابن العربي، 4/ 129، وشرح النووي على صحيح مسلم، 13/ 61، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، 12/ 97، وعمدة القاري للعيني، 14/ 86،.
(7)
تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص 245، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، 12/ 97، وانظر: أعلام الحديث للخطابي 2/ 1356، وفتح الباري لابن حجر، 11/ 74،.
* قوله: " ملوكا على الأسرَّة ": صفة لهم في الدنيا، والمعنى يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم، واستقامة أمرهم، وكثرة عددهم (1).
* قوله: " صرعت عن دابتها ": أي قربت إليها دابتها لتركبها فشرعت لتركب فسقطت فاندقت عنقها فماتت (2).
* الدراسة الدعوية للحديثين: في هذين الحديثين دروس وفوائد دعوية، منها:
1 -
من أدب المدعو: إكرام العلماء والدعاة والسرور بذلك.
2 -
من صفات الداعية: حسن الخلق وسعة الصدر.
3 -
من صفات الداعية: السرور بانتصار الإِسلام.
4 -
من أعلام النبوة: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالمغيبات.
5 -
من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء.
6 -
من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله تعالى.
7 -
من أساليب الدعوة: الترغيب في الجهاد وبيان فضيلة المجاهد.
8 -
استعانة الداعية بالنوم في القائلة على قيام الليل.
9 -
من وسائل الدعوة: ركوب البحر عند الحاجة.
10 -
من صفات الداعية: الحرص على الدقة في الحديث.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من أدب المدعو: إكرام العلماء والدعاة والسرور بذلك: يظهر في هذا الحديث أن إكرام العلماء واحترامهم من آداب المدعو الصالح؛ ولهذا أكرمت أم حرام رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم: بالطعام، والخدم، وفلت شعر رأسه. وقد كانت من محارمه من جهة الرضاعة (3).
(1) شرح الكرماني على صحيح البخاري، 12/ 97.
(2)
تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص 245، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، 12/ 103، وفتح الباري لابن حجر، 11/ 76.
(3)
انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 13/ 61، وقال:" اتفق العلماء على أنها كانت محرما له "، وانظر: شرح صحيح البخاري للكرماني، 12/ 97.
ولا شك أن إكرام أم حرام للنبي صلى الله عليه وسلم قد سرَّ زوجها؛ قال الإمام الأبي رحمه الله: " ومعلوم سرور زوج أم حرام بذلك، وكانوا يحبون أن يدخل بيوتهم ويأكل طعامهم "(1) وهذا مما يدل على الأدب مع العالم والداعية؛ ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» (2).
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«ليس من أمتي من لم يجِلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا» (3).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا» ، وفي رواية:«ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا» (4).
فينبغي للمدعو أن يجِلّ ويكرم العلماء، والدعاة، وينزلهم منازلهم.
ثانيا: من صفات الداعية: حسن الخلق وسعة الصدر: ظهر في هذا الحديث حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم مع أمِّ حرام، وسعة صدره، وتواضعه صلى الله عليه وسلم، دل على ذلك تبسمه وضحكه، وملاطفته لها، فينبغي للداعية أن يكون حسن الخلق، واسع الصدر متواضعا، اقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم، حتى يكون بذلك من خيار الناس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«إن من خياركم أحاسنكم أخْلَاقا» (5) وهذا يبيِّن للداعية أهمية التزام الخلق الحسن، والعمل به ظاهرا وباطنا (6).
(1) إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للأبي 6/ 665.
(2)
أبو داود، باب في تنزيل الناس منازلهم 4/ 261، برقم 4842، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/ 44.
(3)
مسند الإمام أحمد 5/ 323، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/ 44.
(4)
مسند أحمد 2/ 185، 207، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/ 45. وانظر: المسند من رواية ابن عباس رضي الله عنهما 1/ 257.
(5)
متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: البخاري، كتاب الأدب، باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا 7/ 106 برقم 6029، ومسلم، في كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه صلى الله عليه وسلم 4/ 1810 برقم 2321.
(6)
انظر: الحديث رقم 14، الدرس الأول.
ثالثا: من صفات الداعية: السرور بانتصار الإسلام: دل هذا الحديث على أن الداعية الصادق هو الذي يفرح بظهور الإسلام وانتصار أهله؛ ولهذا بين الإمام النووي، والكرماني، وابن حجر رحمهم الله أن ضحكه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كان فرحا وسرورا؛ بكون أمته تبقى بعده متظاهرة بأمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر، ممتثلة لأمره صلى الله عليه وسلم بجهاد العدو (1).
والفرح والسرور بفضل الله تعالى وبتوفيقه مرغوب فيه ومحبوب إلى الله تعالى؛ ولهذا قال سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58](2).
رابعا: من أعلام النبوة: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالمغيبات: إن من الدلائل الواضحات والبينات القاطعات، والحجج الدامغات التي تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما أخبر به من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله تعالى، وأوحى بها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة جدا (3) ومنها ما لم يقع فأخبر صلى الله عليه وسلم بها ووقعت كما أخبر، فدل ذلك على أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء به من عند الله حق. قال الله سبحانه وتعالى:{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26 - 27](4){وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 179](5).
وقد دل هذا الحديث على بعض هذه الأمور التي تدل على صدقه صلى الله عليه وسلم، وصحة نبوته، قال الإمام النووي وغيره من أهل العلم رحمهم الله: " وفيه معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم، منها: إخباره ببقاء أمته بعده، وأنه تكون لهم شوكة وقوة وعدد، وأنهم يغزون، وأنهم يركبون البحر، وأن أمَّ حرام تعيش إلى ذلك
(1) انظر: عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي، لابن العربي، 4/ 130، وشرح النووي على صحيح مسلم، 13/ 62، وإكمال إكمال المعلم للأبي، 6/ 665، وشرح الكرماني على صحيح البخاري، 12/ 98، وفتح الباري لابن حجر، 11/ 77.
(2)
سورة يونس، الآية:58.
(3)
انظر: جامع الأصول لابن الأثير 11/ 311 - 331.
(4)
سورة الجن، الآيتان: 26 - 27.
(5)
سورة آل عمران، الآية:179.
الزمان، وأنها تكون معهم، وقد وجِدَ بحمد الله تعالى كل ذلك (1).
خامسا: من أساليب الدعوة: التأليف بالدعاء: إن من الأساليب المهمة في الدعوة إلى الله تعالى تأليف المدعو بالدعاء له، وهذا أسلوب نافع في الدعوة؛ ولهذا استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته كثيرا، وقد دل هذا الحديث على هذا الأسلوب في قوله صلى الله عليه وسلم لأمِّ حرام رضي الله عنها:«اللهم اجعلها منهم» وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اهدِ دوسا وائت بهم، اللهم اهدِ دوسا وائت بهم» (2) وقد نص البخاري رحمه الله على أن الدعاء من التأليف للمدعو فقال: " باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم "، وقال ابن حجر رحمه الله عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين:". . . كان تارة يدعو عليهم وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم، والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم. . . "(3).
أما المدعو من المسلمين فيتألف بالدعاء مطلقا؛ فإن ذلك من الأساليب النافعة (4) فينبغي للداعية أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوته للناس، والله المستعان.
سادسا: من صفات الداعية: الرغبة فيما عند الله تعالى: من صفات الداعية الصادق مع الله تعالى الرغبة فيما عند الله تعالى؛ ولهذه الرغبة سألت أم حرام النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها أن تكون مع المجاهدين رغبة في فضل الجهاد وطلبا للشهادة في سبيل الله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم إجابة لطلبها:«اللهم اجعلها منهم» ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح ترجمة الحديث:". . . وجاز تمني الشهادة؛ لما يدل عليه من صدق من وقعت له من إعلاء كلمة الله حتى بذل نفسه في تحصيل ذلك "(5) ولهذه الرغبة قال عمر رضي الله عنه:
(1) شرح النووي على صحيح مسلم، 13/ 63، وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، 3/ 754، وإكمال إكمال المعلم، للأبي، 6/ 667.
(2)
متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري، كتاب الجهاد، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم 3/ 308، برقم 2937، ومسلم، في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع وتميم ودوس وطيء، 4/ 1957، برقم 2524.
(3)
فتح الباري لابن حجر 6/ 106.
(4)
انظر: مسند أحمد 5/ 256، والبخاري مع الفتح 6/ 514، 12/ 282، ومسلم برقم 2818.
(5)
فتح الباري لابن حجر 6/ 10.
" اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم "(1) وقد أجاب الله دعاء من رغب فيما عنده سبحانه؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» (2).
فعلى الداعية أن يتصف بالرغبة فيما عند الله تعالى، وهذا من أعظم أسباب توفيقه وإعانته وقبول دعوته. والله المستعان وعليه التكلان (3).
سابعا: من أساليب الدعوة: الترغيب في الجهاد وبيان فضيلة المجاهد: من أساليب الدعوة: الترغيب في أعمال الطاعات ومن أعظمها الجهاد في سبيل الله تعالى؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فوائد هذا الحديث: ". . . وفيه من الفوائد: الترغيب في الجهاد والحض عليه، وبيان فضيلة المجاهد "(4).
" ومن فضل الله تعالى على المجاهد أن موته في الغزو يعَدّ شهادة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ". . . «من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد» (5) وهذا موافق لمعنى قوله تعالى:. . {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100](6) وقوله عز وجل: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ - لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج: 58 - 59](7) وقد دل الحديث بمفهومه والآية بمنطوقها على ما يحصل عليه المجاهد الغازي في سبيل الله تعالى من الثواب العظيم، وأعظم منه من قتل في سبيل الله؛ فإن له ضيافة عند الله تعالى. ففي الحديث: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر،
(1) البخاري، كتاب فضائل المدينة، باب 12 حدثنا مسدد عن يحيى 1/ 274 برقم 1890.
(2)
مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، 3/ 1317، برقم 1909.
(3)
انظر: الحديث رقم 13، الدرس الثاني، ورقم 16، الدرس الثالث.
(4)
فتح الباري 11/ 77.
(5)
أخرجه مسلم، في كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، 3/ 1521 برقم 1915.
(6)
سورة النساء، الآية:100.
(7)
سورة الحج، الآيتان: 58 - 59.
ويأمن الفزع الأكبر، ويحلَّى حلية الإِيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه» (1).
فعلى الداعية أن يستخدم هذا الأسلوب في دعوته إلى الله تعالى (2).
ثامنا: استعانة الداعية بالنوم في القائلة على قيام الليل: دل الحديث على أن الداعية ينبغي له أن يستعين بنوم القائلة على قيام الليل، قال الحافظ ابن حجر في فوائد هذا الحديث:" وفيه مشروعية القائلة لما فيه من الإعانة على قيام الليل "(3).
وقال الحافظ ابن العربي: " ونوم القائلة أصل في معونة الدين لمن يقوم الليل ويحيي بيته بالطاعة "(4).
فعلى الداعية أن يستعين بنوم القائلة رغبة في أن يتقوى على قيام الليل، وعلى أمور الدعوة في الأوقات الأخرى.
تاسعا: من وسائل الدعوة: ركوب البحر عند الحاجة: لا ريب أنه ينبغي للداعية أن يستخدم كل وسيلة نافعة مشروعة- أو لا محذور فيها ولا مخالفة- في دعوته إلى الله تعالى، ومن هذه الوسائل ركوب البحر عند الحاجة؛ لأجل الدعوة إلى الله تعالى؛ ولهذا ذكر جمهور العلماء رحمهم الله في فوائد هذا الحديث:" جواز ركوب البحر "(5) وهذا له أصل في كتاب الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [يونس: 22] الآية، (6) وقال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 97](7).
(1) ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل الله 2/ 935 برقم 2799، عن المقدام بن مَعدِ يكرب رضي الله عنه، وأحمد 4/ 131، 200، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه 2/ 129.
(2)
انظر: الحديث رقم 7، الدرس الرابع عشر، ورقم 19، الدرس الأول.
(3)
فتح الباري، 11/ 77، وانظر: عمدة القاري للعيني، 14/ 87.
(4)
عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي، 4/ 129.
(5)
انظر: المرجع السابق، 4/ 130، وشرح النووي على صحيح مسلم، 13/ 63، وإكمال إكمال المعلم، للأبي، 6/ 667، وفتح الباري لابن حجر، 11/ 77.
(6)
سورة يونس، الآية:22.
(7)
سورة الأنعام، الآية:97.
فعلى الداعية أن يعلم أنه لا حرج في ركوب البحر للدعوة إلى الله تعالى، وهذا من الوسائل النافعة عند الحاجة لذلك. والله المستعان.
عاشرا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في الحديث: لا شك أن من الصفات المهمة التي ينبغي أن يلتزمها الداعية، الحرص على صحة ما يقول وينقل للناس، حتى لا يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم؛ وللحرص على هذه الصفة قال إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة في روايته لهذا الحديث:«يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرَّة- أو مثل الملوك على الأسرَّة» قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: " وهذا الشك من إسحاق، يشعر بأنه كان يحافظ على تأدية الحديث بلفظه ولا يتوسع في تأديته بالمعنى "(1) وهذا يدل على حرص السلف على تَحَرِّيهِم في النقل، وصدقهم؛ لأنه لما أشكل على إسحاق لفظ الحديث أبدى الإشكال ولم يأخذ بقوة الظن فيخبر به (2).
وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله تعالى الحرص على ضبط الرواية والدقة في نقل الأخبار، والأقوال، وخاصة إذا كان النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يتيقن ذلك قال في نهاية الحديث: أو كما قال صلى الله عليه وسلم، أو الحديث بمعناه، وكذلك الأحاديث التي يشك في صحتها يقول: ذكِرَ، أَوْ روِيَ، أو جاء، حتى لا يقع في قوله صلى الله عليه وسلم:(3)«كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (4).
(1) فتح الباري لابن حجر، 11/ 64، وانظر: كتاب الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي، ص 265 - 316.
(2)
انظر: بهجة النفوس لابن أبي جمرة، 1/ 128.
(3)
انظر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير، بقلم العلامة أحمد محمد شاكر، 2/ 377 - 442.
(4)
صحيح مسلم، في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع 1/ 10 برقم 5، وانظر: الحديث رقم 3، الدرس الرابع.